لندن ـ «القدس العربي»: على الرغم من سخاء رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز، مع المدرب الجديد تشابي ألونسو، بضخ أكثر من 150 مليون يورو، لتجديد دماء المشروع بالرباعي دين هاوسن وترينت ألكسندر أرنولد وفرانكو ماستانتونو وألفارو كاريراس، إلا أن الصورة الباهتة التي كان عليها الفريق في نهائيات كأس العالم للأندية، والتي اكتملت بالسقوط المدوي أمام باريس سان جيرمان برباعية بلا هوادة في نصف نهائي المونديال، كانت كاشفة للمشاكل التي يعاني منها مشروع المدرب الإسباني الشاب، كفريق يبدو على الورق «مدججا بالنجوم واللاعبين من الطراز العالمي»، لكن على أرض الواقع، يفتقر للتوازن والعمق في تشكيلته، وما زاد الطين بلة، تفشي فيروس «الأنانية والفردية» بين أصحاب الأسماء الكبيرة في الهجوم، والإشارة إلى الثنائي فينيسيوس جونيور وشريكه الفرنسي كيليان مبابي، ناهيك عن الشكوك التي تحاصر رودريغو غوس، والإشاعات التي تضع اسم فيني في جمل مفيدة مع عمالقة الدوري السعودي، وتأثير رحيل الأمير المخضرم لوكا مودريتش، وغيرها من المؤشرات التي تظهر أن عملية إعادة هيكلة اللوس بلانكوس لم تنته بعد، أو على أقل تقدير ما زالت هناك أولويات لتشابي قبل أن يُسدل الستار على الميركاتو الصيفي في أول ساعات سبتمبر/أيلول المقبل.
المهندس والاستثمار
صحيح سيكون من الصعب الجدال على قرار إدارة الريال، بترك مودريتش يغادر، بعد تراجع دقائق لعبه في المواسم القليلة الماضية، وأيضا لإفساح المجال أمام المواهب الشابة من الجيل الجديد بعد وصوله لعامه الـ40، لكن حجر العثرة، يكمن في صعوبة العثور على لاعب بنفس جودة ومواصفات لوكا، بخلاف ما في جعبته من خبرة وتمرس على المواعيد الكبرى، لذا سيكون من الصعب، وربما من رابع المستحيلات، أن يجد ألونسو لاعب مثله بأثر فوري، على أن يكون الأمل في ميسي الأتراك، أردا غولر، الذي أثبت براعته وجودته، لكن مشكلته الوحيدة، أنه ما زال في مرحلة التطور، وبالتبعية سيحتاج لمزيد من الوقت للوصول إلى قمة النضوج الكروي، هذا في الوقت الذي يعاني فيه الميرينغي الأمرين من نقص حاد، على مستوى مركز لاعب الوسط المحوري، منذ اعتزال أسطورة الكرة الألمانية توني كروس، وهذا التأثير كان واضحا، في افتقاد وسط ملعب الريال، للهدوء والسيطرة التي اعتاد عليها في سنوات المهندس الألماني، ومثل هذه المواصفات، لا تتوافر سوى في لاعب في ذروة مسيرته الاحترافية، وليست في شاب لا يزال في مرحلة التعلم مثل الأرجنتيني القادم من ريفر بليت فرانكو ماستانتونو، الذي يُعتبر موهبة رائعة للمستقبل، لكن اليوم، يبدو وكأن الريال في أمس الحاجة لمايسترو أقل توترا وأكثر هدوءا، وبلغة المدربين والمعلقين «بحاجة إلى ضابط إيقاع» على دائرة المنتصف، وهذا لن يتحقق إلا بتدبير التمويل اللازم لإبرام صفقة المهندس المنتظر، وفي الغالب سيكون البرازيلي رودريغو غوس، هو الضحية مع زيادة الأنباء والتقارير التي تشكك في استمراره في «سانتياغو بيرنابيو» لموسم آخر، والأمر لا يتعلق فقط باستيائه من عدم حصوله على المعاملة التي يستحقها من وسائل الإعلام والجماهير، بل أيضا لطموحاته الكبيرة، في إعادة اكتشاف نفسه في مكان آخر يعطي الفرصة للعب في مركزه المفضل، كجناح أيسر مهاجم، بدلا من إجباره على اللعب في مركز الجناح الأيمن المهاجم، وهي السردية التي تتماشى مع الصحف والمنصات البيضاء، التي تلمح إلى انفتاح الإدارة واللاعب على فكرة الانفصال، شريطة أن يحصل على عرض مادي لا يقاوم، وهو ما لم يحدث على أرض الواقع حتى الآن، فقط يُشاع أنه على رادار أندية بحجم آرسنال وليفربول وتشلسي وبايرن ميونيخ، لكن الريال لم يتلق أي عروض رسمية.
نقطة الضعف
كان واضحا في نهاية حقبة المدرب كارلو أنشيلوتي، أن الريال لديه مشاكل لا يستهان بها على مستوى خط الدفاع، وبناء عليه قامت الإدارة بالتوقيع مع هاوسن قبل مونديال الأندية، ومعها اعتقد البعض أن الأزمة قد انتهت، خاصة بعد التحسن الملموس في المنظومة الدفاعية في وجود الشاب الهولندي الأصل/الإسباني الهوية، لكن ما حدث في أول اختبار حقيقي بدونه، جعل تشابي والمسؤولين، يُعيدون النظر في فكرة إعادة هيكلة الخط الخلفي، مع تأكد القاصي والداني، أن الألماني أنطونيو روديغر، قد تجاوز سنوات ذروته، كواحد من أفضل المدافعين في أوروبا والعالم، والكارثة، تدهور مستوى الشاب راؤول أسينسيو، الذي بدوره ظهر بنسخة أقل ما يُقال عنها «متواضعة للغاية»، مقارنة بالصورة الرنانة التي رسمها لنفسه في بداية مشواره مع الفريق الأول تحت قيادة الميستر كارليتو، وهذا يفسر أسباب تسونامي الأخبار والتقارير التي تتحدث عن رغبة الريال في الانقضاض على المدافع الفرنسي إبراهيم كوناتي، منها ليجمع شمله بزميل الأمس ألكسندر أرنولد هناك في «سانتياغو بيرنابيو»، ومنها أيضا لتأمين خط دفاع الفريق جنبا إلى جنب مع هاوسن والبرازيلي إيدير ميليتاو، الذي رغم تعرضه لقطع في الرباط الصليبي مرتين على التوالي، إلا أنه عاد في المرة الثانية أقوى من أي وقت مضى، بتلك الطريقة التي كشر فيها عن أنيابه بعد مشاركته كبديل في الليلة الظلماء أمام العملاق الباريسي، فقط يحتاج وسطاء القرش الأبيض الكبير، التوصل إلى اتفاق مع نظرائهم في ليفربول، بموجبه يرتدي كوناتي القميص الأبيض هذا الصيف مقابل رسوم في المتناول، بدلا من تفعيل الخطة «بي»، التي سترتكز على عامل الصبر إلى أن يصبح متاحا بالمجان مع انتهاء عقده في قلعة «الآنفيلد»، مع إطلاق صافرة نهاية الموسم الجديد، وهذا ما تعول عليه الإدارة المدريدية، لإقناع بطل البريميرليغ بالتخلي عن مدافعه، الذي يملك كل المواصفات والمميزات التي يحتاجها تشابي ألونسو، للتخلص من صداع ضعف وهشاشة الخط الخلفي للفريق.
المفارقة والمطلوب
واحدة من المفارقات التي يصعب تصديقها مع فريق يضم الثنائي كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور، أنه بدا أفضل وأكثر حركية بوجود أحدهما برفقة غونزالو غارسيا في التشكيل الأساسي في مونديال الأندية الأخير، بل عندما قرر المدرب الدفع بهما منذ البداية، ظهر الهجوم وكأنه بلا أنياب حقيقية، وهذا يرجع في الأساس، لتشابه الاثنين في طريقة اللعب، أو مركزهما المفضل في الجهة اليسرى، وهذا يفسر إخفاق تكتيكات ألونسو، عندما راهن على فيني في الجهة اليمنى ومبابي في العمق، والحل؟ إما أن يقرر النادي الاستغاء عن أحدهما، وهذا الأمر يبدو مستبعدا في الوقت الحالي، حتى بعد تعثر مفاوضات تجديد عقد فينيسيوس، لرغبته في الحصول على راتب سنوي أكبر من زميله الفرنسي (30 مليون يورو في الموسم الواحد)، وإما أن يجد المدرب الجديد التكتيك أو الطريقة التي تتناسب مع الاثنين، أو كما يقولون «يعثر على التوليفة السحرية» التي تسمح بانفجار الثنائي في خط هجوم الفريق. وبالتزامن مع هذه الإشكالية، أظهرت التجارب أن الريال في أشد الحاجة لجناح أيمن مهاجم بالمواصفات الثورية المطلوبة في كرة القدم الحديثة، بصرف النظر عن بقاء رودريغو من عدمه، والحديث عن لاعب يكون بإمكانه الحفاظ على الكرة وقطع مسافات كبيرة على الجهة اليمنى، مع قدرة على الاختراق من العمق كما يفعل محمد صلاح مع ليفربول، وبوكايو ساكا مع آرسنال، ولامين يامال مع برشلونة، بعد استقرار المدرب على توظيف أردا غولر في مهام مركبة في عمق الملعب، بدلا من الاستفادة بموهبته وسرعته في مركز الجناح الأيمن المهاجم، بجانب ما يتردد عن عدم ثقته في المغربي براهيم دياز. وعلى سيرة الجهة اليمنى، يبدو وكأن الفريق ما زال بحاجة لبديل طوارئ للإنكليزي أرنولد، أو على أقل تقدير لإراحته في بعض المباريات أو الدقائق في ذروة ضغط المباريات، بعد الاستقرار على رحيل لوكاس فاسكيز، وصعوبة الوثوق السريع في القائد داني كاربخال، بعد تعافيه مؤخرا من إصابته المروعة بقطع في الرباط الصليبي، منها سيحافظ على المخزون البدني لأرنولد على مدار الموسم، ومنها أيضا سيتخلص من هاجس عدم وجود بديل للدولي الإنكليزي في الجهة اليمنى، بعد حل أزمة النقص العددي الحاد في مركز الظهير الأيسر، بضم كاريراس برفقة فران غارسيا وديفيد آلابا، فهل يا ترى سينجح ألونسو في معالجة هذه النقاط والمحاور الجوهرية في جولته الاستعدادية للموسم الجديد؟ أم سيغامر بقائمة المونديال في الموسم الجديد؟ هذا ما سنعرفه في الأسابيع القليلة القادمة.