ماذا نفعل بـ”عرائس داعش”: الانتهازية السياسية الغربية والعرق والتظاهر بعدم وجودهن
2 - March - 2019
إبراهيم درويش
حجم الخط
0
حسب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد تم القضاء على تنظيم “الدولة” الإسلامية 100 في المئة. وقال في تعليق له أمام القوات الأمريكية في ألاسكا “ظللتم تسمعون أن 90 في المئة، 92 في المئة من الخلافة في سوريا والآن سيطرنا على 100 في المئة”. وسارع مسؤولان أمريكيان بالرد على ترامب وقال أحدهما حسبما نقلت عنه صحيفة “نيويورك تايمز” (28/2/2019) إن كلام الرئيس “غير صائب 100 في المئة” فيما قال آخر “المعركة لا تزال جارية والبيان عار عن الصحة”. صحيح أن التنظيم فقد معظم إن لم يكن كل مناطقه في سوريا إلا أنه لا يزال يحتفظ بجيوب في مناطق بوادي الفرات، حيث قال المسؤولون في الخارجية إنهم يعدون لنهاية العمليات العسكرية ولكنهم حذروا من وجود مئات المقاتلين وضرورة تنظيف المناطق التي تمت السيطرة عليها من المفخخات وغيرها من المواد المتفجرة. ويمكن فهم تصريحات ترامب العائد من قمته الفاشلة مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ-أون على أنها واحدة من الإعلانات المتضاربة التي تصدر عن الإدارة. فقبل أسبوعين قال نائب الرئيس مايك بنس أمام مؤتمر ميونيخ للأمن أن الخلافة ستنتهي “عمليا في ساعات أو أيام، ولن تكون هناك خلافة” و “لم يتبق أمامنا إلا ميل واحد للسيطرة عليه”. وتأتي في ظل الجدل حول سحب القوات الأمريكية البالغ عددها ألفي جندي ثم العودة للحديث عن الاحتفاظ بحوالي 400 جندي للعمل مع قوات سوريا الديمقراطية في شمال-شرق سوريا.
الجاذبية باقية
وبعيدا عن رسائل واشنطن يجمع المحللون في الشأن الجهادي أن تنظيم “الدولة” الذي سيطر في ذروة قوته على مساحة مساوية لمساحة بريطانيا وحكم 10 ملايين نسمة في إنجاز تجاوز كل الجماعات الجهادية بما فيها القاعدة وتحول في ممارساته البشعة إلى بعبع للمؤسسة السياسية في الغرب وجذب عشرات الآلاف من المقاتلين حول العالم. ولا ريب أن الخوف من التهديد الجهادي أسهم كما يقول الباحث دانيال بيمان من جامعة جورج تاون في انتخاب ترامب عام 2016. وبعد خمسة أعوام تعلم التنظيم أن السيطرة على أراض وإدارة دولة هي نعمة ونقمة في وقت واحد. فمن ناحية يقول بيمان في “فورين بوليسي”(22/2/2019) “كانت الخلافة أغنية ساحرة للجهاديين المحتملين حيث جذبت عشرات آلاف المتطوعين من العالم العربي ومن أوروبا ومن وسط آسيا. وكان بإمكانهم الحصول على ضرائب من المزارعين بالإضافة لبيع النفط من المناطق التي كانوا يسيطرون عليها وتجنيد الشباب تحت حكمهم. هذه الإمكانات ساعدت في بناء جيش أقوى وجمع ملايين الدولارات شهريا”. ومن أرض الخلافة خطط عناصر تنظيم “الدولة” لهجمات في الغرب مثل باريس عام 2015 والذي قتل فيه 130 شخصا. ولكن قادة التنظيم يعرفون اليوم مثل “القاعدة” التي تحدت أمريكا في عقر دارها وتسببت باحتلال وتدمير دولتين مسلمتين، أنهم لم يستطيعوا الوقوف أمام القوة الأمريكية مهما كانت شجاعة مقاتليهم. فقد استفاد التنظيم على خلاف المناطق الأخرى من فراغ الحرب الأهلية في سوريا وتردد واشنطن في التدخل ضد بشار الأسد. وعندما دخلت أمريكا اللعبة تقلص حكم الجهاديين ولم تنته جاذبيتهم بعد، وفقدوا القدرة على الزعم بأنهم قادرين على إقامة الدولة وتطبيق الشريعة. وأصبح المجندون الغربيون مثل البريطانية شميما بيجوم والأمريكية هدى مثنى في مخيمات اللجوء السورية أو في أسر قوات سوريا الديمقراطية. وكما أظهرت التقارير الصحافية منذ العثور على بيجوم في مخيم الهول، شمال سوريا صار معظمهم يناشد ويتضرع للعودة إلى بلادهم، بشكل أثاروا النقاش السياسي حول خطرهم وصلاحيتهم للعيش من جديد في المجتمعات الديمقراطية. وفي الوقت الذي سارعت فيه الحكومة البريطانية لقطع الطريق أمام عودة بيجوم بتجريدها من الجنسية البريطانية بالادعاء أن والدتها تحمل الجنسية البنغلاديشية سارع القانونيون والمعلقون الصحافيون للإشارة إلى ان بيجوم ولدت وتربت وتعرفت على أيديولوجية التنظيم في بريطانيا ومن حقها العودة ومواجهة عواقب اختيارها، أي محاكمة عادلة. واتهم البعض وزير الداخلية البريطانية ساجد جاويد السماح لصحافة اليمين بإملاء الأجندة المتعلقة بالجهاديين أو ما يطلق عليها “العرائس الجهاديات الغربيات”.
قيم
وواجهت الحكومات الغربية ضغوطا من الرئيس ترامب الذي دعا الحكومات الغربية لإعادة تأهيل المقاتلين الأجانب واستعادتهم في أسرع وقت ممكن. لكنه رفض ووزير خارجيته السماح لهدى مثنى التي تركت جامعتها في ألاباما العودة إلى بلدها، فهي ببساطة لم تعد أمريكية. وهو ما دعا والدها الدبلوماسي اليمني السابق لتقديم دعوى قضائية يدعم عودتها ومواجهتها المسؤولية. وكتب محامي العائلة حسن شبلي، مقالا في مجلة “نيوزويك” (26/2/2019) ناقش فيه أهمية السماح لها بالعودة، وقال إن قضيتها “ليست عن حجم كرهنا لتنظيم الدولة، فهذا أمر مفروغ منه ولكنها عن كوننا أفضل منه، وعن حكم القانون والإجراءات المتعلقة بالعدالة”. وأكد أن الدستور الأمريكي يكفل لها الحق بمحاكمة عادلة مذكرا بما قام به جون أدامز، الذي وقع على إعلان الاستقلال، وكان محاميا وأصبح الرئيس الثاني للولايات المتحدة ومثل عددا من الجنود البريطانيين الذين اشتركوا في مذبحة بوسطن. وكانت هذه الحادثة الأهم التي أدت بالثورة على إنكلترا، إلا أن أدامز اعتبر تمثيله للجنود البريطانيين “واحدا من أفضل الخدمات التي قدمتها لوطني” وهذا لأن حكم القانون والإجراءات القانونية هي قيمة جوهرية للأمريكيين. وحذر شبلي من مخاطر تجريد شخص من جنسيته بناء على الكراهية لأنك قد تضطر يوما لحرمان شخص تحبه من جنسيته.
تذكروا الفوضويين
وفي قلب النقاش السياسي الذي يحاول الاستجابة للرأي العام فكرة أن الجهاديين الذين خانوا وطنهم لا يمكن التعاطف معهم وهم بالضرورة اجتازوا مرحلة الإصلاح والاندماج في المجتمعات التي جاءوا منها. إلا أن هناك من سارع لتذكير الغرب بالمقاتلين الدوليين الذين دعموا حروبا لم تدعمهم دولهم مثل من قاتلوا في الحرب الإسبانية في ثلاثينيات القرن الماضي. وكما أشارت نبيلة جعفر في “فورين بوليسي” (28/1/2019) فإن الإرهابيين الشباب ليسوا بالضرورة قضية خاسرة وللأبد، مشيرة للفرق بين المقاتل الملتزم وبين من قدم الخدمات العادية للتنظيم. وفي حالة “عرائس الجهاديات” فقلة شاركت منهن في القتال، ومعظمهن تزوجن أكثر من مرة بسبب مقتل أزواجهن الجهاديين. وتعلق جعفر أن قضية بيجوم هي صورة عن إشكالية التعامل مع الجهاديين والجهاديات، فرغم اختيار جاويد الحل الأسهل وهو منع الفتاة من العودة إلا أن غالبية المقاتلين والجهاديات الغربيات هم من البيض الذين اعتنقوا الإسلام وانتقلوا للعيش في ظل “الدولة” ولهذا لا يمكن حرف مشكلتهم وتركها للآخرين. فهناك مخاطر بأن يتحول الذين حرموا من جنسياتهم لسلاح ضد دولهم. ويمكن للإرهابي أن يجد طريقه إلى بلده وتنفيذ هجوم فيه. وبدلا من ارضاء الرأي العام مقابل منافع سياسية وقتية، على المؤسسات الغربية التفكير بعقلانية، فبيجوم ليست الوحيدة التي تريد العودة كما أن هناك عددا من المقاتلين عادوا من سوريا وتمت محاكمتهم أو وضعهم ضمن برامج تبعدهم عن التشدد وفي غالب الأحيان تحت رقابة الأمن. وأشار تقرير للبرلمان الأوروبي إلى أن نسبة 30 في المئة من المقاتلين عادوا إلى بلادهم خاصة العام الماضي. وتشير التجربة التاريخية الأوروبية وبرامج الدول الحالية إلى إمكانية تأهيل الجهاديين من جديد وإعادة دمجهم في الحياة العامة. فبعد كل هذا ليست هي المرة الأولى التي تتعامل فيها أوروبا مع رجال ونساء غاضبين، فمن الفوضويين في القرن التاسع عشر الذين صورهم هنري جيمس في روايته “الأميرة كاسماسيما” إلى عنف القوميين الايرلنديين وحركة النظام الجديد في إيطاليا. وفي معظم الحالات ترك الإرهابيون العنف وراء ظهورهم وعادوا إلى المجتمع. وكما ورد في تصريحات مثنى، فإنها تعبر عن ندم وتغير. وقالت لصحيفة “التايمز” “لقد دمرت حياتي ودمرت مستقبلي”. وهناك إمكانية كما أثبتت التجارب في الدنمارك وبريطانيا لإعادة تغيير أفكار المقاتلين السابقين، فبعد كل هذا لم تنضم الغالبية إلى التنظيم بدافع الهوس الأيديولوجي بقدر ما لعبت الظروف النفسية والاجتماعية والاقتصادية المالية في قرار الكثيرين. وكما أشار الباحث في شؤون الإرهاب مارك سيغمان فالعائلة والأصدقاء عادة ما يلعبون دورا مهما في تقوية الارتباط بالجماعات الإرهابية. فعندما قررت شميما وزميلتان لها السفر إلى سوريا كن يتبعن خطى صديقة رابعة من بثنال غرين-شرق لندن، ذهبت إلى هناك قبلهن. وفي السياق اندفعت مثنى إلى تنظيم “الدولة” بسبب القيود التي فرضتها عائلتها وكان أنيسها الوحيد ودليلها للجهاديين خطابات المنظر القاعدي أنور العولقي كما قالت في أول مقابلة لها مع “الغارديان” في 17 شباط (فبراير). وفي ضوء هذه المحفزات فخلق محفزات جديدة لمن انخدع بفكر الجهاديين يمكنها الإسهام في تخليهم عن فكرهم المتشدد. وفي حال فشل المجتمع بفتح الباب أمام من غرر بهم تنظيم “الدولة” فسيظلون يعيشون في عالمهم بل وسيزداد حنقهم على مجتمعهم.
غسل اليد
ومن هنا فمحاولة التلويح بالوسائل القانونية لحرمان الجهاديين من حقهم بالمواطنة يعني تجاهل الآلية التي دفعت بهم أو بهن إلى أحضان الجهاديين، بل وتجاوز الأسباب التي دفعت بهم من أجل تحقيق أهداف سياسية كما في حالة جاويد الطامح لقيادة حزب المحافظين في بريطانيا. وكما أشارت أزاده موافيني في صحيفة “الغارديان” (26/2/2019) فالكثير من نساء تنظيم “الدولة” ممن اكتشفن خطأ قرارهن كن ضحايا محاولاتهن الفرار أو تعرضن لعمليات إكراه وضغط للبقاء. وترى أن الرد المتسرع بالتلويح بإجراءات قانونية يذكر بالجو الذي ساد في مرحلة ما بعد 9/11 حيث تم رمي الكثيرين في السجون السرية وغوانتانامو بدون العودة إلى الأصول القضائية أو توجيه تهم وتقديم أدلة. واليوم تحاول الحكومات من باريس إلى لندن وواشنطن غسل أيديها من نساء تنظيم “الدولة” حيث تحاول حكومات التظاهر بعدم وجودهن فيما سارعت أخرى بحرمانهن من جنسياتهن. وتقول رولا خلف في صحيفة “فايننشال تايمز” (27/2/2019) إن النقاش حول عودة الجهاديين تمحور حول الخطر الأمني الذي يمكن أن يتسببوا به إن عادوا، ومن المفترض أن تكون الدول الغربية مجهزة لمواجهة أخطار كهذه. وقالت إنها راقبت النقاش بنوع من القلق خاصة فيما يتعلق بحملة الجنسية المزدوجة وأنهم أقل بريطانية أو فرنسية من حملة الجنسية الواحدة مما يجعلهم مواطنين أقل. وكان صادق خان عمدة لندن قد انتقد قرار جاويد لأن معظم سكان العاصمة هم من أبناء المهاجرين. وفي تقرير أعدته جينا فيل من مركز دراسة التشدد بكلية كينغز-جامعة لندن ناقشت فيه أن عودة الجهاديات مهم لمحاكمتهن ووضعن تحت الرقابة. أما تركهن في المخيمات والاعتقال فسيؤدي لنقلهن لدول أخرى أو يتم استخدامهن في عمليات تبادل أسرى. والدول التي تفشل في تحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها لحماية نفسها من مخاطر قصيرة الأمد تقوم بمفاقمة المخاطر الأمنية طويلة الأمد. وفي النهاية تظل قضية الجهاديات معضلة لكن تجاهلها أو معالجتها بتسرع يترك آثاره السلبية على الأمن والقانون الدولي والمساواة بين الجنسين كما ورد بمقال بمجلة “ذا نيوريببلك” (28/2/2019) وجاء فيه أن الحديث عن مخاطر عودتهن لا أساس له لأننا لم نجر تقييما بعد عن طبيعة التهديدات ما دمن في المخيمات. بالإضافة لهذا فإننا نعرف الآن أن تنظيم “الدولة” نشأ في جزء منه من المعتقلين الذين احتجزتهم أمريكا في العراق بعد غزوه عام 2003.