ماذا يحمل دستور تونس بعد الثورة؟

حجم الخط
0

في ذكرى تاريخ إصدار أول دستور للبلاد التونسية أنهى المجلس الوطني التأسيسي يوم غرة جوان 2013 النسخة النهائية لمشروع دستور ما بعد الثورة يحمل إلى جانب التنصيص عن الهوية العامة للبلاد من دين ولغة ونظام التنصيص عن الحريات الأساسية والحقوق المدنية والإنسانية غير بعيد عما تضمنه دستور 57.
وقد اختلفت الآراء حول مضامينه بين رافض ومبارك لهذا الدستور كأعلى القوانين في البلاد.
ويرى شق الرافضين أن الاستناد إلى تعاليم الإسلام واعتماد الشرع كأساس لسن القوانين الوضعية تتمثل في اعتباره ضرب لمدنية الدولة وتخوف من الارتكاز على تلك الإشارة إلى هويتنا للانقلاب والرجوع إلى ما أسموه الدكتاتورية باسم الدين بالرغم من ان أغلبية الفصول تنص صراحة على أن السلطة للشعب وأن السيادة الوطنية مستمدة من سيادة الشعب.
وقد خلفت الإشارة إلى انه ‘تأسيسا على تعاليم الدين ‘ فكرة كونها لا تؤسس لغير التشدد والرجعية بالرغم من كونها عنصر أساسي من مرجعيتنا ومكون حيوي في هويتنا كما أشار إليها الفصل الأول من الدستور الذي لقي مصادقة بالإجماع من طرف ‘ نواب الشعب’.
في حين يرى الشق الثاني أن هذا الدستور اخذ من الوقت الحيز الذي يستحقه ليكون في مستوى تطلعات العامة واستحقاقا ت المرحلة للقطع مع الممارسات القديمة وقد استجاب فعلا لضمان الحريات بحيث ورد في التوطئة التي لا تقل أهمية عن الفصول الأخرى التي تضمنها الدستور من حيث القوة مثلا انه تأسيسا لنظام جمهوري تضمن فيه الدولة العدل والمساواة والحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات وبين كل الجهات والفئات.
ولكن حسب رأيي فان انجاز دستور يتطرق إلى كل الحقوق والواجبات التي في حقيقة الأمر تضمنتها عديد القوانين لا يكفي لضمانها في الوقت الذي لا تحترم فيه هذه القوانين سوى باستعمال السلطة لتي تحتكرها الدولة لضمان امن النظام العام إذ يمكن انجاز دستور أحسن من دستور جنوب افريقيا ليبقى حبرا على ورق تغيب فيه الإرادة السياسية لتحويل النصوص إلى واقع.
فمثلا نص الدستور على أن الدولة ملزمة بضمان السكن اللائق والصحة المجانية والتعليم المجاني وغيرها من العناصر الأساسية لضمان العيش الكريم التي تدخل في خانة أوهام المواطن الفقير في الوقت التي أصبحت فيه الدولة مكون من مكونات المجتمع التي مازالت تضطلع فقط بالصلاحيات التقليدية كالأمن والعدل والنقل ودائما في إطار معين.
كما نشا الجدل بخصوص صلاحيات الرئيسين الذي يأتي فارغ المعنى باعتبار أنهما في النهاية يمثلان السلطة التنفيذية وبالتالي الدولة التي ودائما حس رأيي وأن التصادم بين رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية لا يهم بصفة قريبة المواطن الذي همه الوحيد العيش في دولة مدنية تحترم فيها الحريات الشخصية والعامة.. بغض النظر عن الجنس واللون وخاصة التفكير.
و يرى بعض الخبراء أن الدستور ورد متناقض المحتوى عندما تطرق في ذات الوقت لانتظارات الإسلاميين والليبراليين فهو يؤس في نفس الوقت للدولة المدنية كما الدولة الدينية وكلاهما يجد نفسه فيه، الأمر الذي لا يدعو إلى التحذير والخوف طالما انه بالعكس، يؤسس إلى تعايش الانتماءات والعقائد دون إقصاء وبكل حرية.
و بعيدا عن الدستور فان المتأمل اليوم في المشهد السياسي التونسي يلاحظ لا محالة بعض المؤشرات التي تنبؤ بأننا بصدد التأسيس لنظام جمهوري ديمقراطي، فلو ذكرنا مثلا النقلة النوعية التي يشهدنا الأمن والتغيير الجذري في بعض السلوكيات بصفة عامة، فإننا نقيم الدليل على إرساء مناخ من التفاؤل، فدواليب الدولة واستمرارية المرفق العام تسير بطبيعتها وللإشارة فان الدولة موكول لها في كل الأوقات استعمال ما تخوله لها الضابطة الإدارية حفاظا على النظام العام كأن تقطع مثلا استعمال طريقا عامة معينة دون أن تكون قد تعسفت على المواطنين.
أريد أن أقول هنا أن الوعي الجماعي يكتسي أهمية قصوى في المرور قدما نحو التأسيس لدولة تحفظ فيها كرامة البشر ويرقى فيها بالجانب الاجتماعي والاقتصادي في مناخ امن وكل هذا دون أن يطرح الدستور جدلا دون مبررا وقد مرت أكثر من سنتين لتستمر الدولة بلا دستور بعد تعليق العمل ‘بالقديم ‘.
وللإشارة فان معدل استهلاك الدستور في اليوم لم يستأثر اهتمام الرأي العام بقدر الاهتمام بوضعية القدرة الشرائية التي تتدهور يوم بعد يوم وأن النقلة النوعية للواقع المعيش خير مرآة للمنظومة القانونية في البلاد التي تمثل بدورها الضامن الوحيد للمكتسبات والحريات.
فمشروع هذا الدستور ورد متوازنا ولا يخشى منه التأسيس لدولة دينية بقدر ما يؤسس لدولة مدنية تحفظ فيها كرامة الإنسان وحريته في إطار مرجعيتنا العربية الإسلامية ولو لم يكن كذلك لما ‘عرفناه’.
فتحي حمايدي
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية