هذا التساؤل ليس دعوة لنشر ثقافة الكراهية وبث الفتنة والفرقة وروح الحرق والقتل والدمار بين أبناء الجنس البشري الواحد على أساسٍ ديني، ولكن لعقد مقارنة سريعة ومتواضعة بين واقع معاش وحالة افتراضية.
الجامع الأموي في دمشق كان أول مكان يصلي فيه المسلمون والمسيحيون معاً، أول مكان يعبد فيه الله بديانتين مختلفتين. بلدية إحدى المدن الإيطالية أغلقت مسجداً بحجة مخالفته للشروط الصحية، فسمحت إحدى الكنائس للمسلمين باستخدام مرآبها للصلاة. إحدى الكنائس بمدينة كالغوري الكندية فتحت أبوابها للمسلمين لتأدية صلوات التراويح طيلة شهر رمضان المبارك لعدم كفاية المساجد هناك. هذه أمثلة رائعة على تسامح أتباع الديانتين وإمكانية تعايشهما معاً، ولا جدال في ذلك.
المشكلة الكبرى عندما يزاوج الدين بالسياسة وينتهج رجال الدين والسياسة والإعلام معاً، سياسة التجهيل المتعمد لخلق أجيال غبية جاهلة يسهل ركوب ظهورها لتحقيق غايات معلومة وأخرى مجهولة. ومثل هكذا خلط بين الدين والسياسة ليس وليد اللحظة، بل له جذور ضاربة في التاريخ، فكان السبب في الحروب الصليبية المستمرة حتى يومنا هذا، لأسباب سياسية وغطاء ديني تارة، ولأسباب دينية وغطاء سياسي تارة أخرى.
الاتحاد الاوروبي قام على أساس ديني أصلاً، والدين هو الذي يحكم علاقات الاتحاد بمحيطه، فتراه يرفض قبول عضوية تركيا منذ خمسين عاما لأنها دولة مسلمة وإن حكمها علمانيون، بينما يقبل عضوية دول أخرى أبعد ما تكون عن القيم والشروط التي يعلنها الاتحاد ووضعها الاقتصادي والحقوقي أسوأ بكثير من الوضع التركي. عندما قرر قسٌ أحمق خارج حتى عن المسيحية نفسها، أن يحرق القرآن وباسم المسيحية، كانت ردود الأفعال من كل الأطراف، مثيرة للشفقة والحزن في آن. فالمسلمون في كل أنحاء العالم كانت ردود أفعالهم متأخرة جداً ولا ترقى لمستوى الحدث. أما المسلمون الذين مسّهم الضر بشكل مباشر، فهم الراغبون في بناء مسجد لهم قرب مكان أحداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر. هؤلاء تعرضوا لابتزاز الحرق أو تغيير مكان المسجد، ولا أستبعد ما أشاعه القس عن وجود صفقة من هذا النوع، ولا استبعد رضوخهم للابتزاز فهم أبناء أمة تاريخها حافل بالتنازلات الصغيرة والكبيرة، حتى أصبحت ككرة متدحرجة على سفح جبل لم نتبين له قرار بعد.
أما ردود الأفعال الرافضة من الجانب الغربي المسيحي، من رجال دين وسياسيين وإعلاميين، فهي بحد ذاتها تعبر عن ازدراء شديد بالمسلمين، فهم لم – ولن- يتطرقوا للتسامح بين الأديان ولا لكرامة أكثر من مليار مسلم، بل كل قلقهم على جنود الناتو (الصليبيين) في العراق وأفغانستان وكل بلاد المسلمين المحتلة، من غضب المسلمين. الإدارة الأمريكية وبكل صفاقة أعلنت أنها لا تستطيع أن تمنع هذا المجنون من ارتكاب حماقته، لأن حرية التجمع و’حرية التعبير’ كفلها القانون، لكنها تطلب منه وبكل لطف أن لا يقدم على ما قرره. القس نفسه أعلن أنه لا يستهدف المسلمين المعتدلين ولكن المتطرفين منهم. حسناً، فلنعكس الصورة الآن ونعمل بنفس مبدأ الإدارة الأمريكية وليعلن مجموعة من المسلمين عن نيتهم إقامة حفل كبير لحرق الإنجيل أو التوراة في احد المساجد كنوع من حق التجمع وحرية التعبير، وليعلنوا أنهم لا يستهدفون المسيحيين ولا اليهود، بل المتطرفين منهم فقط (أخذاً بنظرية القس نفسه) فماذا ستكون ردود الأفعال الغربية؟
من منطلق أن كل ما يفعله المسلمون أو يقولوه – حتى البسملة ـ هو إرهاب، فاذا حدث مثل هذا، فسيعتبر جريمة لا تغتفر، وسيعتبر إرهابا، وسيمحى مصطلح ‘حرية التعبير’ من كل قواميس الدنيا، وستطلق وسائل الإعلام العنان لأبواقها في التحريض على المسلمين أينما حلّوا، بل وستدخل الصهيونية على الخط وتعتبره معاداةً للسامية، ولأطلقت الحكومات الغربية العنان لكل كلابها الضّالة والمجرمين والمتسكعين والمشردين في الشوارع وسمحت لهم بقتل كل مسلم يلاقون، والتهجم على بيوت المسلمين والمساجد والمدارس الإسلامية وأي شيء ذي صلة بالمسلمين تطاله أيديهم، ولنا فيما تعرض ويتعرض له المسلمون في أوروبا وأمريكا من أذى بعد أحداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر عبرة.
أشياء كثيرة نسيها المسلمون وشخصّها الغربيون. فقد نسي المسلمون أن للقرآن ربا يحميه. ونسوا أن لا يحمي كرامتهم إلاّ هم أنفسهم ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ونسوا أن كرامة العروبة والإسلام واحدة، فما عزّ أحدهما إلاّ وعزّ الآخر. ونسوا أن ما ترك قوم الجهاد إلاّ ذلّوا. ونسوا أنه لا يُبتزّ إلاّ ضعاف النفوس ولا يُبتز إلاّ عديمو الثقة بأنفسهم. ولهذا تراهم على مر العصور وقد استمرأوا الإبتزاز والذل والهوان حتى لم يعد يحسب لهم أي حساب وكأنهم ليس لهم وجود أصلاً.
ومن جهة أخرى يدرك الغرب أن أمة ممزقة كهذه، وشعوبا تحتل أوطانها بسهولة وتشرد في أصقاع الأرض، وتنتهك كرامتها وأعراضها ولا تحرّك ساكناً، لم تبق أي قيمة لمقدّساتها مهما استنكروا وشجبوا ونددوا.
وأخيراً، وبعد التنديد والشجب وغيره، لم يبق لنا إلاّ أن نستذكر امجاد الماضي التليد عندما كانت الأمة الإسلامية أمة واحدة، ونقول:
وطف ببغداد وابحث في مقابرها علّ امرأ من بني العباس تلقاه والحليم تكفيه الاشارة.
عدنان الياسين