هذه الرواية الفجائعيّة «الحب في زمن الكوليرا»، المنشورة عام 1985 (ترجمة: صالح علماني ـ المدى 1991) تستحضر حقبة كئيبة في تاريخ بلدان حوض الكاريبي، قبل وبعد استقلالها من السيطرة الإسبانية، في مطلع العقد الثالث من القرن التاسع عشر، بعد إلغاء الرق والدخول في حرب أهلية بين الليبراليين والمحافظين، استنزفت وأزهقت أرواح سكان البلاد، رافقتها جائحة الكوليرا، التي حصدت الأخضر واليابس.
الدكتور خوفينال أوربينو زوج فيرمينا الفاتنة، الذي احتفل بعيد ميلاده الثمانين، ذاع صيته حين أنهى دراسة الطب في باريس، بأن درأ بأساليب مستحدثة وصارمة، أخطار الكوليرا الأخيرة التي أصابت بلدان الكاريبي، بينما الجائحة السابقة الآسيوية، التي أصابت البلاد وهو ما يزال يدرس محقت ربع السكان على الأقل، خلال ثلاثة شهور بمن فيهم والده الذي كان طبيبا مشهورا.
الحب إكسير الحياة
الحب والكوليرا يشكّلان عتبة نصّية ذات دلالة سيميائية، تشير إلى أنّ زمن الحبّ بين العاشق فلورينتينو أريثا والمعشوقة فيرمينا داثا، كان إبّان جائحة الكوليرا، والاثنان سيّان في أعراضهما، فحين أصيب فلورينتينو باضطرابات وإغماءات مفاجئة، بعد تسليمه الرسالة الأولى لفيرمينا، كان التشخيص من منظور طبيب العائلة، أنّها أعراض الحبّ، لأنّها شبيهة بأعراض الكوليرا. كما أنّ زوج فيرمينا الدكتور خوفينال أوربينو، اقترن اسمه بالكوليرا من حيث نجاحه في طريقة علاجها، والكوليرا تؤرّخ لأحداث الرواية، ففيرمينا التي تشكّل أوكسجين الرواية، جاءت وهي في الثالثة عشرة، بمعية والدها لورينثو داثا من سان خوان دي لاثييتاغا، بعد فترة قصيرة من جائحة الكوليرا، والكوليرا التهمت السكان وزجّت بهم في مكان مستحدث «مقبرة الكوليرا»، كما أنّها تسببت منذ ثلاثين سنة – من أحداث الرواية- في فرنسا، بأكثر من مئة وأربعين ألف وفاة، وكشفت الرواية مراكب ترفع رايات صفراء إشارة إلى مرضى الكوليرا، عدا الجثث الطافية فوق الماء . لكن الكوليرا عند العاشق فلورينتينو، لعبت دورا إيجابيا في نهاية الرواية، إذ شكّلت ذريعة نافعة له، لإنزال الركّاب من السفينة، ليخلو بحبيبته المنتظرة طويلا فيرمينا. رغم أنّ هذا المشهد، أدخله في ورطة مع دورية أرادت اقتياد السفينة، لكنه خرج من هذا المأزق، بأن طلب من القبطان أن يتابع إبحاره جيئة وذهابا، إلى المدينة الكولومبية لا أدورادا مدى الحياة، ليقضي بقية حياته بمعية فيرمينا، التي رغبت في ذلك والتي رفضت الرجوع إلى مدينتها.
يمكن القول إنّ رواية الكوليرا، التي رفرفت فوق سفينة الحب الماخرة بالعاشقين العجوزين، هي بمثابة شيفرة حبّ ما قبل الموت، المحتفي بحياة بلا حدود والمسكون بالنزعة الصوفية والتأملات، رغم العجز والخوف من التلاشي، حيث إنّهما في لقائهما الأوّل بعد 51 عاما «رأى كل منهما الآخر كما هو: عجوزان يترصدهما الموت، لا يجمعهما شيء سوى ذكرى ماض غابر لم يعد ملكا لهما، وإنّما لشابين مختفيين، كان يمكن أن يكونا حفيديهما»، إلا أنّهما عاشا في عزلتهما، حبّا هادئا مفعما، بجوهر الحب الممتد إلى ما وراء الحب، ممهورا بموقفهما القائل، ان تحبّ في أيّ وقت وأيّ مكان «والحبّ يكون أكثر زخما كلّما كان أقرب إلى الموت»، وليس صدفة أنّ حبّهما الخفي داخل السفينة، استتر تحت راية صفراء للتستّر والهروب والتأمّل الوجوديّ.
الحكمة تصل متأخرة والزمن صولجان لا يرحم
رحيق الرواية الفلسفيّ، المتضوّع من لسان الدكتور خوفينال وزوجته فيرمينا «الحكمة تأتينا في الوقت الذي لا تعود به ذات نفع»، يندرج على العاشق العجوز المتصابي فلورينتينو وفتاة أحلامه فيرمينا، التي انتظرها إحدى وخمسين سنة وتسعة شهور وأربعة أيام. كان هذا رغم حدس فلورينتينو وقناعته بحتمية اللقاء، وإن كان يشكّل انتظار اللامعقول أو انتظار من لا يأتي، بتوصيف صموئيل بيكيت «في انتظار غودو».
واللافت للانتباه أنّ فلورينتينو كان يتصرّف وكأنّ الزمن لا يتقدّم بالنسبة له بل للآخرين، بقي رغم عجزه رومانسييا مزمنا متصابيا، مسكونا باستذكار الماضي، خاصة انتظاره لفيرمينا في الحديقة والكتاب في يده، بينما فيرمينا حملت صوت الحاضر الواقعيّ، الرافض نبش الماضي الوهمي، وهي التي محت اسمه من حياتها، حين خطبت للدكتور خوفينال، ولم تلتقه البتة طيلة فترة انتظاره الأسطوريّ، لكن حين التقته بعد نصف قرن، بعد وفاة زوجها، أحبته بفعل رسائله وأفكاره الفلسفية حول الحب والشيخوخة والموت، ورأت لديه نضوجا وصدقا، ما جعلها ترافقه في رحلة بحرية في سفينة تحمل اسم «وفاء»، وافقت فيها على أن يمارس الحب معها في قمرة السفينة، لكنّها اكتشفت عجزه من حيث لا يدري بفعل الزمن والشيخوخة، ما يستدعي مقولة القديس أوغسطين (354-430 م) حول سرابية تعريف الزمن في «الاعترافات»: «ما الزمان، إذن؟ إنني لأعرف معرفة جيدة ما هو، بشرط ألا يسألني أحد عنه، لكن لو سألني أحد ما هو، وحاولت أن أفسره، لارتبكت». لقد أحبته فيرمينا بعد هذا الزمن الضائع، حين لم يعد صالحا للحب وهو في السادسة والسبعين، وهي في الثانية والسبعين وحاله كقول الشاعر العربيّ القديم: ذهب الشّباب فلا شباب جمانا / وكأنّ ما قد كان لم يَكُ كانا/ وطويت كفّي يا جمان على العصا / وكفى جمانا بطيّها حدثانا.
الحب في زمن الكوليرا ولوليتا ناباكوف
حين نشر فلاديمير ناباكوف «لوليتا» عام 1955، رسم شخصية همبرت بطل الرواية مريضا بشهوة المراهقين pedophile، لارتباطه بعلاقة جنسية مع ابنة زوجته، طفلة في الثانية عشرة تدعى دوريس هيز الملقّبة لوليتا، ما أثار غضب الكثير من القراء والباحثين الذين لم يغفروا له عالمه التخييلي الصادم والمرفوض. وفي رواية ماركيز، يعاني فلورنتينو من هوس جنسي وشهوانية ونزوات مدمنة، بذريعة أنّ الجنس مهدّئ لآلام فيرمينا داثا، فحين التقاها في شيخوخته كان لديه 25 دفترا تضم 620 سجلا، لغراميات مستمرة عدا الغراميات العابرة، التي لا تحصى مع «عصفورات الليل»، لكنّ ماركيز حذا حذو ناباكوف، حين جعل فلورينتينو المصاب بالهوس الجنسيّ، يتقاطع مع بطل لوليتا من حيث ممارسته الجنس مع قريبته أميركا فوكونيا ابنة الرابعة عشرة، والتي ائتمن على رعايتها من قبل والديها، أثناء دراستها في المدرسة الأهلية، حيث حوّلها إلى لعبة لنزواته المريضة، فوقعت في حبّه، ما تسبّب في رسوبها في امتحانات المدرسة وانتحارها. هذا الأنموذج لشخصية فلورينتينو المريضة وشذوذه الجنسي، غير معروف لفيرمينا التي رأت فيه بعد قطيعة خمسين عاما، مخرجا ومتنفسا لشيخوختها ووحدتها بعد وفاة زوجها.
رواية «الحب في زمن الكوليرا»، مأساوية تتصالح مع الشيخوخة، وتتماهى مع الموت وتستحضره بعقلانية وعلمية، بصوت فيرمينا، لكنّها تحمل قطرات الابتهاج بالزمن المتبقي فتنتهي الرواية والسفينة تبحر بهما ذهابا وإيابا، تعويضا عن عمرهما الضائع وانتظارا للآتي.
كاتب فلسطينيّ