تعتبر شبه الجزيرة الكورية من بين المناطق الأكثر سخونة على المستوى الدولي، نظرا لمعطيات موضوعية تجعل منها ساحة للصراع بين القوى الكبرى، ولطالما عرفت هذه المنطقة توترات حادة بين كوريا الشمالية وجيرانها، خصوصا كوريا الجنوبية، التي كادت أن تدفع بالأوضاع فيها نحوالحرب، وفي هذا السياق اتخذ التهديد الكوري الشمالي الأخير للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في شبه الجزيرة الكورية، منحى غير مسبوق في مسار التصعيد في المنطقة، حيث بدت نبرته أكثر حدة من أي وقت مضى، مما جعل المنطقة تدخل في حالة استنفار، خصوصا في كل من كوريا الجنوبية واليابان، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية دفعت بطائرتي شبح لاستطلاع تطورات الأوضاع هناك. هذا التوتر تعزز مجددا بعد إقدام ابيونغ يونغب على إطلاق صواريخ باتجاه بحر اليابان. وإذا كان المشهد السياسي السطحي هو هكذا في شبه الجزيرة الكورية، فإن الخلفيات الحقيقية للتصعيد يمكن أن تمتد إلى أكثر من خلاف أمريكي- كوري شمالي حول برنامجها النووي، وسعي ابيونغ يونغب لتطوير منظومتها التسلحية بشكـــل إستراتيـــجي، كما يتجاوز التناقض العقائدي والأيديولوجي بينهما، ليمتد إلى أعمق من ذلك، حيث الصراع الدولي المحموم حول مناطق النفوذ والسيطرة الإستراتيجية، بين قوى تقليدية مهيمنة وأخرى صاعدة تسعى إلى فرض إرادتها ومكانتها على الساحة الدولية وحماية مصالحها القومية . من بين أبرز القوى الصاعدة على مسرح العلاقات الدولية المعاصرة، نجد الصين، التي يرشحها الكثير من المحللين والباحثين في علم السياسة الدولية لتكون قوة عسكرية واقتصادية وسياسية أولى في السنوات المقبلة، ولعل وضعا كهذا قد وضع على عاتق المتحكمين في خيوط السياسة الصينية تحديا كبيرا يتجلى أساسا في السعي لحماية المصالح الوطنية للدولة الصينية، وما يحمل ذلك في طياته من مخاطر الاصطدام بمصالح دول أخرى مهيمنة على الساحة الدولية، أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية، فهل يمكن فهم التصعيد الكوري الشمالي تجاه هذه الأخيرة بكونه اصطدام مصالح بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وصرخة صينية في وجه واشنطن، أكثر منه تعبيرا عن إرادة كورية شمالية؟ ألا يمكن وضع هذا التصعيد في إطار الصراع المحتدم بين واشنطن وبكين، خصوصا في منطقة المحيط الهادئ ومنطقة الشرق الأوسط؟ يشكل المحيط الهادئ أهمية إستراتيجية كبرى للقوى العظمى، خصوصا بحر الصين الجنوبي، الذي يشمل المنطقة من سنغافورة إلى مضيق تايوان، والذي يضم عددا كبيرا من الجزر محل نزاعات بين الدول المطلة على هذا البحر، كما يعد ممرا بحريا حيويا لحركة الطاقة والتجارة في آسيا، كما أن بحر الصين الشرقي الذي يصب فيه أكبر نهر في المنطقة وهو نهر ايانكتسيب يعج بالثروة الغازية، وهي مثار نزاع بين الصين واليابان وكوريا الجنوبية، فسيطرة الصين على بحر الصين الجنوبي يتيح لها الهيمنة على جزء كبير من نصف الكرة الشرقي، من أجل ذلك فإن بكين تنظر لكل ذلك من زاوية المصلحة الوطنية، بينما تنظر واشنطن إلى هذا البحر باعتباره ممررا دوليا يجب تأمينه. من جانب آخر فإن الانسحاب الأمريكي المحتمل من أفغانستان، وما قد ينتج عنه من تقارب حتمي بين كل من الهند وإيران وروسيا والصين، وبشكل قد يمتد إلى باكستان وما يعنيه من فقدان لكل من باكستان كحليف مطيع للولايات المتحدة الأمريكية، ولدور الهند الذي طالما راهنت عليه أمريكا، من أجل تحقيق نوع من التوازن مع الصين، قد دفع واشنطن إلى إعادة تركيز بوصلتها نحوالمحيط الهادئ، كخيار استراتيجي كبير يهدف إلى تطويق الصين عسكريا واقتصاديا، عبر تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في هذه المنطقة الحيوية، حيث تتوفر الولايات المتحدة الأمريكية على 288 سفينة حربية، منها حاملتان عملاقتان للطائرات زيادة على العديد من الغواصات النووية، إضافة إلى سعيها إلى نسج علاقات ذات مناحي متعددة مع دول شرق آسيا، الذي يبدو أنه أثمر علاقات سيئة بين الصين وجيرانها، إضافة إلى عودة التوتر حول الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي والشرقي، ناهيك عن اتساع حالات الاحتجاجات الاجتماعية والعرقية في الصين. في هذا الإطار يمكن القول بأن التصعيد الكوري الشمالي الأخير، الذي لا يمكن أن يتم بدون موافقة صينية، هو في جوهره تعبير عن تنافس شرس بين كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية حول النفوذ في منطقة المحيط الهادئ على وجه التحديد، حيث بلغ الإزعاج الأمريكي للمصالح الإستراتيجية الصينية مستويات لا يمكن احتمالها والسكوت عنها، فبكين لن تقبل بأي وجود لجيوش أمريكية على حدودها إذا ما تم توحيد الكوريتين، شأنها شأن روسيا التي ترفض استغلال الوضع في شبه الجزيرة الكورية لعسكرة المنطقة. وعلى الرغم من أن العديد من الدراسات الإستراتيجية، تؤكد أن العلاقة بين الصين وأمريكا بخصوص قضايا الشرق الأوسط، هي علاقة تشارك وتوافق أكثر منها علاقة صراع وتنافس، على اعتبار أن الصين من الناحية المبدئية تشاطر الرؤية الأمريكية بضرورة عدم حصول إيران على السلاح النووي، كما أنها تحترم جزئيا الحظر الغربي على نفط طهران، وهي أيضا لم تعارض الغزو الأمريكي للعراق، كما أن بكين هي شريك وداعم أساسي لواشنطن في حربها على الإرهاب، إلا أن المتأمل في منحى السلوك السياسي الصيني يمكنه أن يلحظ نوعا من التغير العميق في هذا السلوك، فبعدما ظلت الإستراتيجية الصينية لفترات طويلة غير مهتمة بالشرق الأوسط إلا في حدود ما يمليه التبادل التجاري والثقافي، وبعدما كان أمنها القومي يرتكز بالأساس على حماية حدودها المترامية الأطراف، رغم قوتها الاقتصادية والعسكرية، فقد تولد شعور لدى الساسة في بكين بضرورة التصرف وفق ما تقتضيه هذه القوة والسعي إلى الاستغلال السياسي لها، فالنمو الاقتصادي الكبير وديموغرافيتها الهائلة جعلها في حاجة ماسة للخليج، كمصدر مهم للطاقة وسوق استثمارية واستهلاكية واعدة، مما يتطلب وضع حد للهيمنة الأمريكية المطلقة على هذه المنطقة، عبر التحول في سياستها الخارجية من سياسة منكفئة على الذات وغير مبالية إلى حد ما بالقضايا الخارجية إلى سياسة أكثر ندية ومتجهة إلى البحث عن مصالحها القومية وحمايتها خارج حدودها الإقليمية، وفي هذا الإطار شكل امتناع الصين الشعبية عن التصويت على قرار مجلس الأمن سنة 2011، القاضي بفرض منطقة حظر جوي في ليبيا، أحد إرهاصات هذا التحول في السياسة الخارجية للصين، رغم أن ذلك كلفها فقدان مصالحها في هذا البلد زيادة على ترحيل حوالي 40 ألف عامل صيني منه، ومع اندلاع الأزمة السورية تكرس هذا السلوك المتسم بالتحدي للولايات المتحدة الأمريكية، باستعمالها إلى جانب روسيا حق النقض بمجلس الأمن لقطع الطريق، على أي ذريعة قانونية لتدخل عسكري بسورية، وما سيشكل ذلك من خسارة أخرى للمصالح الصينية في المنطقة، والحقيقة أن الصينيين منزعجون أيضا من الدعم والتمويل الغربي للجماعات الإسلاموية في سورية، الذي من شأنه أن ينعكس على استقرار الصين الداخلي، وبالتحديد في إقليم شنجيانغ المسلم والغني بالنفط، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار موجة الاحتجاجات الدينية والقومية والاجتماعية المتنامية في الصين بشكل غير مسبوق. مجمل القول أن أي محاولة لفهم التصعيد الكوري الشمالي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في المنطقة، لا بد أن يستدعي الظرف الدولي المتسم بدينامية جديدة وعميقة، قد تؤسس لنظام عالمي جديد ومختلف عما عهدناه طيلة السنوات الماضية، حيث هيمنة الغرب على العالم سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا، فالتطورات التي تعرفها المنطقة العربية الغنية بالثروات وذات الموقع الجغرافي الحيوي، وسواء تعلق الأمر بربيع عربي أو خريف عربي، وما تشــــهده سورية من صـــــراع حامي الوطيــــس بين القوى الفاعلة إقليميا ودوليا، وما يجري في العراق من تصفية حسابات، ومحاولة رد الاعتبار للهزيمة النكراء للولايات المتحدة الأمريكية فيه، إضافة للصراع الاستراتيجي المحموم بين المنظومة الغربية بزعامة واشنطن والقوى الصاعدة حول المناطق الجيوستراتيجية، وكل ما يرافق ذلك من فرز واصطفاف للساحة السياسية محليا وإقليميا ودوليا، كل هذا يؤرخ لمنعطف تاريخي خطير ومهم في آن واحد، والذي لا محالة سيغير الكثير من معالم الخريطة السياسية في العالم، ولعل التصعيد الكوري الشمالي الأخير هو مجرد ملمح من مجموع ملامح صراع دولي شرس من أجل السيطرة.