ماذا يجري بشأن الاقتراح الأمريكي؟

حجم الخط
0

يصعب تقدير درجة تصميم الرئيس ترامب على تنفيذ نيته في إطلاق مبادرة سياسية لحل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني ـ العربي. كما أنه من الصعب جدا التقدير هل بإمكان الإدارة الأمريكية ـ التي تتصف بظاهرة «البوابة الدائرية» المتعلقة بتغيير الطاقم في المستويات العليا، حيث أن ترامب لم ينه بعد استكمال التعيينات الأساسية في مجال الخارجية والأمن، وبكلمات أقل حدة، ترامب لا يمتاز بسلوك واضح في مجال السياسة الخارجية ـ إدارة المفاوضات المعقدة المرتقبة، والاستمرار في تنفيذ الاتفاق، إذا ما تم التوصل إليه.
مع ذلك، مستشار الرئيس لشؤون المفاوضات الدُّولية جيسون غرينبلاط، الذي يساعده طاقم صغير، لكنه خبير ومجرب، يكرس معظم جهوده لبلورة خطة استنادا إلى دروس الماضي التي توصل إليها من خلال عشرات اللقاءات مع الأطراف كلهم، ومع خبراء في المنطقة وخارجها. صهر الرئيس ومستشاره جارد كوشنر، المسؤول عن الموضوع، أسهم أيضا بجهد لا بأس به، خاصة في كل وقت تقدر فيه واشنطن أنه من المهم أن تبين للأطراف أن غرينبلاط يتحدث حقا باسم الرئيس. إن حضور كوشنر من شأنه أن يرسل هذه الرسالة.
وبرغم أقوال الرئيس من ناحيته إن أية صيغة ـ دولة واحدة أو دولتان ـ مقبولة عليه بشرط أن يتفق عليها الطرفان، وبرغم أن سفيره في البلاد، ديفيد فريدمان، ليس من المؤيدين المتحمسين لحل الدولتين، فعليًا، هذا الخيار يقف في مركز الخطة الآخذة في التبلور.
أحد التحديات التي يحاول غرينبلاط التغلب عليها هو مستوى التشكك في أوساط الشعبين، الإسرائيلي والفلسطيني، وفي المحيط العربي ذي الصلة بشأن نجاح مهمته. في محاولة لتمهيد الأرض، فقد استثمر جهودا لإقناع المشاركين كلهم لاتخاذ خطوات تمهيدية تؤدي إلى تغيير الأجواء، بحيث تتغلب على الشكوك، وبهذا تمكن من إطلاق العملية في ظروف أفضل.
لاستغرابه، وجد استعدادا لا بأس به لهذا في أماكن أقل توقعًا، وعلى رأسها السعودية واتحاد الإمارات، لكن استعدادهما لإحداث تغيير في الأجواء بخطوات تثبت للجمهور الإسرائيلي مساهمة العملية في السياق الإقليمي، تم كبحها بسبب عدم الثقة العميقة بنتنياهو. فهم يخشون من عدم القيام بتنفيذ وعوده بالرد على بادرات حسن النية من قبلهم بخطوات من جانبه تجسد التزامه حل الدولتين. على خلفية ذلك فإن طلب الولايات المتحدة «سلفة» من الجانب العربي ووجه بالاستعداد لـ «تعامل متزامن بالمثل». أو حسب أقوال نتنياهو: إذا أعطوا سيأخذون، وإذا لم يعطوا لن يأخذوا. يبدو أن الخوف من الظهور بمظهر المخدوعين ليس ظاهرة إسرائيلية خالصة: تجربة الماضي تعلمهم أن نتنياهو يمكن أن يتركهم أيضا كي يدفعوا الحساب أمام الرأي العام العربي وأمام دول ومنظمات الرفض العربي.
في تصور الإدارة، هذا الجهد ليس من شأنه فقط أن يحل المشكلة المحلية، بل التمكين من خلق إطار إقليمي من خلاله سيتم التعبير بصورة ناجعة أكثر عن إجمالي المصالح المشتركة بين إسرائيل والرباعية العربية (السعودية، مصر، الأردن ودولة الإمارات) وذلك أمام تهديد إيران الملموس والنضال المتواصل ضد حركات ومنظمات الإسلام السياسي الجهادي العنيف، حيث أن كوشنر وغرينبلاط وفريدمان يعرفون أن التقدم في السياق الفلسطيني يشكل محكمة دينية لتأهيل دمج إسرائيل تدريجيا في النظام الإقليمي.
في هذه المرحلة يتبين أن الطاقم الأمريكي ما زال يحتاج إلى وقت إضافي لإنهاء مبدأين أساسيين في برنامجه: الأول، التأكد من أنه في زمن إطلاق «خطة ترامب» يكون في جعبتهم التزامات واضحة من جانب اللاعبين الثلاثة الأوائل ـ إسرائيل وم.ت.ف والرباعية العربية ـ للقيام بخطوات وإصدار تصريحات من قبل كل واحد منهم، التي تمثل التزامهم العملية وتقلص عدم الثقة بدرجة تمنح فرصة للمفاوضات عند بدئها.
الثاني، توسيع إطار المفاوضات بحيث تجري في ثلاث قنوات متوازية:
إسرائيل ـ م.ت.ف: مفاوضات على كل المواضيع الأساسية في الاتفاق الدائم لحل دولتين لشعبين.
إسرائيل ـ الرباعية العربية: التحدث عن تحفظات إسرائيل على صيغة مبادرة السلام العربية، وعلى مواضيع إقليمية مشتركة.
