أقل ما يقال في الوثائق التي تم نشرها من قبل موقع ‘ويكيلكس’ بالتزامن مع صحيفة ‘النيويورك تايمز’ الأمريكية وصحيفة ‘الغارديان’ والقناة الرابعة البريطانية ومجلة ‘ديرشبيغل’ الالمانية وقناة الجزيرة الفضائية، انها كلمة حق أريد بها باطل، وان وراء الأكمة ما وراءها من تسريبات لمثل هذه الوثائق، فما معنى أن تسمح وزارة الدفاع الامريكية بنشر مثل هذا الكم الهائل من وثائق تصنف على أنها سرية، وفيها ما يمس الجانب الامريكي بشكل مباشر، وتزامنية نشرها مع الموقف المتأزم للديمقراطيين على أعتاب الانتخابات القادمة، التي يبدو أنها ستشهد تغيرات لصالح الجمهوريين بشكل لافت للنظر. عدا عن العلاقة الفوضوية والضبابية بشأن التعامل مع ايران، وعن فرص المالكي في تشكيل الوزارة التي مضى على فراغها الدستوري أكثر من ثمانية اشهر. فلا يعقل أن يتم نشر مثل هذه الوثائق إلا بعد الأخذ بالموافقة الضمنية عليها من قبل من كان يملكها، وأراد لها الآن أن تنشر لإشعال حرب طائفية أهلية لا تبقي ولا تذر، بل وسيتطاير شررها إلى دول الجوار، التي أصرت على أن تبقى صامتة حول ما يجري على حدودها، لأنه من المفيد التذكير أنه ‘لأمر ما جدع قصير أنفه’. ومع تقديرنا أن هناك نوايا سيئة ومبيتة من نشر هذه الوثائق، إلا اننا لا نملك إلا أن نصاب بخيبة الأمل الكبيرة حتى لا نقول الدهشة، لأن ما كان يجري في العراق ليس بخاف على أي مراقب للحالة العراقية، خيبة الأمل تنبع من كوننا وضعنا رأسنا في الرمال كالنعامة وتركنا جبهتنا الشرقية يعاث بها فسادا ودمارا وقتلا على الهوية وعلى الجواز وعلى البطاقة وعلى تقاسيم الوجه حتى، وتناسينا أن سلامة الأمة العربية من سلامة خاصرتنا الشرقية، وكل الألم ينبع من الدول العربية المؤثرة التي تملك ثقلا سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا، أنها لم تتحرك مذ كان باستطاعتها أن تتحرك وتفعل، ونسيت المثل العربي المعبر ‘أكلت يوم أكل الثور الابيض’ وهو ما نراه اليوم.
لا أستغرب أن يقود المالكي إدارة فرق القتل والتعذيب ضد مواطني العراق، ولا أستغرب أن ينغمس في القتل مع سبق الإصرار والترصد، وهو الذي يظهر بالعيون الامريكية شخصا طائفيا منحازا بالقوة إلى طائفته الشيعية، على حساب مواطني العراق. ولا أستغرب أن تتم تصفية المئات إن لم نقل الآلاف منهم في سجون سرية وعلنية، ابتداء من سجن الجادرية وليس انتهاء بما كشف وبما لم يكشف بعد، على أمل أن يزودنا الموقع إياه بوثائق وصور تشيب لها العقول والولدان، لأن من يأتي على ظهر وبطن وعقل دبابات المحتل، لا بد أن يأتي بقلب يمتلئ بالحقد الأعمى والدفين، وسيجد ضالته من أبناء العراق الذين ذاقوا ما ذاقوا من مرارة الأخوة أكثر مما ذاقوا من مرارة الاحتلال، ولا نقول هذا تبرئة لمن احتل العراق وانتقم من حضارته، بل لأن ظلم ذوي القربى اشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند كما قال الشاعر. هذا الحسام الذي لم يسلّ في وجه من أتوا من أواخر الدنيا، بل سلّ لقتل من هبّوا للدفاع عن كرامة وأهل وعرض العراق.
هل هذه الارقام لا تدخل في اعتبارات الإبادة الجماعية؟ والتي لها طريق واحد لا يؤدي إلا إلى العدالة الحقة، التي يبدو أن يدها لا تطال إلا من استطاعت اليه سبيلا من بعض رؤساء الدول العربية، الذين ضاقت عليهم الارض بما رحبت، وتخلى عنهم الأخ قبل الصديق. بعد كل هذا وما يزال القاتل الموثّق بالصور يستقبل استقبال الضيوف الكبار؟
علام منصور[email protected]