ماذا يعني أن تكون سنيا اليوم؟

حجم الخط
0

عبد العزيز بومسهولي

قد يوحي هذا العنوان للوهلة الأولي بالتساؤل حول معني المسلم السني اليوم الذي يقتصر دوره علي التموقع داخل المذهب السني ويمتثل للعبادات، ويتصرف وفق ما جاء في السنة من قول أو فعل أو تقرير. والحال أن هذا التساؤل لا يقصد البتة هذا المعني التاريخي الذي لحق بلفظ السنة فحولها الي مذهب جماعي قائم علي التبعية والتقليد، ومن ثم صار معني المسلم السني هو ذلك الذي يدل علي الانسان الذي انتفت فرديته فصار حاملا لقيم جماعية تقوم علي مبدأ التباث، فهذه القيم هي ما يحدد هويته وغايته، فالهوية السنية ليس لها من غاية سوي أن يكون الفرد خاضعا لمبادئ تقررت سلفا، أي أن يكون مطابقا لقاعدة الهوية الجماعية التي قد ينتفي في ظلها أي نزوع نحو الغيرية، بما هي ارادة الفرد في أن يتحرر من قيود الاتباع وينخرط في الصيرورة.

ان هذا التساؤل يستهدف العودة الأصل، أصل معني السنة، لا من أجل تأسيس التقليد، وانما من أجل التحرر والانفلات عن المطابقة بالأصل، ونسيان التقليد، واستعادة الوجود. ان العودة الي الأصل هنا هي بمثابة تذكر الاختلاف الذي تم نسيانه عبر تاريخ من التقليد المذهبي الذي أنتج ما اصطلح عليه اليوم بالسلفية والأصولية وأنتج أزمة الهوية داخل مجتمعات لم تقدر بعد علي الانخراط في أفق المستقبل وظلت حبيسة أوهام فكر هووي ماضوي يحدد مصيرها، وبالتالي يحول دون انعتاقها من قبضة ماض ثم تقديسه الي حد التأليه. ان العودة الي الأصل هنا هي عودة من أجل فهم الأصل الذي تأسس عليه الاختلاف الذي غدا يفعل الممارسة النمطية تقليدا ما يفتأ يتكرس كمنظومة ينحصر داخلها الانسان، منظومة تحدد معيار ما هو حق وما هو باطل، ما هو سني وما هو بدعي. والحال أن عودتنا الي السؤال ما معني أن تكون سنيا اليوم، انما يتوخي انتشال الدال مما لحقه من مدلولات عملت عبر التقليد الفقهي علي انسلابه واغترابه عن فعل الوجود بما هو تأسيس وتأصيل للحدثية، ليغدو في نهاية المطاف مدلولا لنظام الوصاية الذي يحول دون الانسان وفعاليته وقدرته علي توظيف العقل دون تدخل وسائط الهيمنة.

فأن تكون سنيا اليوم، لا يعني بأي حال من الأحوال أن تكون نسخة مطابقة لأفعال وأقوال وتقريرات الرسول، فذلك يعد من قبيل المستحيلات، وتقليد من هذا القبيل يتم علي حساب الروح والفعالية والذات والتاريخ، فأنت لا تكون ما هو بقدر ما تصير ما ليس هو، أي ذلك الهو المغترب عن ذاته، انه تعبير عن أزمة هوية تدعي المطابقة، لكنها في واقع الأمر تفقد ذاتيتها، وتغدو غيرية لا تاريخية، عوض أن تكون غيرية تاريخية.

أن تكون سنيا اليوم يعني أن تتأسي بالسنة باعتبارها تأسيسا، وانفلاتا عن التقليد، وهذا هو معناها الأصلي كما تدل علي ذلك مدلولاتها الأصلية كما سنري. ان السنة بهذا المنظور هي استشراف للمستقبل، انها اقتداء وليس تقليدا، اقتداء بما هو تذكر لحالة الاختلاف الذي تأسست عليه السنة، وانفلات عن التقليد الذي صير السنة فعلا للتبعية ونفيا للاستقلالية والارادة.

أن تكون سنيا اليوم هو أن تسن لنفسك منهجك الخاص الذي يمنحك حق الوجود والفعل والتأثير والفعالية، انه معني يعطي للسنة معناها الأساس المتمثل في تأسيس المستقبل وليس المكوث في الماضي.

أن تكون سنيا اليوم معناه أن تستعيد المبادرة وتسلك لنفسك طريقة غير مسبوقة لكنها مع ذلك مؤثرة. وهذا هو معني السنة الذي ثم تحويله عن مساره، وهو المعني الذي ارتكز عليه في العهد النبوي، ذلك أن معناه الأصلي لغة واصطلاحا لا علاقة له بالاتباع وانما بالابداع وليس بالبدعة التي، ينحصر معناها عند علماء الأصول والحديث في بداية الأمر علي المبالغة في التقليد داخل مجال العبادات، ان البدعة لا تعني انتهاج طريقة جديدة وانما المغالاة في التعبد، انها تعبير عن نمطية طقوسية تصل أحيانا الي نفي الحياة والارتكان الي التعبد.

ان معني السنة في اللغة العربية انما كان يحيل الي التأسيس للجديد. يقول الشاعر(نصيب): كأنما سننت الحب أول عاشـــق من الـناس اذ أحببت من بينهم وحديويقول الشاعر خالد بن عتبة الهذلي:

فلا تجز عن من سيرة سرتها فأول راض سنة من يسيرها (أورده صاحب اللسان في مادة سنن )ومعني ذلك أنها تدل علي الفرادة والتميز في انتهاج أسلوب جديد في الحياة لكنه أسلوب مؤسس لقدرته علي التأثير، ومن ثم نجد في كتب مصطلح الحديث هذا التعريف للسنة: كل من ابتدأ أمرا عمل به قوم بعده، قيل هو الذي سنه. وفي الحديث: من سن في الاسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء… الحديث أخرجه مسلم.

أما المعني الاصطلاحي فهي يقرر حالة التأسيس للجديد وبذلك أطلق علي أقوال الرسول (صلي الله عليه وسلم)، لفظ الحديث الذي يعني الجديد، كما أن الأفعال والتقريرات تدخل ضمن هذا المنظور للسنة والسيرة. والمعني الاصطلاحي الفقهي يؤكد أن السنة هي كل ما تبث عن النبي ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب، أي أنها تأسيس للفعل خارج نطاق الفرض الذي يكرس التبعية والامتثال الآلي.

وما دام الأمر كذلك فأن تكون سنيا اليوم معناه أن تقتدي بفعل التأسيس وليس بأمر التقليد الذي يمنح للمسلم اليوم أن يكون سنيا بالفعل، والسني وفق هذا المنظور هو الذي يمتلك القدرة علي الابداع وليس الاتباع، انها قدرة علي ابداع الخير ومنحه للغير، وليس معناه تبني سلوكات نمطية معينة يفقد بموجبها الفرد أي قدرة علي المبادرة دون الرجوع الي سلطة الافتاء التي تقرر ما يوافق السنة وما يخالفها. ان الاقتداء بالأصل كتأسيس هو تحرر من الأصل ذاته كنموذج للتقليد وتحرر من النمطية التي تصير الانسان نسخة مطابقة لأصل أفرغ من محتواه. وبذلك فان الافتاء غير الاجتهادي يغدو خارجا عن مفهوم السنة، خاصة افتاء فقهاء الفضائيات الذين تخصصوا في شن حروب عدائية ضد كل ما هو جديد وابداعي.

ان السنة بهذا المنظور تغدو رديفا للابداع وليس للبدعة التي لا تحيل الا علي الاتباع، لكن الممارسة الفقهية المعبرة عن استراتيجية ارادة الهيمنة حولت معني كل من السنة والبدعة ليدل علي نقيضهما. وهكذا غدت السنة خاصية لمذهب الاتباع، كما غدت البدعة تشمل جوانب الحياة غير التعبدية في حين أنها لم تكن تعني سوي الافراط والغلو المذهبي في مجال العبادات لا غير، وفي أحيان أخري تدل علي التقصير بشأنها يقول الشاطبي: (البدعة هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه)، لكنها لم تكن تعني أبدا انخراط الناس في ابداع طرق حياة جديدة لا تخضع بالضرورة لمنطق السلف ولا لمذهبه ولا لتحديداته ولا حتي لأخلاقه التي لم تكن خالية من العنف والنزوع نحو الاعتداء والسفك وغير ذلك من التصرفات اللااخلاقية.

ولكن الغريب في التصور الاتباعي للسنة انما يتمثل في تقديس السلف الصالح واعتبار كل ما بدر منهم خيرا مطلقا، وهذا الأمر لا يمنع بعض المنتسبين لمذهب السنة اليوم من اعادة انتاج العنف تجاه الآخر، باعتباره اتباعا للسلف الصالح وتطابقا معه. انه المنطق السائد اليوم لكل الجماعات الأصولية السنية التي لا تتواني في الانخراط في أعمال دموية تجاه من تسميهم ضالين وزائغين عن السنة.

ان استعادة معني السنة يفترض استعادة معناها الأصل بما هو اتلاف للعادة، أي بما هو دلالة علي سك طرق جديدة في مجالات الحياة، انها خروج عن نظام التقليد والأحقية، وممارسة لحق الاختلاف، فالاقتداء بالسنة هو بناء للقدرة علي الوجود، والانفتاح علي العالم، انه قدرة علي تأسيس عالم جديد منفلت عن النسق الاستبدادي الذي لم يكرس سوي التخلف والتبعية ونفي الارادة والطاعة.

أن تكون سنيا اليوم معناه أن تلتحم بارادتك في صنع التاريخ. انه تأس بالسنة النبوية بما هي انفلات عن نظام قديم وانخراط في فعل تاريخي مغاير غدا مؤسسا لكنه تحول مع الأسف بفعل ارادة الهيمنة الي تقليد وركون الي الثبات، ورفض مطلق للاصلاح.

أن تكون سنيا اليوم معناه أن تنخرط في حركة استئناف البدء/الأصل لا من أجل استرجاعه ولكن من أجل التأصيل لممارسة جديدة قادرة علي تحرير الانسان من أي وصاية كما هي قادرة علي تأصيل الابداع ومنح الخير.

ہ رئيس مركز الأبحاث الفلسفية بالمغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية