ماذا ننتقد في حركة فتح؟

حجم الخط
0

يشكل الموروث الفتحوي على مدى ما يقترب من العقود الخمسة، بصعوده وهبوطه، وإنجازاته وإخفاقاته، التاريخ الجمعي للشعب الفلسطيني الحديث، ولا أود التعريج على مختلف المراحل التاريخية، والأحداث التي تشكلت معها ملامح الهوية الفلسطينية والتي تعد أهم الإنجازات الفتحوية الى جانب فصائل العمل الوطني التاريخية وخاضت لأجله عدة معارك، حتى لا يكون هذا المقال تنظيريا يستقطب كادر الحركة فحسب، بل ليكون مهمازا يستحث من يهتم في دوائر صنع القرار الحركية، ويتسع صدره وعقله لإستيعاب الفجوة الآخذة بالإتساع بين الحركة وجمهورها، وهي التي عرفت مجازيا بـ ‘ أم الجماهير’.
يدرك المتتبع لمسيرة حركة فتح منذ برنامج النقاط الـ 10 عام 1974، ووثيقة الإستقلال في سنة 1988، وما تلاها من اتفاقية اوسلو، وخارطة الطريق، مرورا بالإنتفاضتين، ورحيل الشهيد ياسر عرفات، أن حركة فتح تسير وفق رؤية تعتمد على حل الدولتين، وحل عادل لقضية اللاجئين، والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المتوقعة، وبغض النظر عن الغوص في التفاصيل والكيفية التي تقوم فيها حركة فتح بإدارة هذا الملف إلا انها اثبتت بعد النظر في رؤيتها وهو ما جعل معظم التيارات السياسية في فلسطين تلحق بركب برنامجها السياسي، مع التأكيد على هامش المعارضة القائم على ادارة الملف وليس الإطار العام.
ولكن في هذه الأثناء اخفقت حركة فتح على صعيدين هامين: أولهما يتمثل بعقد حركة فتح زواجا كاثوليكيا مع عقلية الحزب الحاكم، وتعاملت بمنطق صاحب النفوذ والسيطرة، وابتعدت في كل مرة خطوة عن بناء تحالفاتها مع القوى اليسارية والديمقراطية، وهو ما جعل الأخيرة في بعض المناسبات اكثر قربا لحركة حماس رغم الإختلاف الإيديلوجي والفكري بينهما. عقلية الحزب الحاكم والحرص على استئثار السلطة الوطنية الفلسطينية، لم يحمل فتح سلبيات الأدوار المناطة بالسلطة الوطنية بحكم الإتفاقيات السياسية، بل شكل طبقة من المستفيدين من الحالة القائمة، سعت بكل ما اوتيت من قوة لتعزيز ثقافة وممارسة دور الحزب الحاكم، الذي اصبح مع الأيام مكرها لا بطل، في التعاطي مع القوى الرأسمالية، وسطوة المال عوضا عن تطوير وتعزيز الرأسمال الإجتماعي الفلسطيني.
وهنا لا بد من التأني ومحاولة المقاربة بين الرؤية التحررية لفتح واعتمادها الخيار السلمي في انهاء الصراع ، الذي استندت فيه الى موروث كبير من التضحيات، وعدالته، ويعتمد اساسا على صمود الشعب الفلسطيني بمختلف اماكن تواجده واحتضـــانها لقيادة الحــركة، وبين السياسات الإدارية والمالية التي اعتمدتها في ادارة السلطة الوطنية الفلسطينية، وقلصت هامش تطــــوير القيم الإيجابية والتعاونية والتحــررية في وسط المجتمع الفلسطيني وهو ما خلق فجوة بين طموح القيادة في برنامجها، وواقع الشعب الذي غدا يعيش في حالة من الإحباط بسبب عدم تناغم رؤية فتح بالتحرير مع السياسات التي يتم اتباعها على صعيد المجتمع لتحافظ عليه مجتمعا مقاوما.
ويكمن ثاني التحديات التي تعيشها الحركة، بعدم تلبية المؤتمر السادس للحركة رغبتها في تجديد فعاليتها وتطوير برامجها الجماهيرية والمجتمعية، رغم ترسيخ نهج الإنتخابات الديمقراطي في اختيار القيادات. لكن على ما يبدو ان ديناميكيات الحركة لم تعد قادرة في شكلها الحالي على استيعاب أن هناك أجيالا متكدسة لدى الحركة تنتظر اخذ زمام المبادرة والقيادة، بعيدا عن ثقافة الإستزلام وهو ما دعا له مؤخرا الرئيس محمود عباس في اجتماع المجلس الثوري، بضرورة ان يكون هناك التفاف حول حركة فتح وليس اشخاصها مهما تكن رتبته في الهيكل التنظيمي.
لا أدري إن كانت القيادة الحركية اليوم تعلم أن هناك الافا من كوادر الحركة، اصبحوا على هامش الحراك الفتحوي، ويعتمدون على مبادراتهم خارج الأطر الرسمية، ليس لأسباب فردية في غالبها بل لعدم قدرة الأطر الحركية على استيعابهم ودمجهم في عملية الحراك وصنع القرار، ويبدو أن على حركة فتح أن تنظر بعين الأهمية لأجيال تتدافع في داخلها وطاقات وكفاءات، تشكل لديها وعيا كافيا بالموروث الثوري الفتحوي الذي يكفل الحقوق الفلسطينية وكرامة المواطن، ويمارس السياسة والمناورة في إطار ما يحقق عدالة قضيته، ويتناغم مع نبض الشارع.
تمر حركة فتح بظروف وتحديات تتعاظم يوما بعد آخر وهو ما يتطلب من قيادتها الإسراع في وتيرة الإصلاح بما يلبي تطلعات الشعب الفلسطيني وكادرها، فمازالت الفرصة متاحة، مع الأخذ بعين الإعتبار ان عجلة الوقت تسير بسرعة مضطردة.
كايد معاري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية