ماذا لو أن الشعب الأردني .. أكملها؟

حجم الخط
0

حازم مقداديلا يمكن إعتبار عدوى رفض الظلم والإستبداد التي إنتقلت من تونس نحو مجموعة من الدول العربية والعالمية، إعتبارها تهمة تنتقص من أهمية مُتَبَنِّيهَا أو من وطنيته. فالشعوب الحية التي تشعر بالظلم وتستشعره دائما ما تتفاعل مع ما يجري حولها وتقارن واقعها بواقع أفضل، بينما تبقى الأنظمة البائسة تعزي نفسها بواقع أسوأ تعيشه أنظمة وشعوب أخرى، وكلما إرتفع صوت يكشف وينتقد ويعــــري العراة والطغاة، تذهب تلك الأنظمة مطالبة شعوبها بالحمد والشكر آناء الليل وأطراف النهار على ما تعيشه من ‘كرامة’ و’حـــــرية’ و’أمان’ نســـــبيا مع الشعوب التي تعيش حولها، متناسية ـ أي تلك الأنظمة وعرَّابوها أن من الحق الفطري والبديهي للبشر هو التطور الطبيعي نحو الأفضل.

و كلمة ‘الأفضل’ كحال بقية الكلمات، فضفاضة ونسبية، فالأفضل بالنسبة للفاسد هو إستمرار الفساد وحماية الفاسدين من ‘التشهير’ و’إغتــــيال الشخصية’ وما يكتــــنف ذلك من رجعية ومحافظة ومحاصرة للمصلحين وإنخفاض لسقوف الحريات وتَفَرُّدٍ أكثر بالقرار. بينما نرى أن الأفضل بالنسبة لِلمُصْلِحِ هو إستئصال الفساد والمفسدين ودكِّ كل السقوف فوق رؤوس رافعيها ليشرئب عنق الحرية نحو عنان السماء. فالإصلاح والفساد خطان متوازيان لا يلتقيان، والمصلحون والمفسدون لا يجتمعون.

وحال الشعب الأردني كحال بقية الشعوب، يبحث عن نفسه متفاعلا مع ما يجري حوله، وبوعي عميق أن همه الداخلي لا يجب أن يطغى على همه وواجبه الممتد في العمق العربي والإنساني. غير أنه يدرك اليوم أنه أمام واقع محدد، فالإصلاح، الذي بات منذ أمد بعيد ضروة ملحة فوق كل ضرورة، إن لم يتحقق الآن فلن يتحقق بعد الآن. فسارعت النخب الأردنية المؤدلجة وغير المؤدلجة، والنخب المثقفة، ونخب الفقر والظلم والتهميش، لتصرخ كلهامعا مطالبة بالإصلاح وإجتثاث الفساد والمفسدين، كمطلب محوري للحراك المتصاعد الذي شهده الشارع الأردني منذ بدئه، والذي لم يتراجع عنه جمهور المحتجين تحت وطأة الظلم والقهر والتهميش. وهو مطلب ينطوي على ثنائيتين تجتمعان وتشتركان في الحكم، وهما الإصلاح من جهة والفساد من جهة أخرى، ذلك أن الفساد في الأردن إرتبط وتمخض عن سلوك النظام السياسي ونهجه في إدارة البلاد وتهميش العباد، حتى غدا من الصعب التمييز بينهما.

و هنا فلا مفر من ‘البوح’ بحقيقة ومعالم العلاقة التي تشكلت ملامحها في الأعوام العشر الأخيرة بين النظام السياسي الذي يحكم الأردن من جهة والشعب الأردني من جهة أخرى. فهذه الملامح جلية كجلاء الشمس في رابعة النهار وتدركها الغالبية المغلوبة والغالبة من الأردنيين. فالأردنيون الذين حملوا صِفاة الكرامة والمروءة والكبرياء على سجيتها العربية، حتى أصبحت أيقونة فوق جباههم، حُوِّلُوا إلى متسولين حول أسوار القصر الملكي ‘راعي الكرامة والكبرياء’ يستجدون مكرماته ومكارمه، ليستعينوا بها على تعليم أبنائهم وعلاج مرضاهم ‘ولهم بها مآرب أخرى’ بينما إستعان النظام بشخصيات ‘بَرَشُوتِيَّةٍ’ لا أصل لها ولا أصالة لرسم طريق المستقبل للنهوض بالإقتصاد الأردني ‘الكسيح’، فكانت النتيجة هي أن تضخمت ميزانية الأردن ـ إثر نظريات التصحيح والإنعاش- لما يزيد على الست مليارات دولار بعجز يفوق المليار، في الوقت الذي كانت فيه ميزانية الأردن لا تتعدى الملياري دولار قبل أحد عشر عاما فقط، بينما إرتفعت مديوينية وطننا الأردني المغلوب على أمره لما يزيد على الأربعة عشر مليار دولار. وهنا لابدلنا من إستذكار كلمات العاهل الأردني الذي بشرنا مرارا وتكرارا بأن المستقبل مُبَشِّرٌ ووَاعِدْ. لقد حافظ النظام السياسي في الأردن على علاقة مع الشعب الأردني تؤطرها التبعية للحاكم وتقديس خطاه وتَلَمُّسِ رُؤاه، وفي مضمونها تهميش الشعب وإقصاء أبنائه عبر تكريس وإستحداث مفهوم التوريث في المواقع والمناصب في الدولة الاردنية، فبات الأردنيون يتندرون بهذه الجزئية ويرددون عبارة ذاعت بينهم وهي ‘نجل الوزير وزير، ولو بعد حين’. مما أدى إلى التفرد بالحكم وعدم الإكتراث لإرادة السواد الأعظم من أبناء الأردن. ويمكن لنا أن نرى ذلك بوضوح إذا ما إستذكرنا ردة فعل القصر الأردني حيال الخروج المُذِلِّ لوزير المالية في حكومة الدكتور عدنان بدران، مطرودا ومنبوذا من تحت قبة البرلمان الأردني بعد أن رفض ‘ممثلوا الشعب’ توشيحَه بالثقة. فما كان من القصر الأردني إلا أن كلّف من لا يثق الشعب به، بل وكَرَّمَهُ بأن اوكل له مهمة إدارة مكتب الملك الأردني نفسه، الذي يُفترض أن يكون مكتب الأردنيين جميعا، بل وأكثر من ذلك، فأوكل له رئاسة الديوان الملكي الأردني الذي يُفترض أيضا أن يكون بيت الأردنيين جميعا، والذين ـ أي الأردنيون- لا أغالي إذا قلت لكم أنهم جميعا يرفضون تلك الشخصية الطارئة رفضا باتا وجزءا كبيرا منهم يطالب بمحاسبته وتحميله مسؤولية التدهور الإقتصادي الذي يعيشه الأردن اليوم. فكان قرار الملك، الذي كفله له الدستور، متماشيا مع رغبة شعبه و’ممثليهم’، كيف لا، وقد أصبح من لا يثق الشعب به والخارج من تحت قبة البرلمان مطرودا من قبل ممثلي الشعب الأردني، أصبح مديرا لمكتب مليكهم ورئيسا للديوان الملكي العامر الذي شَيَّدَه الأردنيون وذادوا عنه دائما، مما يعكس بوضوح طبيعة العلاقة بين الأردنيين والقصر.

و اليوم نرى مبادرات الإصلاح تِباعا عبر اللجان الملكية المختلفة. فتلك هي لجنة ملكية لتعديل الدستور الأردني، وكل أعضائها هم من الطيف نفسه، أي لجنة بلون واحد لا تحتمل التنوع والإختلاف، ليأتوا بالإصلاح والتصويب. تلك اللجنة التي شُكِّلَتْ بِلَيْل، تضم في جنباتها أحد أعضاء الوفد الأردني المفاوض الذي إتجه مهرولا لوادي عربة لإستعادة حقوق الأردنين عبر التفاوض، فما كان منه إلا أن تنازل عن حقوقنا في المياه وعن سيادتنا على أراضي ‘الباقورة’ وأراضي ‘الغمر’ وتقديم ‘أم رشراش’، تلك المدينة الأردنية في أقصى الجنوب، ‘كعربون’ محبة ‘لإخوتنا’ الصهاينة. شخصية كتلك فَرَّطَت في حقوقنا وأخفقت في إستردادها من براثن الصهاينة- تُوكَلُ لها اليوم أمانة إعادة حقوق الأردنيين التي سلبتها التعديلات الدستورية المتعاقبة. وهاهم الأردنيون يخرجون عن حفيظتهم ويبدأون بالتوليح نحو تصعيد لا يمكن التكهن بعواقبه، يدفعهم إلى ذلك ‘إصلاح’ خجول -يقوده غير المُصْلِحين- لا يلبي جوهر مطالب الأردنيين، مصحوب بتشدد وتَيَبُّسٍ تمارسه قوى الشد العكسي الفاسدة والمفسدة، لإحتواء الإحتجاجات لا التفاعل معها. فَيَلِجُّ العاهل الأردني وحاشيته ـ كما ورد عبر إحدى وسائل الإعلام- في خلوة للتأمل والتساؤل، والسؤال الأكبر هو: من هي الشخصية التي يمكن أن توكل إليها مهمة تشكيل الحكومة المقبلة وتحظى في الوقت نفسه بإجماع كبير من قبل القوى الوطنية والإجتماعية المختلفة؟ سؤال محوري تأخر طَرْحُهُ، لكن ولحسن الحظ، لم يَفُت أوانه بعد. إلا أن الإجابة عليه تشكل المنعطف الحاسم في سير الأحداث. ذلك أن الإجابة على سؤال من هذا العيار الثقيل، تتطلب تفكيرا وأسلوبا من العيار نفسه، فمن ضيق الأفق أن تتصور جهة ـ أو أن يُصَوَّرَ لها- أن المشكلة تنحصر فقط بالأسماء التي تتوالى على هذا الموقع الحيوي، وإغفال جزء أهم وهو طريقة تواليهم على ذلك الموقع وهنا تنحصر الخيارات بشكل كبير، فإما أن يبادر العاهل الأردني بخطوة تصعيدية في إتجاه الإصلاح وتعزيز المُنْجَزِ الديمقراطي من خلال تعديل دستوري جوهري يطال صلاحية الملك الأردني بتكليف رئيس للوزراء وتعديلها ليصبح الملك مخولا فقط بتكليف رئيس الكتلة النيابية الكبرى في مجلس النواب المنتخب ‘بنزاهة’ و’ديمقراطية’ ووفقا لقانون إنتخابٍ عصري ومحكم، تكليفه ليشكل حكومة برلمانية معبرة عن إرادة الشعب، أو أن يصبح إختيار رئيس الوزراء هو بالإنتخاب الشعبي المباشر، وفي كلتا الحالتين فإن الملك سينأى بنفسه عن أي سجال أو مناوشات تلي ذلك التكليف، وسيغلق الباب الذي ما زال مشرعا على كل الإحتمالات. أو أنه ـ أي العاهل الأردني- يكتفي بما كفله له الدستور الحالي، ويكلف رئيسا للحكومة المقبلة تبعا لرؤاه وتقديراته، تاركا قبوله أو رفضه خاضعا للظروف، مما سيعزز في نظر الأردنيين المطالبين بالإصلاح، نظرية التفرد بالحكم وإدارة البلاد وعدم الجدية نحو الإصلاح وسيدفعهم نحو التصعيد لا محالة، وربما إلى ما هو أكثر.

وهنا نسأل، ماذا لو أن الشعب الأردني فعلها وأكمل هتافه التصعيدي في طريق الإصلاح، فبدلا من إكتفائهم بهتاف ‘الشعب يريد إسـ…’ إستبدلوه بآخر أكثر وضوحا وإكتمالا؟ ‘ كاتب اردني مقيم في امريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية