ماذا يجري في بر مصر؟

حجم الخط
0

د. حسن عبد ربه المصري إستوحيت هذا العنوان من رواية طويلة للأديب المصري يوسف القعيد.. لأن ما يشهده الشارع المصري منذ بضعة اسابيع لا يكاد يصدقه عقل ولا يقدر علي التنبؤ به اعتى المحللين السياسيين.

عندما وقعت منذ عدة أشهر أحداث القتل والترويع بالقرب من مسرح البالون وبعدها عند مدخل مبنى التلفزيون المصري في ماسبيرو، حذرنا مع غيرنا – من نتائج المواجهات الدامية بين قوى الثورة الراغبة في التغيير والاصلاح والدافعة نحو المستقبل وبين القوى الظلامية التي تقاوم التغيير وتعمل جاهدة لإعادة عجلة التاريخ إلي الوراء أو تفكر في إبقاء أوضاع المصريين على كانت عليه قبل تنحي الرئيس المصري السابق يوم 11 فبراير الماضي.. وحذرنا أيضاً من ان اهمال الكشف عن العوامل التي ادت إلي وقوع هذه الموجهات الدموية سوف يساعد علي تكراراها.. وها نحن نكرر مرة أخرى ونخشى أن لا تكون الأخيرة أن الصدام الدموي الذي جرت وقائعه فوق أرض الشارع الذي تفصل ضفتيه بين مبنيي المجلس التشريعي والمجلس التنفيذي، لم يكن ليقع بهذه الكيفية ويؤدي إلي تفاقم المأساة إلى هذا المستوى لولا تراكمات عدم توافر الشفافية فيما يتعلق بكشف أسباب المواجهات السابقة سواء كانت طائفية أو وطنية، التي تتعلق في المقام الأول بتأجيل المحكمات والتراخي في اللقاء القبض علي المستببين الحقيقين مهما كان موقعهم – فيما يتعرض له أفراد الشعب المصري ووطنهم وتراثهم الحضاري من إنتهاكات حقوقية وتدميرية منذ شهر شباط/فبراير الماضي. الصدام الدموي عند المبنيين الشهيرين ومن قبلهما بعدة أيام عند شارع محمد محمود، له رمزيته التي يجب أن لاتمر مر الكرام.. فقد تواجه الطرفان، الثورة والسلطة، عند أهم رمزين لمطالب التغيير والإصلاح في مصر.. وسالت الدماء الذكية بالقرب منهما وربما لطخت اسوارهما.. وإنتهكت حقوق الإنسان علانية على مبعدة منهما.. كما إحترق الجزء الأكبر من أرشيف تاريخ الشعب أمام أعين الجميع دون أن يمد أحد يد النجدة لوقف الدمار أو الحد من إمتداده.. فما الذي قاد إلي هذه النتيجة الموجعة لقلب كل منا، الكاشفة لتواري الضمير الجمعي للمجتمع، الدالة على ازمة الثورة والسلطة في الوطن المصري؟.

هل تنازع الأطراف المشاركة في اللعبة السياسية بعد الحادي عشر من فبراير بعد ان وجدوا أنفسهم لأول مرة في تاريخ مصر الحديث ‘أحرار’ من الحاكم الأجنبي والحاكم الديكتاتور المستبد.. هو الذي حول متطلبات التجانس فيما بينها إلى سيولة في العلاقات وزين لها التصادم بدلاً من أن يفرض عليها التوافق؟ لا خلاف على أن أحد مميزات ثورة 25 يناير الشبابية التي حظيت بالتأييد الشعبي الجارف، أنها كانت بلا قيادة محددة يشار إليها بالبنان.. لكن هذه الميزة تحولت إلى عبئ ثقيل ومُعطل ودافع للصدام عندما كشفت هذه الميزة عن عيب خطير تمثل في تعدد قيادات الإئتلافات (حوالي 137 إئتلاف) التي بدأت تسعى الى تأكيد أهداف الثورة وتعمل على ايصال صوتها للمجلس الأعلى للقوات المسلحة التي تولي مسؤولية إدارة شئون وسياسات الدولة المصرية.. هذا العيب تفاقم مع مرور الوقت لأن الثورة التي أطاحت برأس النظام وأركان حكمه، لم تكن تملك من قوي التأثير في التوجه نحو المستقبل سوى الحشد المليوني الذي قلدتها فيه قوى أخرى وتيارات سياسية أستفادت إلى أبعد حد من قوة الضغط هذه ووظفتها لصالحها وليس لصالح الثورة، ووضح ذلك عبر نتائج إنتخابات مجلس الشعب في مرحلتيه الأولى والثانية.. وفي نفس الوقت بانت سلبيته على مستويين على قدر كبير من الأهمية:

الأول.. تسابق الكثير من القيادات السياسية القديمة والمستحدثة لإحتلال مقعد ‘المتحدث’ باسم الثورة والتعبير عن طموحات شبابها سواء عبر النوافذ الإعلامية او ضمن مفردات التواصل الفعال مع شرائح الشعب، مما ساعدهم علي تصدر القوائم والمقاعد بسبب جهوزيتهم التي لم تكن متوافرة للقيادات الشبابية – السياسية ككوادر قادرة على الجذب والتأثير، والدعم المالي المتوافر لديهم. الثاني.. أن الكثير من القيادات الشبابية التي قامت بالثورة سلمت ‘ قيادتها ‘ بحسن نية أو تحت ضغط علاقات إجتماعية / ثقافية / دعوية سابقة على تاريخ الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير، إلى بعض النشطاء السياسيين والدعويين الذين عمدوا إلى التأثير علي أفكارهم مما جرفهم إلي نوع من الأيديولوجية التي لم تكن عمادهم الأساسي في تحركهم الثوري الذي تابعه المجتمع المصـــري بشرائحة المتنوعة قبل بضع سنوات. من هنا جاءت المفارفة الكبري، فبعد أن تولى المجلس الأعلي للقوات المسلحة مسؤولية إدارة شؤون الدولة وإكتسب شرعيته من موافقة الشارع الثائر على هذه الخطوة وتأييده لها بإطلاق شعار ‘ الشعب والجيـــش يد واحدة ‘ .. بدأ المشهد السياسي يعاني من سلسة متتالية من تداعيات الفتن الطائفية وصراعات القوى السياسية المنادية بالتغير والراغبة في الاصلاح، وتلك التي ترى مصالحها في الإبقاء على القديم مع بعض التعديلات غير المؤثرة.

وشاهدنا بوادر الصدام والخلاف الحاد عندما جرى الاعتداء المادي على عدد من دور العبادة المسيحية.. وعندما طرحت قضية الإستفتاء بلا ونعم على بعض مواد الدستور.. وعندما طالب البعض بوضع دستور جديد للدولة ينظم العلاقات بين سلطاتها ويحدد بشكل قاطع سلطات رئيس الجمهورية، قبل إجراء الإنتخابات التشريعية والرئاسية.

وزاد الصراع حول الملف الأخير بين طرفي التغيير من ناحية والمتمسكين بأصرار علي الإبقاء علي الحال كما هو عليه والذي شاركت فيه القوي الشبابية المنضمة إلي هذا الطرف أو ذاك، عندما طرحت وثيقة التعديلات الدستورية الأولي التي وضعها المستشار طارق البشري.. ثم تفاقم الأمر وبلغ ضجيجه حد التخوين عندما قدم الدكتور علي السلمي وثيقته الإسترشادية الشهيرة التي رفضتها بعض القوي بسبب ما تضمنته من وصف للدولة المصرية بانها ‘مدنية وصبت عليها الغالبية جام غضبها لما جاء فيها من مواد’ تضع ‘مؤسسة القوات المسلحة فوق الدستور والقانون. وبلغ الخلاف ذروته عندما إختار المجلس الإعلى للقوات المسلحة الدكتور كمال الجنزوري لتشكيل حكومة إنقاذ للثورة وللبلاد، فقد إعترض عليه الكثير من عناصر الإئتلاف الشبابي وكذا بعض التيارات السياسية، من منطلق أنه ينتمي لسياسيات العصر الذي سقط رئيسه وأذنابه ومن هنا جاء الإعتراض على فلسفته أي الجنزوري – في ادارة شؤون البلاد والعباد. على الجانب الآخر مهدت مؤشرات هذا الصراع لنزول وحدات من القوات المسلحة إلي الشارع لفض الإعتصامات بالقوة الغاشمة ولوضع حد لإغلاق الشوراع التي بلغ ذروته عندما أصر المتظاهرون سلمياً على منع رئيس وزراء حكومة الإنقاذ من ممارسة مسؤولياته من داخل مكتبه الكائن في مواجهة مبنى مجلس الشعب.. هذا التحول غير المسبوق عرض على الجتمع المصري والعالم الخارجي صورا متلاحقة ومتتالية لوقائع الإشتباك بين جنود الجيش والمتظاهرين ضمن مسلسل معارك تبادل قذف الطوب وقنابل المولوتوف التي جرت بينهما.. تلك الصور التي عكست سوءات بعض قيادات الجيش وكشفت عن فشلهم في التعامل مع الإعتصامات والتظاهرات التي هي نتيجة طبيعة وواقعية لتراكمت سياسات سلبية وسوء إدارة وتراخ في القيام بالخطوات اللازمة لبدء خارطة تحقيق مطالب الشباب الثورية.. لماذا وقع الصدام، ولم يتحقق الوفاق؟ لأن المجتمع المصري يعيش منذ سنوات طوال محاطا ببيئة سياسية وإصلاحية بعيدة كل البعد عن مساعي الإصلاح الديموقراطي التي تطالب بها القوي الإصلاحية ويتمسك به الشباب وتسعى اليه القوى الليبرالية والتقدمية.. حيث تتقلص مساحة الحوار، فتزداد في مواجهتها سجالات الصخب والتشكيك والتخوين وإدعاء كل طرف إمتلاكه وحده للحقيقة.

لهذا تعيش الجماهير المصرية منذ بعضة أشهر إستقطابات غير مسبوقة بعيداً عن الإعتدال التي يصرخ كل طرف مطالباً به، وهو منه على بعد فراسخ.. مما جعل المشهد السياسي في قلب مصر يبدو بعيداً عن السياق الذي يرفع ميدان التحرير شعاراته التي يستظل به الجميع بينما كل طرف يستثمر آلة التفرقة والتمزيق غير الديموقراطية لتشديد قبضته الحديدية التي يسميها البعض إسلامية ويصفها البعض الآخر بأنها أمنية ويؤكد طرف ثالث انها شبابية / مليونية.. ويطلق عليها البسطاء ممن لا ينتمون إلي هذا الطرف أو ذاك، قبضة قطع الأرزاق ووقف عجلة الإنتاج وتدمير الإقتصاد الوطني وإغلاق فرص التصحيح والتنمية.. لهذا لم يكن غريباً أن تتنامى اتهامات التواطؤ والتآمر للرد على أي موقف أو رأي أو وجهة نظر يطرحها هذا الفريق أو ذاك.. التفاهم الضمني بين أي فصيلين، أصبح خذلاناً للثورة وتعدياً علي حقوق الشباب التفاهم أو التنسيق بين أي مجموعة سياسية، يوصف بأنه صدام مع الحقائق التي أفرزتها ثورة 25 يناير.. التربيطات الإنتخابية، نظر إليها البعض بإعتبارها إعتداء علي حقوق الغير وإلتفاف على الأديولوجيات. هذا التنامي يفسر لنا بوضوح رؤية العديد من القوي السياسة لما يصفونه بأنه تنسيق متواصل بين جماعة الإخوان المسلمون وحزبها السياسي الحرية والعدالة وبين المجلس الأعلي للقوات المسلحة منذ أن وقف قادتها السياسيون والدعويون بقوة في منتصف شهر مارس الماضي وراء الإستفتاء على مواد الدستور ونازعوا القوى والتيارات السياسية المصرية الأخرى مطلب أن تجري الإنتخابات أولاً بينما كانت الغالبية تطالب بوضع دستور الدولة أولا.. وها هي كافة القوي تستعد من الآن – لخوض معركة تشكيل لجنة المائة التي ستكلف بوضع دستور جديد للدولة المصري – قبل نهاية شهر يناير القادم، تدور رحاها حول:1 ـ هل يتم إختيارهم من بين أعضاء مجلس الشعب فقط؟.2 ـ أم من بين كل الفصائل والتيارات السياسية والفئوية الممثلة بحق وواقعية لقوى الشعب المصري بلا إقصاء أو تهميش أو إزدراء أو تزييف.

اليوم، تطالب جموع الشعب المصري العريضة خاصة المتواجدة في 95 ‘ التجمعات السكنية في ربوع الدولة المصرية القوى الثلاثة الممثلة بقوة وحضور في الشارع المصري، ونعني بها الشباب والمجلس الأعلى للقوات المسلحة والتيار السياسي الإسلامي، أن تنظر أبعد من موضع قدميها وأن ترفع شعار مصلحة الوطن والمواطن أولاً وأن تتكاتف لتحقيق أمرين على جانب عظيم من الأهمية.. الأمن والإستقرار من ناحية وعودة عجلة الإنتاج والتنمية من ناحية ثانية، لأنه بغير التنسيق والتوافق فيما بينها لتحقيق هذا الهدف الجماهيري الأول والأهم لن ينتهي الصدام ولن تتوقف عمليات القتل والترويع ولن يكون مبنى المجمع العلمي آخر القلاع التراثية الإنسانية التي تنالها يد الهدم والتدمير.’ إستشاري إعلامي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية