يقول الحق سبحانه وتعالى: ‘وجعلنا من الماء كلَّ شيء حي’ (الأنبياء: 30)، ولم يضعِ اللهُ استثناءً ‘لكل شيء’. فالماء هو الشرط الأساسي العضوي
الأول للحياة، ومن غيره تستحيل الحياة حتى لو وُجدت تريليونات المعادن النفيسة، مهما كانت درجة إستراتيجيتها، تحت الأرض يابسة وبحاراً. وان لم يوجد الماء يصبح لا معنى للحياة، لذلك اختار الله هذا الكوكب بالذات للناس ولسائر خلقه، لأنه سبحانه جعل أكثر من نصفه ماء. هذا الطرح لا شك ولا مراء في صحته، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة عدم وجود حيوات أخرى وكائنات عاقلة في كواكب داخل مجرات بعيدة بعدا تعجز كل حسابات أهل الأرض، بكل تكنولوجياتهم وتقنياتهم عن حسابه. في العهد القديم كما في القرآن الكريم جاءت الآيات التي تشحذ عقل الإنسان بذكر أن مثلاً ‘لله من في السموات ومن في الأرض’، التي هي قاعدة قرآنية فقهية تفضي إلى فهم علمي. واضح من الآيات القرآنية أن الأرض عندما تذكر مع السموات تعني ضمن معاني أخرى كوكب الأرض والكواكب الأخرى المعروفة لإنسان الأرض حاليا، وغير المعروفة له في مجرات أخرَ لا متناهية، ولا تعني فحسب السموات السبع التي توجد تلك المجرات، بما فيها مجرتنا الموصوفة فيزيائيا بالصغرى أو الأصغر على الإطلاق بين كل مجرات الكون، الذي لا يعرف مداه إلا خالقه. و’مَن’ هنا في اللغة القرآنية تعني بالضرورة الإشارة إلى كائنات عاقلة .
إذن لا نحن على متن هذا الكوكب قادرون على الوصول إلى تلك الكائنات العاقلة، ولا هم بسبب محدودية التكنوتقنيات عند الطرفين نتيجة للبعد الشاسع الذي يقاس بطبيعة الحال بتريليونات لا متناهية من المسافات الضوئية.
ولا يُعرف حتى الآن إن كان ثمة كوكب آخر، قريب أو بعيد في واحدة من مليارات المجرات ـ حسب تقديرات علماء الفيزياء الكونية الذين لم يستطيعوا تحديد عدد مليارات المجرات لأنها لا متناهية ـ قابلا للحياة، أي فيه وفرة مياه.
فاكتشافات الإنسان لمَّا تزل محدودة ‘وما أُتيتم من العلم إلا قليلا’ (الإسراء: 85) بدأت بالقمر وهو نجم بارد لا ماء فيه وليس له غلاف جوي ويوصف بأنه ضاحية من ضواحي الأرض، والآن بالمريخ المسمى باسم إله الحرب عند الرومان Mars ) ) أو ‘الكوكب الأحمر’، وهو كوكب كالأرض بَيْدَ أنه ناشف كالعظم كله يابسة. عدا الإشارات القرآنية، ولكي تكتمل الصورة إلى حد ما، نذكر مثلاً أن الإغريق القدامى والفراعنة والآشوريين والبوذيين والهندوس، قبل ما يوصف بالديانات، جاء في أدبياتهم، كما مثلاً في موروثات كونفيوشيوس عند الصينيين البوذيين، إشارات إلى السموات السبع ووجود إله مثلاً (بوذا أو هندو- الله جل جلاله في اللغة القرآنية العربية) في السماء السابعة تحيط به مخلوقات نورانية ذات أجنحة (الملائكة في اللغة القرآنية)، ووجود كائنات عاقلة في كواكب بعيدة عن كوكب الأرض. وهذا دليل على أن المصدر واحد وهو رسل وأنبياء أرسلهم الله إلى تلك الحضارات القديمة. وفي الأصل، وهو رأي أتفق حوله مع التحليل القائل إنه في الأصل كانت هناك تعاليم إلهية، ثم تغير اسمها إلى ديانات، وأن القول بوضعية البوذية أو الهندوسية وليس بسماويتهما، وبأنهما تختلفان عن اليهودية والمسيحية والإسلام، تنظير في حاجة إلى توقف واستدراك.
وبالعودة إلى المريخ تفيد تقارير (ناسا) بأن قطبي المريخ الشمالي والجنوبي، نظريا على الأقل، فيهما ثلج بَيْدَ أنه ليس بالكثير، يتكون خلال فصل الشتاء ولا يتعرض للذوبان بفعل الشمس بشكل كبير، لأن الشمس لا تشرق على المريخ بشكل عمودي كالأرض، وإنما بشكل أفقي، مع أن المريخ أكثر حرارة من الأرض بكثير لقربه من الشمس ولرقة غلافه الجوي، على عكس الغلاف الجوي للأرض المعروف بسماكته، إذ أنه الرابع من حيث قربه من الشمس، وثاني أصغر كوكب في النظام الشمسي، إذ يبلغ حجمه تقريبا نصف حجم الأرض، في حين أن الأرض في وضع مناسب من الشمس، ووضعها الأنسب بين كل الكواكب التي يعرفها الإنسان، مما جعلها مع وجود الماء طبعاً قابلة للحياة.
المريخ هو الشغل الشاغل لوكالة ناسا، ربما من وراء الكواليس أكثر منه من أمامها، وكثير من التعتيم العلمي يكتنف المعلومات عن المريخ. ما يعرفه المتابعون حتى اللحظة خارج تعتيم (ناسا) أن الأرض التي اختارها الله لخلقه جميعا غدت تضيق بأهلها، وسكانها لا يتجاوز عددهم الستة مليارات، وغالباً ما يتم تشبيهها باليابان، التي حسب تعبير الكثيرين ‘يعيش الناس فيها فوق بعضهم البعض، وهم في حدود المئة والعشرين مليون نسمة، بينما اليابان الجزيرة في شرق آسيا أصغر من ولاية مينيسوتا الأمريكية ‘والأرض يبدو أنها زاحفة في هذا الاتجاه. تذكر تقارير (ناسا) الأخيرة أن عدد سكان الأرض سيبلغ خمسين مليار نسمة سنة 2050، وهذا يعني حسب اقتراح (ناسا) أن الإنسان يجب أن يخرج من كوكب الأرض إلى كوكب آخر، وبما أن الإنسان بكل ما توصل إليه من تكنولوجيا لم يستطع حتى الآن إلا الوصول إلى القمر، إضافة إلى وصوله إلى المريخ الذي تتركز فيه تجاربه، ومن أهمها المسبار الموجود الآن في هذا الكوكب منذ أكثر من سنة، الذي من أهم أبحاثه، إن لم تكن الأهم على الإطلاق، البحث عن إمكانية احتمال وجود ماء تحت سطح المريخ .
أكثر من نظرية تفترض أن ثمة مصدرين فقط لاحتمال وجود ماء تحت سطح المريخ، فعلى على مدى بلايين السنين الثلوج على قلتها في قطبيه تذوب، وإن كانت درجة ذوبانها أقل بكثير من تلك التي في الأرض، غير أن الذائب منها من الطبيعي ان يهبط إلى أسفل سطح المريخ، وهذا هو المصدر الأول. أما المصدر الآخر المفترض فهو الكتل الثلجية الطائرة بحكم قوى الجاذبية التي تسقط على سطح المريخ. وطبعا لا تفترض تقارير (ناسا) مصادر أكثر من ذِينكَ المصدرين، لأن المريخ كما نعرف كله يابسة. المعروف أن المسافة بين الأرض والمريخ هي 54.6 مليون كيلومتر، في الحد الأدنى، وفي الحد الأقصى 401 كيلومتر، بينما المتوسط 225 كيلومتراً.
طبعاً التباين الواضح في المسافة بين الأرض والمريخ راجع إلى طبيعة دوران كل منهما مرة في العام حول الشمس. والمعروف أيضاً أنه مرة واحدة كل خمس سنوات يقترب المريخ من الأرض، إلى درجة المحاذاة، وتستمر لمدة أسبوعين تقريبا، وهي اللحظة المناسبة حسب (ناسا) للقفز أو للسفر إلى المريخ، والجدير بالذكر أن تقريبا ثمانية آلاف شخص في انتظار إشارة البدء للسفر بتذكرة بلا عودة. حتى الآن ومن غير تلك المرة، التي يحاذي فيها المريخ الأرض، يعد السفر إلى المريخ حتى بالنسبة لـ(ناسا) عالي الكلفة من حيث الوقود، غير أن (ناسا) تعتقد أنه في المستقبل ممكن تطوير مركبات تصل إلى المريخ مهما كانت مسافته بعيدة بكلفة أقل بكثير، وهو ما يتم العمل عليه حاليا .وتؤكد (ناسا) أن العقبة الوحيدة الآن هي الماء، وحال العثور عليه ستتهاوى كل العقبات الأخرى، كبيت الدينامو، لأن هندسة الفضاء ستتولى كل المهام المتعلقة بتخفيف درجة حرارة الشمس، بما يتساوى مع حرارتها على الأرض، عن طريق فرش قبة شبيهة بالأوزون الإصطناعي وغير ذلك. مجرد اقتراح للعرب الذين تذهب ملياراتهم لقتل الأبرياء في مصر وغيرها، فقد فاتهم الكثير من ريادة التقدم العلمي، وآخرها صناعة (النانو) فهل يمكن أن يجربوا المريخ بعد أن بلطوا البحر وأشبعوه تبليطاً.
‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري