مع أن إسرائيل فضلت أن تحجب مسألة لقاء مستشار الأمن القومي جون بولتون في بداية هذا الأسبوع برئيس لجنة الطاقة الذرية زئيف شمير في إسرائيل، غير أن الإدارة الأمريكية حرصت على نشر أمر الزيارة. ففي كل ما يتعلق بالنووي الإيراني، يسبح بولتون كالسمكة في الماء. فالصراع ضد «الأشرار» أمر يجري في روحه. في 1991، بصفته مساعداً لوزير الخارجية الأمريكي في إدارة بوش الأب شارك في قرار مجلس الأمن لاستخدام القوة ضد العراق. في 2001، بصفته نائباً لوزير الخارجية لشؤون رقابة السلاح والأمن القومي تحت إدارة بوش الابن، كافح بشكل مهووس كي يشدد الصراع ضد النووي في كوريا الشمالية وإيران. بصفته محافظاً من النوع القديم يواصل القتال ضد إمبراطورية الشر السوفياتية السابقة والروسية اليوم. أما هذا الأسبوع فبصفته مستشاراً للأمن القومي لترامب، فقد أوصاه باستخدام القوة العسكرية ضد إيران.
بولتون، مؤيد لإسرائيل في كل ضلع من جسده، سبق أن زار إسرائيل مرتين هذه السنة. والجولات التي يجريها كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية إلى الشرق الأوسط جزء من مفهوم «الإدارة عن كثب» أي أن يكونوا قريباً من مكان الأزمة لغرض التأثير. طيرانه هذا الأسبوع مع رئيس الوزراء إلى الشمال لمشاهدة العدو المشترك، كان فرصة بولتون لأن يرضي غرور نتنياهو. بالمناسبة، هذا بالضبط ما يفعله هذه الأيام وزير الخارجية مايك بومباو في دول الخليج على خلفية الأزمة في الخليج الفارسي.
يعتقد بولتون بأن بوسعه بأن يحقق المصلحة الأمريكية من خلال استخدام الروافع العسكرية. وإسرائيل من ناحيته هي شريك كامل. أما ترامب بالمقابل فلا يزال يؤمن حالياً بالحرب الاقتصادية. وعلى حد فكره، فإن الاقتصاد الأمريكي، بحجم 21 تريليون دولار، قادرة على أن تحقق انهياراً لكل عدو يقف في طريقها. كلاهما ذوا نزعة قوة، والوسائل وحدها هي التي تختلف، حالياً.
قصة غرام روسية أمريكية
لقد جرى لقاء بولتون مع خبراء الذرة الإسرائيليين على خلفية قمة ثلاثة رؤساء مجالس الأمن القومي الأمريكي، الروسي والإسرائيلي التي عقدت هنا، ولكنه كان أهم من القمة نفسها. كدرس من السلوك تجاه إدارة أوباما، فإن التنسيق بين إسرائيل والولايات المتحدة بالنسبة للخطوات التي ينبغي اتخاذها اليوم في ضوء التهديد الإيراني لاستئناف المشروع النووي هو أمر حرج. فمن ناحية إسرائيل، بولتون هو الشخصية المالية لهذا الحوار بين الدولتين ويتم التنسيق مع مستويين. الأول الدبلوماسي، هو في داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا. فالدولتان تعملان بالتنسيق قبيل انعقاد مجلس الأمناء المرتقب في أيلول، حين سيرفع تقرير عن خروقات اتفاق التجريد من السلاح النووي في الدول المختلفة. أما المستوى الثاني فهو مستوى عملي لمنظومة الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية على إيران، كي لا تكسر هذه الاتفاق. معقول جداً الافتراض بأن زئيف شمير عرض على بولتون معلومات عن استعداد النظام الإيراني لخروج عن شروط الاتفاق والمعاني التي لهذا الأمر. إذا كان ثمة قسم عملي لزيارة بولتون في إسرائيل فهو يتعلق باليوم التالي لخرق الإيرانيين للاتفاق النووي. لقد كان بادر إلى لقاء المستشارين الثلاثة على أراضي إسرائيل رئيسان معاديان لديهما قاسم مشترك واحد: كلاهما يريدان أن يريا نتنياهو يواصل الحكم. ترامب يريد ذلك بسبب الشراكة الشخصية والأيديولوجية بينه وبين رئيس الوزراء. كما أن لبوتين أسباباً عملية تماماً. ففي الماضي اشتكى بأنه مل من أنهم في الغرب يغيرون الحكام صبح مساء ولا يمكن تنفيذ أي سياسة. ولهذا فهو مرتبط جدا بالمستشارة ميركيل. ونتنياهو، من ناحيته، هو زعيم معروف يمكن عقد الصفقات معه لزمن طويل.
قبيل الانتخابات الأخيرة فكر نتنياهو بأن يجلب الرئيسين إلى قمة في إسرائيل، إلا أن إسقاط الطائرة الروسية في سوريا في السنة الماضية أدى إلى سحب الخطة. ما تبقى منها هو بادرة بوتين وترامب الطيبة في شكل لقاء بين مستشاري الأمن القومي الثلاثة.
سواء في الولايات المتحدة أم في روسيا، شعروا بأنه حان الوقت للبدء في تحسين العلاقة بينهما. وكانت القمة في إسرائيل ترتيباً مريحاً. بحث الروس عن سبيل لاستئناف الحوار مع الأمريكيين في ضوء تراكم الأزمات الدولية وآثار العقوبات الاقتصادية على روسيا. وبعد أن عرض المحقق الخاص مولر استنتاجاته عن التدخل الروسي في انتخاب ترامب، كان بوسع الأمريكييين أيضاً أن يستأنفوا الاتصالات دون أن تحوم فوق رؤوسهم سحابة من الشبهات.
عندما يستعرض الروس والأمريكيون خريطة النزاعات التي يشاركون فيها على وجه البسيطة، يفهمون بأنه لا يمكنهم أن يتقدموا في مسائل فنزويلا، وكوريا الشمالية، والقرم أو ليبيا. الموضوع الوحيد الذي يوجد فيه إمكانية كامنة للوصول إلى توافق ما هي المسألة السورية اللبنانية. للروس مصلحة في استقرار حكم الأسد والبدء باستخراج الغاز من المياه اللبنانية، وهم أيضاً لا تسعدهم التطلعات الإيرانية في سوريا ولبنان. ويريد الأمريكيون إنهاء المواجهة في سوريا والانصراف منها دون أن تتضرر مصالحهم، وتريد إسرائيل أن يطير الإيرانيون من هنا. أما المستشارون الذين جاؤوا إلى القمة في إسرائيل بناء على طلب نتنياهو، هكذا على الأقل يدعي وزير الخارجية الروسي سيرجيه لافروف ليسوا في مستوى أصحاب القرار. يمكنهم أن ينقلوا الرسائل، وهذا ما فعلوه. إن الأفكار العلنية لبولتون ورئيس مجلس الأمن القومي الروسي، نيكولاي بتروشوف، لم تلتق هذه المرة أيضاً. فبولتون مؤيد متحمس لسياسة إسرائيل الحازمة في سوريا يرى في إسرائيل مثالاً على الطريقة التي ينبغي أن تعالج بها دول مثل إيران. أما من ناحية الجنرال المتقاعد بتروشوف، الذي في ماضيه كان رئيس جهاز الأمن الفيدرالي الذي خلف الـ كي.جي. بي، فإن إيران ليست المشكلة بل الحل. ومثلما قال وزير الخارجية لافروف عشية المؤتمر الثلاثي: «عندما وافق الرئيس بوتين على طلب نتنياهو عقد اللقاء شدد على أن هناك حاجة للتركيز على تنفيذ قرار 2254 لمجلس الأمن». بتعبير آخر، يريد الروس تنفيذ القرار لإخراج القوات الأجنبية من سوريا باستثناء إيران وروسيا اللتين دعاهما الأسد. أما إسرئيل فتصر على أن «القوات الأجنبية» هي إيران بالأساس.
يتحدثون بصوتين
من ناحية إسرائيل، كان هذا اللقاء موضوع مكانة ووعي. فقد بث رسالة للعالم، وبالأساس للإيرانيين، عن مكانة إسرائيل في الساحة الدولية. وهذا بالضبط ما أزعج الروس. من اللحظة التي بدأ فيها تنظيم القمة لم يتوقفوا عن الدفاع عن الإيرانيين والتزلف لهم كي يوازوا الانتقاد الذي تعرضوا له في أنهم يبيعون مصالح الصديقة إيران لإسرائيل والولايات المتحدة. وفي ختام اللقاء أصدرت وزارة الخارجية الروسية بياناً قيل فيه إن روسيا تقف بشكل مطلق خلف الشعب الإيراني الصديق وحكومته.
وكان هناك موضوع عملي صغير واحد آخر في زيارة بولتون إلى إسرائيل. فقد التقى بتروشوف وبولتون ثنائياً أيضاً، بدون الإسرائيليين. وكانت هذه فرصة لأن يستوضحا فيما بينهما قائمة المواضيع التي سيبحث فيها بوتين وترامب في لقاء العشرين الكبار في اوساكا في اليابان. وأفاد الروس بأن بولتون وبتروشوف تحدثا عن الاستقرار النووي، أي القصة الإيرانية والقصة الكورية الشمالية، كما بحث الرجلان مسائل تتعلق بفنزويلا وأوكرانيا. أما مسألة إسرائيل سوريا إيران، لم تذكر هناك.
اليكس فيشمان
يديعوت 28/6/2019