الياس خوري
ليس ليبرمان هو الموضوع، اسرائيل دخلت في شيخوخة مبكرة كما قال دايفيد غروسمان في ذكري رابين، وليبرمان هو احد علاماتها. والشيخوخة هي علاقة الانسان بذاكرته. فجأة يمحي العمر ولا يبقي منه سوي شذرات من الطفولة. يعود الشيخ الي طفولته وليس الي صباه، علي عكس ما بشرنا به فقهاء الجنس عند العرب. ليبرمان هو علامة الشيخوخة، لذا يستعيد الحلم الصهيوني ـ الكابوسي بطرد الفلسطينيين و/او ابادتهم. مرة يريدها شيشانا جديدة، ومرة يريد قبرصتها. لا يري امامه سوي الدم، يهذي كمن يحكي، ويجد من يصفق له، وسط المذبحة الدموية في بيت حانون. ضابط اسرائيلي يفاخر بقتل اثني عشر فلسطينيا كأنه لاعب كرة قدم، يصرخ 12 صفر، ويضحك والجمهور لا يبالي، وليبرمان يحكي، وحلوتس يداوي جروح جيشه المهزوم في لبنان بدم غزة.
انها الشيخوخة، وعوارض الارتكاس واضحة. في الماضي كنا في حاجة الي روائي اسرائيلي شجاع مثل س. يزهار كي نبرهن ان خربة خزعة موجودة، كما انتظرنا المؤرخين الاسرائيليين الجدد طويلا، كي يصدق العالم رواية الضحية التي طردت من بلادها وتعرضت للمجازر الجماعية، اما اليوم فلا. يكفي ان نقرأ الصحف الاسرائيلية كي نكتشف ان اسرائيل في شيخوختها المبكرة لم تعد تستطيع ان تخفي شيئا. انهم يعلنون اليوم ما ستروه دائما. طرد بن غوريون الفلسطينيين وهو يتنعّج بلغة الضحية. صنعوا مجزرتي دير ياسين وكفرقاسم وهم يبكون. اما الآن فغطرسة لا سابق لها، وعدم احترام للغتهم القديمة. انهم يشبهون كهلا فقد السيطرة علي حاضره، وعاد الي لغة الطفولة، اليوم يقولون ان رواية يزهار كانت رأس جبل الجليد، اليوم يقولون انهم متراس روما ضد البرابرة، ويكشفون اللعبة.
لقد نشأت اسرائيل في وصفها حربا دائمة، جيش له دولة، كي يحارب الي الأبد. اللغة ليست سوي اداة حرب. حين خرج العالم مشمئزا من الهول النازي، ومن مجازر الحرب العالمية الثانية، حاربوا بلغة السلام. وحين غرق العالم في الحرب الباردة، حاربوا بلغة تلك الحرب، وكانت حرب حزيران (يونيو) 1967، بداية افول الاتحاد السوفييتي. وحين اشعلت الولايات المتحدة حرب الحضارات انضموا الي لغة تلك الحرب. في السلام يحاربون وفي الحرب يحاربون. لكنهم تناسوا ان الدول تشيخ كالأفراد، وان قدرة الجيش علي الحرب محدودة في الزمن. عندما شاخت الآلة ضربت الطفولة اللغة. المسألة في حرب تموز لم تكن شخصية، ولا تتعلق فقط بكفاءة حلوتس او اولمرت او بيريتس. المسألة بنيوية، وتتعلق بالكهولة المبكرة، التي لا تحجبها غيوم الخريف الدموية في غزة، ولا تغطيها عنصرية ليبرمان وهوسه بالصفاء العرقي. بل علي العكس، تأتي الغيوم لتكشف شمس الحقيقة التي تقول ان اسرائيل فقدت قدرتها علي خداع نفسها. وانها في طريقها الي ان تصير خربة خزعة مكبرة. خربة خزعة ليست رواية ادبية خارقة، لكنها عمل تاريخي. س. يزهار كتب روايته عام 1949، وقال ما يعرفه جميع الجنود الاسرائيليين، ولا يقوله احد. قال ان اسرائيل تأسست بالتطهير العرقي والطرد. وخربة خزعة تحضر اليوم في الذاكرة، لا بسبب السيد ليبرمان واضرابه، اذ اين الثريا من الثري، كما تقول العرب، بل لأنها تسمح لنا بالتفكير ماذا نريد نحن. والغريب ان موت مؤلف خربة خزعة، لم يثر اي رد فعل في الثقافة العربية، ربما لأن موته جاء قبيل موت نجيب محفوظ، او ربما لأن حرب تموز لم تترك مجالا لأحد كي يفكر. السببان ليسا صحيحين، انهما ذريعتان للقصور واستقالة الفكر.
وهنا يكمن الخطر. انا لا أدعو هنا الي قراءة الأدب الاسرائيلي من باب اعرف عدوك، فهذا باب بائس ويقود الي لا مكان. الأدب نافذة علي الروح بصرف النظر عن مكان كتابته، ولكنني ادعو الي قراءة واقعنا، والواقع الاسرائيلي بعين العقل والمنطق. وهذا يقود الي اكتشاف خربة خزعة والسجين وغيرهما من الروايات الاسرائيلية في وصفها شهادة تاريخية كبري. يقول الواقع الاسرائيلي اليوم، ان الدولة العبرية في أزمة كبري. وأزمتها في معناها، فالاكاذيب التي قامت عليها الدولة انكشفت، ولم يعد امامها سوي الانحدار الي الخطاب الفاشي العنصري، والي الهلوسات الدينية التي ستأخذها الي القعر. والقعر لا يعني سوي المزيد من الحروب والوحشية والدمار في فلسطين والمنطقة.
وهنا يرتد السؤال علي الفلسطينيين والعرب. اسرائيل تدعونا الي القاع، فهل نذهب اليه؟ هل ننساق الي هاوية خطاب عنصري مضاد، ونسقط في الهلوسة، ام نخوض معركتنا في وصفها دفاعا عن القيم الانسانية والعدالة؟
قد اواجه بسؤال جاهز، حول معني القيم الانسانية في زمن تتخلي فيه امريكا عن هذه القيم؟ وجوابي سوف يكون سؤالا: ولماذا نقاوم اذا. هل يمكن ان نفصل الدفاع عن النفس عن الدفاع عن القيم؟ وهل تتخلي قضية فلسطين عن تفوقها الاخلاقي لحظة بروز هذا التفوق للعيان؟
نقاوم بالعدالة وليس بالغريزة، بالفكرة العربية النهضوية وليس بالعودة الي العتمة، بالشجاعة الاخلاقية وليس بعبث الموت واجرام الفساد.
ليبرمان واضرابه يهددوننا بنهاية فكرة اسرائيل، فهل ننساق الي لعبة النهاية ونحن لا نزال نتلمس البدايات؟