الدول المانحة ـ م.ت.ف: محادثات حول «السلام الاقتصادي» وإنشاء البنية التحتية التنظيمية والاقتصادية لدولة فلسطينية.
في السياق الأول، كما يتبين، الأمريكيون يريدون الوصول إلى عشية إطلاق الخطة عندما يكون في جيبهم ثلاث «أمانات»، تنفذ تدريجيا ولكن بصورة متوازية (منشور ثلاثي) غداة اجتماع لجنة تحريك العملية. مركبات «الرزم المختلفة» ما زالت قيد النقاش، لكن هناك أسباب للافتراض أن إسهام إسرائيل يتوقع أن يشمل تجديد التزام حل الدولتين. الموافقة، حتى ولو بشروط، على مبادرة السلام العربية كأساس للعملية، الامتناع عن إعاقة عملية المصالحة الداخلية الفلسطينية، تقييد البناء في المستوطنات بحيث يكون في حدود المناطق المبنية فقط، أي البناء بشكل عمودي نعم، أخذ مناطق أخرى، لا. ونقل مساحة صغيرة رمزية من مناطق (ج) بحيث تصبح مناطق (ب) (لإثبات أن الحديث عن الضم لا يعبر عن سياسة أن مناطق (ج) غير خاضعة للمفاوضات).
في الرزمة الفلسطينية مطلوب من م.ت.ف الامتناع عن القيام بخطوات في الساحة الدولية ضد إسرائيل، وتطبيق وتعميق التنسيق الأمني، وعلاج موضوع التحريض، ودفع عملية المصالحة الداخلية الفلسطينية والعمل، بمساعدة الدول المانحة، على تحسين الحكم والشفافية في ميزانية السلطة الفلسطينية. «رزمة» إسهام الرباعية العربية (المتعلقة أساسا بالسعودية ودولة الإمارات، كما هو معروف، برغم أنه يبدو أن هناك دولا أخرى ستفحص الاستجابة) أمام إسرائيل تشمل خطوات تطبيع أولية ومنها السماح بمرور الطائرات الإسرائيلية في سماء هذه الدول، الفتح المتبادل لخطوط الاتصال، تشجيع لقاءات تجارية وإعطاء تأشيرات لرجال أعمال من أجل زيارات متبادلة، تشجيع تغطية صحافية متبادلة، وذلك يشمل فتح وسائل الإعلام العربية أمام شخصيات إسرائيلية لإجراء مقابلات معها، وإعطاء الإمكانية لوسائل إعلام إسرائيلية للعمل في هذه الدول. المتوقع هو أن هذه الدول ستأخذ على مسؤوليتها التزام منح م.ت.ف الدعم المالي والسياسي.
وفيما يتعلق بجوهر المفاوضات نفسها، يبدو أن طاقم غرينبلاط ما زال يعمل على إعداد المعايير لإدارة المفاوضات. توجد لدى الطاقم وثائق النقاشات السابقة، لكنه متردد بخصوص المسائل الأساسية التي تعتبر غير سهلة تماما. هذا الطاقم المهني سيعرض على الرئيس صيغا تقول إن منطق العملية والاتفاق الذي سينشأ عنها، إذا حدث ذلك، ليست بالضرورة هي المتغيرات الأساسية التي على أساسها سيتخذ الرئيس القرار بشأنها: الحاجة إلى الموازنة بين حاجات الرئيس الداخلية (منها الخوف من إغضاب القاعدة الافنغلستية) وبين توقعات أصدقائه في الرياض؛ بين صعوبة الضغط على نتنياهو على ضوء الدرع السياسي الجمهوري و»قوة الضعيف» ـ الخوف من أن يؤدي الضغط إلى انهيار م.ت.ف وما شابه.
هكذا فإن عمل طاقم واشنطن يثير الانطباع بشكل خاص، وهو مميز بجودته في الإدارة الحالية. وعمل الطاقم سيقدم بعد بضعة أشهر للرئيس الذي يصعب توقع خطواته. عندها سيتضح إذا كان مصمما على المضي في الطريق أو يكون تحمسه قد فتر. إذا قرر الابتعاد عن هذا الأمر وأن يبقينا مع المعضلات المعروفة: عدم وجود مخلص من الخارج، كيف سيدافعون عن المشروع الصهيوني في وجه توجهات الضم التي تشير إلى نهايته.
إذا اختار تولي المهمة، وهو يعرف حجم الجهود المطلوبة لتحريك العملية، والجهود المطلوبة لدفعها كل الوقت، عندها سيتم اختبار زعماء اللاعبين الثلاثة المركزيين في الدراما المتوقعة ـ دول الرباعية العربية والشعب الفلسطيني والشعب الإسرائيلي. ولكن مهما كان إسهام الآخرين في النجاح، حتى لو جزئيا، فإننا نحن الإسرائيليين لا نستطيع الاكتفاء بالصلاة من أجل نجاح العملية، سيكون علينا التأكد إذا كان زعيمنا ملائم للمهمة أم لا، والتأكد من أن الديمقراطية الإسرائيلية ستقوم باستبداله.

شاؤول اريئيلي ونمرود نوفيك
هآرتس 23/11/2017

ماذا يجري بشأن الاقتراح الأمريكي؟
طاقم واشنطن يعمل على إعداد مبادرة ترامب لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني لضمان طرحها في ظروف أفضل
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية