ماذا يجري في سورية ويعدّون لها؟

حجم الخط
0

ما رَشَحَ من اجتماعات وزراء خارجية الدول الخمس الكبرى وإيران على هامش دورة الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك، يشير الى توصلهم لتفاهمٍ في صدد الازمة، بل الحرب، المتفاقمة في سورية.
عناوين التفاهم معروفة. أبعاده ما زالت ملتبسة. فالخمسة الكبار تفاهموا على ضرورة تدمير مخزون الاسلحة الكيميائية السورية، على ان تنتهي عملية التدمير قبل شهر ايار/مايو 2014. تفاصيل العملية لم تُعرف بعد، ولاسيما لجهة المكان او الامكنة التي سيصار الى تدمير الاسلحة فيها، كما لم تعرف الجهة او الجهات التي ستتحمل تكلفة التدمير.
أبعاد التفاهم، ولاسيما بين الولايات المتحدة وروسيا، لم تتضح بعد. تَرَدَدَ ان واشنطن تريد إنهاء عملية تدمير ‘الكيميائي’ قبل انتهاء ولاية الرئيس بشار الاسد في شهر ايار/مايو القادم. لماذا؟ لأن وجود الاسد ضروري جداً اثناء عملية التدمير، لكونه القائد العام للجيش العربي السوري المسؤول عن مواقع تخزين الاسلحة المطلوب تدميرها، وبالتالي المسؤول عن أمن فريق المفتشين والفنيين المكلفين إنجاز عملية التدمير.
ماذا بعد إنهاء تدمير ‘الكيميائي’؟
يبدو ان الولايات المتحدة ما زالت على موقفها السلبي من الاسد. فالرئيس باراك اوباما قال في خطبته امام الجمعية العامة للامم المتحدة ‘إن بشار الاسد لا يستطيع البقاء على رأس السلطة في سورية’. اوباما لم يشرح اسباب عدم قدرة الاسد على البقاء، كما لم يحدد موقف واشنطن في حال امتلك الرئيس السوري لاحقاً اسباب القدرة على البقاء.
اياً ما كان يعنيه الرئيس الامريكي بقولته تلك، فإن في مقدور المراقب للمشهد السوري الاستنتاج ان الحرب لن تضع اوزارها مع انتهاء عملية تدمير ‘الكيميائي’ كما هو مُخَطَطٌ لها. لماذا؟ لخمسة اسباب:
أولها، ان عملية تدمير ‘الكيميائي’ المعقدة والمكلفة يمكن ألاّ تنتهي قبل انتهاء ولاية الرئيس السوري في شهر مايو القادم، وبالتالي فإن استمرار الاسد في السلطة وعلى رأس قيادة الجيش العربي السوري يبقى مطلوباً من اجل إنجاز عملية التدمير وضمان امن المفتشين والفنيين القائمين بها.
ثانيها، ان انتهاء ولاية الاسد مع استمرار الحاجة اليه في السلطة وعلى رأس قيادة الجيش يستدعيان التفكير في المقاربة اللازمة لتمديد بقائه في السلطة مع تداعيات ذلك وانعكاساتها على الولايات المتحدة وحلفائها في سورية والمنطقة. فالنظام السوري وقوى المقاومة العربية التي تسانده وايران ستفسر ذلك بأنه هزيمة لواشنطن وحلفائها، فكيف يمكنها تفادي هذه النتيجة المحبِطة؟
ثالثها، ان الولايات المتحدة وحلفاءها لم يتوصلوا بعد الى تفاهم حول مستقبل سورية، سواء بوجود الاسد او من دونه ما يستوجب اجراء مفاوضات طويلة في ما بينهم قبل مباشرة اعمال مؤتمر جنيف -2 المحدد موعده، مبدئياً، في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر القادم.
رابعها، ان انفجار الصراع الدموي بين قوى المعارضة السورية المسلحة، واندفاع القوى الإسلامية ‘الجهادية’ الى مقاتلة ‘الجيش السوري الحر’ ووضع اليد على المناطق التي يسيطر عليها، واعلان ‘الجهاديين’عدم اعترافهم بـِ’الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية’ الذي ‘يقود’ قوى المعارضة من الخارج، سيؤدي الى احتمالين خطيرين: تعريض امن فريق المفتشين والفنيين القائمين بعملية تدمير الاسلحة الكيميائية لخطر شديد، وربما الى وقف عملية التدمير من جهة، ومن جهة اخرى عرقلة تأليف وفد موحد لقوى المعارضة السورية، وبالتالي تأخير انعقاد مؤتمر جنيف-2.
خامسها، ان اقتتال قوى المعارضة السورية في ما بينها وعرقلة عملية تدمير ‘الكيميائي’ وتأخير انعقاد مؤتمر جنيف -2 قد يحمل النظام السوري وحلفاءه في لبنان وايران على اهمال الحل السياسي الممتنع واستغلال الضعف المستجد في قوى المعارضة المسلحة للعودة الى التركيز على الحل العسكري بغية دحر الاعداء ميدانياً.
هذه التطورات والاحتمالات ستنعكس بالضرورة على الحلفاء الآخرين لكلٍ من الولايات المتحدة وروسيا. فبعض دول الخليج الداعمة لقوى المعارضة السورية ما زال يحاول استكشاف ابعاد التفاهم المبدئي الحاصل بين واشنطن وموسكو، ولاسيما ما يتعلق منه بمرحلة ما بعد تدمير ‘الكيميائي’ وولوج مؤتمر جنيف -2. ثمة اسئلة تُطرح: ماذا بشأن الرئيس الاسد؟ ماذا بصدد تمثيل قـوى المعارضة في جنيف -2؟ ما مستقبل سورية بعد جنيف -2، سواء مع بقاء الاسد او من دونه؟ ماذا عن الوضع في العراق؟ وهل سيجري التوافق على تسوية للأزمة المتفاقمة في بلاد الرافدين في سياق التوافق على تسوية الازمة المعقدة في بلاد الشام؟
الى ذلك، ثمة موقف لـِ’اسرائيل’ حيال كل هذه التطورات والمشروعات التسووية الجاري بحثها. وزير الحرب الاسرائيلي موشي يعلون دعا الى ازاحة الاسد من السلطة بالدبلوماسية او بغيرها. قال ‘إن تدمير الاسلحة الكيميائية في سورية مرحلةٌ اولى قبل ازاحة الاسد’. ما سر التصعيد الإسرائيلي المستجد ضد الرئيس السوري؟
يبدو ان القيادة الإسرائيلية تخوّفت من مضامين تصريحات الاسد ومدلولاتها، التي نشرتها صحيفة ‘الاخبار’ (26/9/2013) اللبنانية. ذلك ان الرئيس السوري ابرز ثلاث واقعات لافتة:
اولاً، ان تدمير السلاح الكيميائي ‘لا يُعدّ خسارة إستراتيجية لسورية لأننا صنعنا ‘الكيميائي’ اصلاً في الثمانينيات كسلاح ردع في مواجهة السلاح النووي. لدينا اليوم اسلحة ردع اكثر اهمية واكثر تطوراً حيال ‘اسرائيل’ تمكّننا من ان نعمي بصرها في لحظات’.
ثانياً، انه ‘بمجرد ان رمينا ورقة ‘الكيميائي’ في قمة الـ20 في بطرسبرج، ارتفعت وتيرة ضخ السلاح الينا، كماً ونوعاً’.
ثالثاً، ان الروس ‘قاموا، وما زالوا، بواجبهم على اكمل وجه. لدينا تعهدات كاملة من موسكو بأن القوات الروسية ستتدخل بقوة الى جانب سورية في اي حرب تُشن عليها’.
مضامين تصريحات الاسد، في حال تأكيد صحتها، خطيرة وكذلك مدلولاتها الإستراتيجية. واشنطن، وليس فقط تل ابيب، ستتوقف عندها طويلاً. فهي تؤشر الى احتمال تجدّد الحرب الباردة بين الدولتين العظميين، انطلاقاً من سورية الى كل ارجاء المنطقة الممتدة من الساحل الشرقي للبحر المتوسط وصولاً الى سلاسل جبال افغانستان وباكستان، حيث امريكا منهمكة في حرب مريرة ضد حركة ‘طالبان’ بقوات برية وبطائرات بلا طيار.
ثم، ماذا عن موقف ‘اسرائيل’؟
يُستفاد من تصريحات كبار قادتها، ولاسيما بنيامين نتنياهو، ان هاجسها الاكبر حالياً هو البرنامج النووي الإيراني. فهل يعقل ان تترك الولايات المتحدة تتوصل الى تسوية مع روسيا بشأن سورية من دون ان تحاول تحصيل ثمن مقابل من ايران؟
وهل توافق ايران اصلاً على دفع الثمن المطلوب؟

‘ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية