الحاجز والمستوطنة والجدار ويهودية الدولة والتصريح والتنسيق والإغلاق ومنع التجول والدولة المؤقتة، مصطلحات ووقائع شاغلتنا فيها إسرائيل لسنوات وعقود خلت، فدفعت الفلسطينيين إلى ساحاتٍ واسعةٍ من ردات الفعل بغرض إفقادهم التوازن ومنعهم من المبادرة في المشاغلة.
فماذا لو أعلن الفلسطينيون عن مسيحية فلسطين أو إسلاميتها؟ ومصادرتهم للأراضي وبنائهم لمستوطنات فلسطينية؟ وحجزهم للماء والثروات الطبيعية؟ وأعلنوا حيفا عاصمة اقتصادية لهم؟ والقدس عاصمتهم الأبدية؟ وأقروا بشطب ما يسميه الإسرائيليون حقهم في أرض الميعاد؟ وقاموا باعتقال المستوطنين الإسرائيليين؟ وفرضهم تصاريح دخول لأماكن العبادة؟
ماذا لو قتل الفلسطينيون الأطفال الإسرائيليين، كما قُتل، قبل أيام، نديم نوارة ومحمد أبو ظاهر شهيدا يوم النكبة، بدمٍ بارد وبدون سبب، تماماً كما أوضحته كاميرات المراقبة؟ وكيف لو أعلن الفلسطينيون تشكيلهم لعصابات دفع الثمن وهاجموا دور العبادة اليهودية؟
ماذا لو أقاموا أيضاً حواجز على الطرقات وفرضوا التصاريح على الإسرائيليين؟ ورفضوا حل الدولتين وحدود الرابع من يونيو/حزيران؟ بل كيف سيكون موقف أصدقاء الاحتلال الإسرائيلي لو أن الفلسطينيين طالبوا يهود العالم بالتنازل عن حق عودتهم لما يسمونها أرض الميعاد؟ وأصدروا قوانين لمصادرة الأراضي ومنع لم شمل العائلات، وفرض دخول المتدينين الفلسطينيين إلى حائط البراق ودور العبادة اليهودية عنوة وبدون موافقة القائمين عليها؟
ماذا لو حرم الإسرائيليون من السفر ومنع رعاياهم من الالتحاق بالجامعات أو الوصول إلى المستشفيات بسبب دواعٍ أمنية؟ وماذا لو برر لنا أصدقاؤنا كل جرائمنا وقيل بأنها دفاع عن النفس وأن من حقنا العيش بأمان؟
وكيف لو أدّعينا الديمقراطية وفاخرنا الكون بأننا الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، رغم أننا نصادر حرية جيراننا باحتلالنا لهم ونقابلهم بأقسى درجات البطش؟ أي ديمقراطية هذه التي سيبررها العالم لنا؟
ماذا لو قمنا ببناء المفاعلات النووية وأسلحة الدمار الشامل والترسانة العسكرية والقبب الحديدية، وأدرنا اقتصاد جيراننا وبررنا تصنيعنا للسلاح بحاجتنا للدفاع عن انفسنا؟
ماذا لو ادعينا الانسحاب من موقعٍ ما يسكنه الإسرائيليون لعقود وقمنا حقيقة بإعادة الانتشار واغلقنا منافذ الكون، فقابلنا هؤلاء بالصواريخ والهجوم؟ هل سنقول بأننا انسحبنا لكننا قوبلنا بالصواريخ؟ وكيف سيقبل العالم منّا أن نعتبر بعض الإسرائيليين دعاة سلام ونعود بعد أعوامٍ بسيطة للادعاء بأن ليس هناك شريك نتحدث إليه؟
وما الذي سيدور في مخيلة العالم عندما نرفض تطبيق أكثر من ستين قراراً من قرارات الشرعية الدولية؟ ونهدد إسرائيل بقطع حبل الوريد إن هي اشتكتنا إلى محكمة الجنايات الدولية؟
وما الذي سيقوله أحبة إسرائيل لو أننا اقتطعنا من عائدات ضرائبهم بدون موافقتهم بحيث ندعي باطلاً حاجتنا لسداد متأخراتٍ ما أو جراء مواقف سياسية يأخذها الإسرائيليون ولا تعجبنا؟
ماذا لو أننا أخدنا قراراً بإلغاء المفاوضات ومقاطعة إسرائيل ومحاكمتها دولياً وعدم اعترافنا بأي دولة أخرى بين البحر المتوسط ونهر الأردن؟ ماذا لو..؟ سؤالٌ خاضع لشرعية الغاب لا لإنسانية البشر وجهابذة الديمقراطية الذين يهللون لهذه الديمقراطية في عواصم العرب، بينما يحجبونها عن الفلسطينيين.. تماماً كما يقول أحدهم في توصيف الديمقراطية: حق مؤجل لمن لا مصلحة لنا به، وحقٌ معجّل لمن نخاف منه أو نحتاجه لمصالحنا! ماذا لو..؟ سؤالٌ سيبقى برسم الإجابة إلى حين.. وقبل أن يحين موعدٌ لا ينفع فيه الندم..
كاتب فلسطيني
د. صبري صيدم