ماذا يحتاج كومان لتجنب مصير سيتين وغلق صفحة الأسطورة؟

حجم الخط
0

لندن – القدس العربي: استقر رئيس برشلونة جوسيب ماريا بارتوميو ومجلسه المعاون، على اختيار الأسطورة الهولندية رونالد كومان، لقيادة الفريق الموسم المقبل، خلفا للعابر السريع كيكي سيتين، ضمن ثورة التصحيح، التي تقوم بها غرفة صناع القرار في “كامب نو”، لتهدئة الرأي العام، بعد فضيحة القرن أمام بايرن ميونخ، بالخروج أمامه من الدور ربع النهائي لدوري أبطال أوروبا، بهزيمة نكراء، وصل قوامها لثمانية أهداف مقابل اثنين.

جوهر الاختيار

لم يتفاجأ جُل عشاق النادي، باختيار مدرب الطواحين البرتقالية، لتولي مهمة إنقاذ الفريق في المرحلة القادمة، رغم أنه في البداية لم يكن في طليعة المرشحين، حيث كانت التقارير تتحدث عن أستاذ المشاريع الكرة ماوريسيو بوتشيتينو، وأسطورة النادي ومدرب السد القطري الحالي تشافي هيرنانديز وأسماء أخرى، لكن في الساعات الأخيرة، ارتفعت أسهم صاحب هدف تتويج البرسا بأول لقب دوري أبطال في تاريخه، بتصويبته الشهيرة في الشوط الإضافي الثاني لنهائي 1992 أمام سامبدوريا، ليحقق حلمه، الذي لطالما تحدث عنه، بالوصول إلى سُدّة حكم “كامب نو”، ليعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ببناء مشروع يليق باسم وسمعة برشلونة، ككيان كان يُضرب به المثل في سحر وجمال كرة القدم، فيما يُعرف بأسلوب “تيكي تاكا”، الذي تركه الراحل يوهان كرويف، كإرث وأسلوب حياة يختلط بجينات المراهق منذ نعومة أظافره في مدرسة “لا ماسيا”، ويندمج معه سريعا من يتمتع بالمواصفات المطلوبة لتحمل ثقل القميص ومجاراة نسق أبناء النادي، حيث كانت الفكرة أو السياسة المتبعة حتى نهاية جيل كارليس بويول، المايسترو تشافي والرسام أندريس إنييستا والبقية.

وهذه الأمور افتقدها النادي في السنوات الأخيرة، إما لسوء الطالع أو للعشوائية في إدارة ملف الصفقات الجديدة، على غرار الفشل العجيب لأغلى ثلاث صفقات أبرمها النادي في السنوات الأخيرة وفي تاريخه، والإشارة إلى البرازيلي فيليب كوتينيو، الفرنسي عثمان ديمبيلي ومواطنه أنطوان غريزمان، الذين كبدوا الخزينة قرابة النصف مليار يورو، لتعويض رحيل البرازيلي نيمار جونيور، لكن بلا جدوى، وبالنسبة لكومان، فهو يحمل الصبغة الجينية للنادي، ويعرف كيف تُدار الأمور في الداخل وما هو المطلوب لإرضاء المشجع، باعتباره أسطورة وواحد من أهم المدافعين في تاريخ البلو غرانا، مثل زين الدين زيدان بالنسبة لريال مدريد، غير أنه يملك من الشخصية والاسم، ما يكفي لفرض احترامه على اللاعبين وإحكام سيطرته على غرفة خلع الملابس، وهذه ميزة كبيرة، افتقدها ليونيل ميسي ورفاقه مع آخر مدربين، وخصوصا كيكي سيتين.

ضحايا التغيير

أشار رونالد كومان في مقابلة تلفزيونية سابقة، إلى حاجة برشلونة لما وصفه “إعادة هيكلة” داخل المستطيل الأخضر، وذلك في فترة ترشحيه الأولى لقيادة الفريق خلفا لإيرنستو فالفيردي مطلع العام الجديد، حتى أنه ذكر لاعبين بالاسم مطلوب التخلص منهم، أو على أقل تقدير إراحتهم، لتقدمهم في السن، وبالتبعة لتقليل أعمار اللاعبين في المراكز، بدلا من الاعتماد على أكثر من ستة لاعبين تخطوا حاجز الـ30 عاما، مثل جيرار بيكيه، جوردي ألبا، سيرجيو بوسكيتس، إيفان راكيتيتش، آرتورو فيدال، ليونيل ميسي، لويس سواريز، وحتى أنطوان غريزمان أوشك على كسر حاجز الـ30، بالإضافة إلى هؤلاء، الوافد الجديد البوسني ميراليم بيانيتش /30عاما/، الذي جاء بعد فترة من تصريحات كومان، في الصفقة التبادلية مع آرثر، والسؤال الذي يفرض .. هل يستطيع المدرب الجديد تنفيذ مشروعه أو يملك ما يكفي من الصلاحيات للقيام بعملية “الإحلال والتجديد” بشكل سلمي؟ بالنظر إلى كومان، سنجد أنه ظاهريا وعمليا يملك المواصفات المطلوبة لإعادة الانضباط إلى غرفة خلع ملابس، دعك من أنه لاعب أسطورة ولديه “الكاريزما” للتعامل مع كبار النجوم، فهو في الأساس أحد تلامذة مؤسس كرة برشلونة الحديثة يوهان كرويف، مثل غوارديولا ولويس إنريكي، كليهما فرض احترامه على ميسي والبقية.

تصدعات وحقائق

يمكن القول، إن المدرب الجديد يتشارك معهما في نفس الميزة، فقط مشكلته تكمن في تاريخه الغريب كمدرب، صحيح مدون في سجله أنه حقق ثمانية ألقاب، لكنها عبارة عن لقب الإيرديفيسي –الدوري الهولندي- ثلاث مرات مع أياكس وفينورد، وكأس هولندا والسوبر 4 مرات، وبطولة كأس السوبر في البرتغال وكأس ملك إسبانيا على حساب خيتافي، وحتى تجربته الإسبانية الوحيدة مع فالنسيا، كانت الأسوأ في مسيرته، بل الأسوأ في تاريخ كل من تعاقب على حُكم “الميستايا” فيما يخص نسبة الانتصارات،  بتحقيق الفوز في خمس مباريات فقط من أصل 23 مباراة خاضها مع الخفافيش، بنسبة انتصارات بلغت 22%، أدنى معدل لأي مدرب قاد الفريق في 20 مباراة أو أكثر، وعلى النقيض، بصم على تجربة استثنائية مع قديسين ساوثامبتون، بنجاحه في تعويض مشروع ماوريسيو بوتشيتينو، بعد رحيله وتخلي النادي عن أسماء بنحو 90 مليون إسترليني من نوعية ساديو ماني، ديان لوفرين، فيكتور وينياما، لو شاو وآخرون، حتى أنه تفوق على البوش، بقيادة ساوثامبتون للمركز السادس موسم 2015-2016، وهو أفضل مركز في تاريخ النادي، بينما مع إيفرتون، لم يحقق أي شيء، رغم الإنفاق الهائل على فريقه، ومنذ ذلك الحين، وتحديدا عام 2017، ابتعد عن تدريب الأندية.

لكن يُحسب له، نجاحه في إعادة منتخب بلاده إلى المحافل العالمية، بعد سنوات الضياع، التي اختفى خلالها منتخب الطواحين عن المونديال واليورو، على غرار ما حدث في بطولتي يورو 2016 ومونديال روسيا 2018، لذا، من الصعب بل المستحيل التكهن بما سيقدمه خامس هولندي في تاريخ برشلونة، خاصة وأنه لن يعمل بأريحية كما يروج الإعلام الكاتالوني، بل تحت ضغوط كثيرة، أهمها وضع حجر أساس مشروع العقد، على حساب الكبار المتحكمين في غرفة خلع الملابس، أو من تعهد بإراحتهم حال وصوله إلى “كامب نو” –من تخطوا 30 عاما-، فضلا عن حاجته للرد على كل من شكك وما زال يشكك في قدرته، كمدرب بإمكانه تحقيق الألقاب الكبيرة على مستوى الأندية، كما كان يفعل في ريعان شبابه، وإلا سيكون ضحية ما تبقى من ثورة التجديد، التي ستكتمل مع الانتخابات المبكرة في الربع الأول من 2021، وهذا سيتوقف على مدى ظهور بصمته على المشروع الجديد، ليؤمن مكانه بقوة ودعم الجمهور، حتى لو فاز المرشح الأوفر حظا فيكتور فونت، الذي اتفق مع تشافي هيرنانديز على تولي قيادة البرسا، عندما يصل إلى مقعد الرئيس.

خلفاء القدامى

بغض النظر عما سيفعله المدرب الجديد، بتصعيد ألمع جواهر “لا ماسيا” ومنحهم دقائق لعب أكثر، فهذا لا يعني أنه لن يطلب التوقيع مع لاعبين جُدد، لا سيما مع ارتفاع أسهم أسماء كثيرة في الرحيل، بوضع مستقبلهم في جمل مفيدة بعيدا عن الإقليم الكاتالوني، مما سيوفر سيولة لتمويل الصفقات الجديدة المطلوبة، لمساعدة المدرب على تنفيذ أفكاره ومشروعه بالطريقة التي تجعله في “آمان” لموسم آخر، أو على أقل تقدير، إعادة شخصية وكبرياء النادي بعد ليلة الإذلال الكبير أمام بايرن ميونخ، وباعترافه في المقابلة التلفزيونية الموثقة قال “لا يوجد وسط ولا دفاع ولا هجوم في برشلونة”، وحتما، قد تابع بعينيه كباقي الملايين الثغرة الكبيرة في الدفاع بأكمله والأظهر على وجه الخصوص، وتجلى ذلك في الصورة الكارثية التي ظهر عليها سيميدو وجوردي ألبا في المواقف الدفاعية، وبالنسبة للبرتغالي، فكانت مأساته دفاعية وهجومية، استكمالا للمستوى الباهت، الذي يقدمه داخل المستطيل الأخضر منذ قدومه من بنفيكا عام 2017، والحل السحري، يكمن في ظهير أياكس الأيمن سيرجينو داست، فقبل أي شيء عمره لا يزيد عن 20 عاما، وقد أثبت الموسم الماضي أنه مشروع مدافع أيمن من الطراز العالمي، وعلى أكثر من مرة رفض التوقيع لبايرن ميونخ، وذلك لتمسكه بحلم اللعب بقميص برشلونة –وفقا لما يتردد في الصحف المقربة من النادي-، ويحتاج في الدفاع أيضا، خليفة حقيقي للقائد بيكيه، وفي الوقت الراهن، لا يوجد أفضل من خيار ابن النادي إريك غارسيا، بعد ظهوره اللافت في 20 مباراة مع مانشستر سيتي هذا الموسم، ومع دخوله عامه الأخير في عقده مع “السكاي بلوز”، فقد يتمكن البلو غرانا من إعادته برسوم في المتناول، كحل سحري لإعادة ترميم الدفاع بأحد أبناء الأكاديمية، بينما في الوسط، فليس من المستبعد، أن يتخذ المدرب الجديد قرارا بالإبقاء على البرازيلي فيليب كوتينيو، بدلا من سيناريو بيعه بثمن بخس، خاصة بعد رده القاسي على ليو وباقي الرفاق، بصناعة هدف وتسجيل اثنين في مذبحة ملعب “النور”، على أمل أن يفعل ما عجز عنه فالفيردي، بإعادة نسخة كوتينيو، التي كان عليها مع يورغن كلوب، وإذا فعلها، سيعطي إضافة تحاكي ما كان يقدمه البرازيلي الآخر نيمار جونيور قبل هروبه من إدارة بارتوميو في صيف 2017.

وحال أراد الإنفاق على الوسط لإنعاشه من غيبوبة عواجيز الثلاثينات، وهذا أمر شبه مؤكد، فربما تتجه الأنظار إلى الجزء الأبيض من شمال لندن، للاستفادة من المشاكل المعقدة بين مدرب توتنهام جوزيه مورينيو ولاعب الوسط الفرنسي تانغي ندومبيلي، الذي دفع فيه الرئيس دانيال ليفي أكثر من 60 مليون جنيه إسترليني، كأغلى صفقة في تاريخ “الليلي وايتس”، لكنه لم يقنع “سبيشال وان” لا في المباريات الرسمية ولا التدريبات، حتى أنه انتقده علنا، وهي فرصة بالنسبة لكومان، الذي يقدس أسلوب الكرة الشاملة والضغط الهائل على المنافسين بدون كرة وضربهم بسلاح المبدعين في التمرير بشكل طولي والاحتفاظ بالكرة، والشاب الفرنسي، يملك هذه اللمسة التي يحتاجها رونالد لتنفيذ أفكاره في الثلث الأخير من الملعب.

أما إذا فشلت المحاولة، بعد الشائعات الأخيرة عن تردد ليفي في البيع، فلن تكون مفاجأة إذا وقع جوهرة أياكس دوني فان دي بيك للبرسا، لتزايد فرصه في الرحيل، وهو في الأساس الشريك النموذجي لفرينكي دي يونغ منذ الطفولة، وأيضا كان من الأسماء المؤثرة مع كومان في تجربته الناجحة مع منتخب بلاده، على المستوى الفني، فلا شك أبدا، أن صاحب الـ23 عاما، يملك من الجودة والموهبة ما يكفي للمنافسة على مكان في تشكيلة برشلونة الأساسية، وقد أثبت ذلك في حضوره القوي في المواعيد الكبرى أمام فرق بحجم يوفنتوس وريال مدريد في عقر دارهم، دليلا أنه لاعب يبدع تحت الضغط وفي أي مكان، وهي ميزة لا تقدر بثمن، يكفي أنها لا تتوفر في أسماء كبيرة في الجيل الحالي، أبرزهم لويس سواريز، الذي نسى احتفالاته خارج “كامب نو” في السنوات الأخيرة في دوري الأبطال، وعلى سيرة السفاح الأوروغوياني في ظل معاناته مع الشيخوخة الكروية، فيبقى ابن قارته الأرجنتيني لاوتارو مارتينيز، البديل شبه المثالي، لصغر سنه وأسلحته المتعددة والفتاكة في التسجيل، لكن مشكلته الوحيدة، أنه سيجبر الإدارة على إنفاق أكثر من 100 مليون يورو، وهذا أمر يبدو صعبا، لا سيما بعد أزمة كورونا، إلا إذا حدثت أشياء غير متوقعة، بتمرد اللاعب أو شيء آخر من هذا القبيل، للإسراع في عملية نقله إلى الفريق الكاتالوني، بدلا من سيناريو الانتظار لعام آخر، فيما يبقى خيار العودة للابن الضال نيمار جونيور، فيبدو صعبا، إن لم يكن مستحيلا، بعد مساهمته في قيادة باريس سان جيرمان للوصول لنهائي دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في تاريخه، وهذا كفيل بنسف أي محاولة لإقناع ناصر الخليفي بالتخلي عن أغلى لاعب في العالم، ونفس الأمر بالنسبة لكيليان مبابي المطلوب في ريال مدريد .. فهل تعتقد عزيزي القارئ أن كومان جاء إلى مشروع طويل الأجل؟ أم ثورة التصحيح ستعصف به وتأتي لتشافي؟ دعونا ننتظر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية