ماذا يعني تأزم الموقف الأمريكي في العراق بالنسبة لقضايا المنطقة؟

حجم الخط
0

ماذا يعني تأزم الموقف الأمريكي في العراق بالنسبة لقضايا المنطقة؟

السنوسي بسيكريماذا يعني تأزم الموقف الأمريكي في العراق بالنسبة لقضايا المنطقة؟ هزيمة الولايات المتحدة عسكريا وانسحابها من العراق أمر لايقبله حتي معارضو سياسة الجمهوريين من الحزب الديمقراطي ولكنها تبدو محققة في تقدير الكثير من المراقبين مهما استدركت الإدارة الحالية. إن لهزيمة المشروع الأمريكي تداعيات كبيرة علي المصالح الأمريكية في المنطقة إذ أن كسر هيبة أمريكا يعني تراجع نفوذها وسيطرتها علي قرار العديد من الدول الحليفة، وفقدانها خيوط اللعبة في المنطقة وأكبر من ذلك فإن للهزيمة آثارا دولية منها تهيئ المناخ الدولي لاحداث تغير في النظام العالمي الذي سيطرت فيه الولايات المتحدة علي القرار الدولي منذ انتهاء الحرب الباردة وسيساعد علي ذلك القيود التي سيضعها الرأي العام الأمريكي الساخط علي سياسة التدخل بمختلف أشكالها خارج القارة الأمريكية في قابل الأيام، والنقطة الأخيرة بحد ذاتها تمثل قلقا كبيرا لصناع السياسة الأمريكية. لهذا فإن الهزيمة أمر مستنكر ومرفوض ويتفق الحزبان الرئيسيان علي السعي لتلافيها والاختلاف يكمن في الوسيلة لتحقيق ذلك. مما يتفق عليه الحزبان تحجيم تداعيات الإخفاق الأمريكي في المنطقة بحيث لا تضطر الإدارة الأمريكية (جمهورية أو ديمقراطية) إلي تغيير سياساتها التوسعية ومن ثم العودة إلي سقف لا يتعدي المحافظة علي الأهداف الرئيسية في المنطقة والتي استصحبتها الحكومات المتعاقبة خلال العقود الماضية (تدفق النفط، ضمان أمن إسرائيل، دعم الحلفاء واحتواء الدول والمجموعات الشاذة بحسب التقييم الأمريكي) بعيدا عن مخططات المحافظين الرامية إلي تغيير الخارطة السياسية عبر التدخل المباشر والهيمنة علي مصير المنطقة السياسي وحتي الثقافي والسيطرة علي مقدراتها الاقتصادية. الناظر إلي موقف البيت الأبيض من التطورات الحادثة في العراق منذ إجتياحه في آذار (مارس) 2003، يلحظ تغيرا كبيرا وسريعا في الخطاب بل وفي الأهداف والوسائل، وقد عكس هذا التذبذب ارتباكا ظهر علي مستوي الموقف السياسي وفي ميدان العمليات العسكرية والموقف من المقاومة ومن التشكيلات السياسية ودول الجوار (إيران سورية). فبوش الذي بدا واثقا ومستعليا في مؤتمره الصحافي في نيسان (أبريل) 2003، وذلك في معرض الرد علي احتمال بروز مقاومين للاجتياح الأمريكي وقوله متحديا سنقول لهم أرونا ما لديكم ، يبدو هذه الأيام في قمة عجزه أمام المقاومة العراقية ويبحث في كل السبل والخيارات، بما في ذلك التفاوض، لوقف عملياتها وإنهاء تهديدها. أيضا كان من أبرز الأهداف المعلنة من الحملة الأمريكية دمقراطة العراق وإيجاد نموذج متحضر لدولة الرفاه في المنطقة، وظلت هذه المسألة ديدن بوش لتهدئة معارضي الحرب خصوصا بعد اكتشاف زيف مبررات الحرب الرئيسية وهي امتلاك العراق أسلحة دمار شامل وارتباط نظام صدام بالقاعدة. فاليوم وأمام حالة الإنفلات الأمني المريع والانهيار الاقتصادي والتناحر الطائفي لا يأمل بوش أكثر من احتواء الصراع ولملمة أطراف الأزمة التي اتسع فيها الخرق عن الراقع. وقس علي ذلك الموقف من إيران وسورية اللتين مثلتا قطبين من ثلاثي محور الشر في خطابه في كانون الثاني (يناير) 2003، لينظر إليهما اليوم (خلف ستار كثيف من التعالي والكبرياء وضغوط من اللوبي الإسرائيلي) كمنقذين محتملين من المأزق المحتدم.ليس أمام واشطن خيارات إيجابية والاختيار هو بين جملة من البدائل أفضلها لا يحقق الحد الأدني مما تطلعت إليه وما فوق وفي أسوأها يكمن التهديد وتكمن المخاوف. فما بين البقاء في العراق ورفض التغيير في السياسة الأمريكية في المنطقة بشكل عام وانتظار معجزة!. وإن لم تحصل معجزة فكلفة البقاء تتعدي الخسائر في الأرواح والأموال في وقت تعاني منه الخزانة من عجز غير مسبوق، إذا يعني ذلك حتما خسارة الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية التي ستجري بعد عامين. البديل الثاني الانسحاب وتجرع كأس الهزيمة كاملة ومواجهة التعديات المترتبة عليها وهي خطيرة بالنسبة للأمريكان، والثالث الرضوخ لرأي الديمقراطيين وغيرهم لدعوة سورية وإيران مع إشراك الحلفاء الأوروبيين والصين وروسيا لإيجاد مخرج من الأزمة يقلل خسائر واشنطن المادية والمعنوية ويحفظ ماء وجهها، أي الاستنجاد بالغريمين اللذين تصدرا قائمة المستهدفين في مشروع التغيير وإعادة رسم الخرائط بعد العراق، والتنازل لخصوم استراتيجيين للمساهمة في ترتيب أوضاع ليس العراق بل والشرق الأوسط بعد أن سعي متطرفو اليمين المحافظ إلي إقصائهم بل ومحاصرتهم عبر مخطط الهيمنة علي المنطقة!يرفض كل من رئاسة البيت الأبيض ومكتب نائب الرئيس ووزارة الخارجية الحوار غير المشروط مع إيران وسورية ويري هؤلاء أن علي إيران وسورية رفع أيديهما عن العراق ووقف الدعم المادي والمعنوي لحزب الله وحماس، بالإضافة إلي وقف المشروع النووي الإيراني الأمر الذي ترفضه طهران ودمشق. غير أن الرياح تأتي بما لا تشتهي سفن بوش وتشيني وبعض من تبقي في دوائر صناعة القرار الأمريكي من المتطرفين الجمهوريين إذ لا تتوفر لديهم أوراق مهمة للضغط باتجاه مصالحهم، والعقوبات الذي فرضت علي إيران والتي تضمنها قرار مجلس الأمن الأخير 1737، ذات أثر محدود ولا تلبي مطالب الولايات المتحدة إلا أنها لم تستطيع ليَّ ذراع روسيا والصين ويمثل لها القرار ذريعة لزيادة عزلة إيران وممارسة مزيد من الضغوط عليها ولن تفلح. وتري إيران أن الفرصة مهيأة أكثر من ذي قبل للسير بخطوات سريعة تجاه فرض واقع جديد في المنطقة عبر تعزيز إمكاناتها العسكرية وتطوير علاقاتها خارج دائرة التسلط الأمريكي الأوروبي، تماما كما تراها سورية ويراها معارضو المشروع الأمريكي في المنطقة فرصة لرفع سقف المطالب الفلسطينية والسورية والتشبث بقرارات الأمم المتحدة 242، 338 ومحاولة جلبهما إلي طاولة النقاش أمام الفرقاء الدوليين عند البحث عن مخرج للأزمة بعد أن نجحت إسرائيل وخلفها الولايات المتحدة ولعقود في إبعادهما عن أية تسوية محتملة بين أطراف النزاع. فطهران ودمشق تدركان أكثر من غيرهما المستنقع الذي تغرق فيه الولايات المتحدة في المنطقة ويتطلعان إلي مد جسور مع منافسي الأخيرة في توجيه دفة القرار الدولي مثل الصين وروسيا اللتين تتبنيان استراتيجية لتعظيم دورها العالمي ونفوذهما في الشرق الأوسط. وإيران رابحة في حال نجاح الصين وروسيا في تعزيز موقعهما الدولي أو في حال أدركت واشنطن أن لا أمل في المحافظة علي مكاسبها في المنطقة والتقليل من تداعيات هزيمتها العسكرية والسياسية إلا بالتفاوض مع طهران والوصول إلي حالة وفاق يضمن للثانية مكانا استراتيجيا في الشرق الأوسط الذي يبدو أنه يتشكل من جديد وليس وفقا للمخطط الأمريكي. إن علاقة إيران وسورية الوثيقة بقوة متمكنة في العراق وفي قلب الصراع العربي الإسرائيلي (حزب الله وحماس) تمنحانهما نفسا أطول في مواجهة الضغوط الأمريكية. فإيران لديها أوراق مهمة في العراق، وبالرغم من المأزق الحرج الذي تواجه حماس إلا أنها ستظل رقما مهما في حال استمرارها في السلطة أو حتي خروجها منها. أما حزب الله فيبدو أنه يحقق نجاحا نسبيا في قطف بعض ثمار انتصاره العسكري علي الجيش الإسرائيلي ولا مؤشرات علي إمكان تجريده من سلاحه وتقليص حضوره السياسي والشعبي كما تسعي أمريكا وإسرائيل. ومن الواضح أن كلا من روسيا وإيران تسعيان لإفشال مساعي أمريكا في عزلهما ويبدو أن هناك عزما روسيا لتوثيق الروابط مع الحليفين القديمين لتعزيز ثقل موسكو في المنطقة ومن ثم علي الساحة الدولية. وهكذا تجد الدولة العظمي نفسها محاصرة ويقع بوش في كماشة الخيارات الصعبة ويفقد هو وفريق حكمه زمام المبادرة في مواجهة المقاومة الصلبة في العراق ولبنان وفلسطين. ولا مفر الآن أمام واشنطن من إعادة النظر بشكل كلي في استراتيجياتها وعلاقاتها في المنطقة لتحويل إخفاقها إلي نجاح إذ أن لغة التهديد والضغوط لم تعد تجدي نفعا حين يبدو للجميع أن أمريكا تبحث عن مخرج من ورطة لا تظهر في الأفق القريب بشائر للخروج منها.يتفق المراقبون أن أولي ركائز استراتيجية النجاة هي احتواء الحالة الفلسطينية بشكل متوازن من خلال ممارسة ضغوط علي إسرائيل لتقديم تنازلات مرضية للأطراف الفلسطينية بما في ذلك حماس، حيث تزداد القناعة لدي معارضي سياسة بوش الخارجية في الدوائر الأمريكية إلي الارتباط الوثيق بين التحديات التي تواجه الولايات المتحدة في المنطقة وبين النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، يضاف إلي ذلك القناعة بأن تقاعس البيت الأبيض عن تأييده إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وانحيازه الكامل لسياسة التدمير والقتل الإسرائيلية إنعكست سلبا علي الأمن الإسرائيلي ودفعت بخصم عنيد إلي سدة الحكم الفلسطيني في حين كانت هناك فرصة، بحسب محللين، لتقديم تنازلات للسلطة الفلسطينية ممثلة في الرئيس عباس كان من الممكن أن تمنع وصول حماس إلي الحكم وما تبع ذلك من تطورات أقلقت الغرب والحليف الإسرائيلي، وهذا ما يخطط له الآن أمريكيا وإسرائيليا: دعم عباس وإضعاف حماس، وفي هذا السياق عقد لقاء أولمرت ـ عباس وما تبعه من إفراج عن بعض ما تحتفظ به تل أبيب من أموال فلسطينية. الركيزة الثانية تتمثل في التخلي عن فكرة عزل إيران وسورية وإضعافهما سياسيا من خلال تجريدهما مما تتمتعان به من قدرات عسكرية (المشروع النووي والصواريخ البالستية) ونفوذ داخل بؤر التوتر في المنطقة. وبالجملة، تخلي واشنطن عن سياسة التفرد والهيمنة طوعا ووفق سيناريو متفق عليه مع القوي الصاعدة في أوربا وآسيا وإلا فإن فاتورة الدفع قد تكون أكبر من ذلك بكثير. كاتب ليبي مقيم في لندن9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية