عزت القمحاوي
من بين أساطيره، أسس نجيب محفوظ لأسطورة الزهد في السفر. وفي مقابل هذا الكاتب الواحد هناك المئات ممن استسلموا لغواية السفر حتي لم يعد لديهم من وقت للإقامة في أماكنهم الأصلية، من دون أن نعرف ما إذا كان السفر قد واظب علي تزويدهم بالدهشة التي وفرها لهم في المرة أو المرات الأولي. ليس الكتاب فقط من يعشقون السفر، بل هو، فيما يبدو، نزوع إنساني يشترك فيه كل البشر. وكل الأماكن تصلح موضوعاً لحلم السفر. حتي مدننا التي نحملها كذنب لها مجانينها الذين يعشقونها ويحلمون بها، فالحياة دائماً هي في المكان الآخر. الرحالة القدامي تمكنوا من الاحتفاظ بدهشتهم إزاء المشاهد الجديدة علي الرغم من الزمن الذي كانت تستغرقه رحلاتهم، والعبور المتدرج عبر الحدود ومناطق التمازج وهو ما يمكن أن يقلل من دهشة اللقاء بالمختلف والغريب.. مسافر اليوم علي العكس من ذلك، يسافر من عاصمة إلي عاصمة، أي من القلب إلي القلب مباشرة. في انتقالة مفاجئة بين حياتين، وهو بذلك أسعد حظاً بشرط أن يتخلي عن وهم المعرفة المسبقة الذي تشيعه الفضائيات، فالصورة تقدم أوهاماً عن المكان لا المكان ذاته. لاننتظر من السفر المختلف الذي نستحقه فقط، بل ربما تكون فضيلته الكبري هي الهروب من حياة نعيشها كورطة، وما يترتب علي هذا الهروب من خلطة مشاعر يتداخل فيها شجن المقبلين علي الرحيل، مع ابتسامة التشفي والرضا النزق لخذلان كل أولئك الذين يثقلون حيواتنا ويجعلونها أصعب باعتمادهم المفرط علينا. لايصافح المسافر مودعيه ويوليهم ظهره، حتي يقع علي الاكتشاف الفذ الذي يفوت الميتين للأسف: أن حياة الآخرين ممكنة من دونه، وربما أخف، علي العكس من كل ما تصوره حتي لحظات، وجعله يبدد حياته ويضعها رهن تصرف الآخرين إلي هذا الحد.
لايغير المسافر حقيبته في كل مرة، بل يستخرج الحقيبة ذاتها من المكمن ذاته، ويضع فيها أشياء من تلك التي يستخدمها في إقامته العادية: ملابس، أدوات الحلاقة، فرشاة الأسنان، كتب (بعضهم يحمل خيطاً وإبرة). لكن كل هذه الأشياء توضع باقتصاد وقصدية ترفعها درجات فوق وجودها العادي، تتعمق وظائفها، ويشعر بها المرء قريبة منه حتي يكاد حضورها يصبح إنسانياً في رحلة يتضافر فيها مصيره بمصيرها. تضفي الأشياء بوجودها مزيداً من العمق علي وجودنا الذي بصدد تجربة الانغراس في تربة أخري أوالتبدد النهائي.. وحدة مصير بين الكائن وأشياءه الصغيرة تبدأ مع الرحلة؛ لذلك لايعتز الإنسان بكونه يمتلك ماكينة حلاقة أو فرشاة أسنان إلا في السفر. ربما تأتي متعة السفر من كونه معركة؛ معركة لذيذة، احتمالات النصر فيها أكبر من احتمالات الهزيمة.
السفر نزال للزمن، الذي اعتاد أن ينهشنا في أماكننا، ويتقدم فينا صوب الموت، فإذا بنا نحدق في وجهه ونذهب إليه، بل نسري فيه كسكين في قطعة زبد، فبعد ثلاث ساعات طيران، أقل أو أكثر نكون في واقع آخر، نطالع الوجوه المختلفة للبشر والحجر، والمناخ المختلف. وكل هذه التحولات لم يصنعها تعاقب الفصول ولم تصنعها تحولات المناخ علي سطح الكوكب، بل صنعها المسافر بقراره الشجاع بالتخلي عن الانتظار! ومن المتعذر الإمساك بالتذبذب الهش والمراوغ للعواطف عند الشروع في سفر، خصوصاً إلي مكان جديد. وباستثناء قلة من رجال الأعمال والقادة والأدباء المحمولين جواً، يستطيع المسافر أن يستخلص من تلال المخاوف والتوجسات العِرق النقي والنادر لفرحة الميلاد، فالتأهب للسفر نوع من التأهب لميلاد جديد، ميلاد يعيه المولود ويستمتع به، والاحتشام فقط هو ما يمنعنا من إطلاق صرخة الميلاد عند مصافحة المكان الجديد. ويبدو أن السفر رغم كل التقدم، أو ربما بسببه يكتسب أكثر فأكثر رمزية الحياة والموت.
الدخول إلي صالة المغادرة، الذي كان مجرد عبور بين مكانين لم يعد كذلك بسبب الإرهاب. وعلي الرغم من أن هلع الحكومات من الإرهاب لم يصل بعد إلي حد إجبار المسافر علي التخلي عن المخيط، فعلي الأقل يتم التخلي عن الساعة والحزام، والنظارة والعملات المعدنية، فأصبح لعبور الخط الأصفر رمزية التعميد والتنسيب في الديانات المختلفة. ضباط الجوازات هم كهنة وشيوخ التعميد، وهم ملوك الموت الذين يزنون أعمال المسافرين، ويردون إلي المقبولين منهم جوازاتهم بيمينهم لينعموا بمنطقة الترانزيت أو البرزخ بأسواقه الحرة وراحة أو قلق ما قبل الركوب. في السابق كان لهذا العبور علي المودعين طعم انغلاق باب القبر، خاصة في حالات السفر الطويل، الآن وبفضل الهواتف النقالة صار بالإمكان الحديث مع الراحل في البرزخ، حتي الصعود إلي الطائرة.
كل الأديان تعلي من رمزية الصعود، وكل ركاب الطائرات يعرفون لذة انخطاف الروح لحظة الانفصال عن الأرض. الملامسة الخطرة للمصير، ثم خفة فنسيان الكينونة في لعبة مثيرة تبدأ بالعرض المضحك لإجراءات السلامة علي الطائرة! منذ سنوات كانت المضيفة تشرح للركاب بنفسها، بينما تقوم بإجراءات نفخ السترة الواقية، أو ارتداء قناع الأكسجين، والآن صار الصوت إلكترونياً من شاشات العرض التي تصاحبها حركات البانتوميم من المضيفة الصامتة، بينما يدرك الجميع أن هذا النوع من الخطر لاتنفع معه أية احتياطات، فإما الهبوط بسلام في المكان المحدد وإما التبدد بين السماء والأرض. من الخير أن نبحث عن الأمان في بريق عيني المضيفة نافخة السترة، أما التفكير في إجراءات السلامة فمن شأنه أن يثير الرعب، معظم ركاب الطائرات لايعرفون إن كانت سترة الراكب تحت مقعده هو أو تحت المقعد الذي أمامه، أو إن كانت كمامات الأكسجين قد تدلت من تلقاء ذاتها عند الخطر. ولم يعد أحد من طائرة معطوبة ليخبرنا إن كان شيئاً من ذلك العرض المثير للقلق كان مجدياً في الحصول علي ميتة أقل ألماً. من الخير إذن نسيان كل هذا والتركيز في التجريد اللطيف الذي تصير إليه الأرض، حتي لتصبح المباني الشاهقة مكعبات صغيرة، وتبدو الكائنات الأرضية كما في كوكب الأمير الصغير، وتتواري الشرور والصغائر التي تصبح أكثر ضآلة من الكائن ذاته. تواصل الطائرة معراجها ثم تستوي علي ارتفاعها المهول. ويحسن أن يتأمل الراكبُ السحاب تحته لأنه لن يعبر السماء الواحدة مرتين. تشق الطائرة المزن وتهتز فتستدعي قوة الخلق والتشكيل من الماء، قوة التطهر.. يتجدد حلم الماء بكل ما يملك من رمزية ضاربة في أعماق اللاشعور. تتكاثف قوي الخلق وقوي الموت الكامنة في الماء. ولهذا يحتفظ بعض الركاب بعادة التصفيق للطيار، تحية علي النزول البارع، علي الرغم من أنهم لايفعلون ذلك عند الإقلاع، وهو الأصعب، لكنها فرحة العودة إلي الحياة.