ماذا يعيق كريستيانو رونالدو لاستعادة نسخته مع زيدان؟

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: أطفال وجميلات وشباب وطاعنون في العمر، هاموا على وجوههم بعشرات الآلاف في البقعة الحمراء لمدينة مانشستر في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، متحدين على قلب رجل واحد بالقميص رقم 7 الأكثر مبيعا في أوروبا هذا الصيف، كأفضل استقبال للأسطورة الحية كريستيانو رونالدو، في ظهوره الأول مع مانشستر يونايتد بعد 12 عاما من لوعة الفراق، ليرد حفاوة استقباله، بالفخامة والأناقة المعروفة عنه، بتسجيل هدفين من أصل أربعة فاز بها الفريق على نيوكاسل في قلب «أولد ترافورد»، قبل أن يضيف ثالث أهدافه الشخصية والأول في بطولته المفضلة دوري أبطال أوروبا، في ليلة السقوط المفاجئ أمام يانغ بويز، مجسدا مقولة أبو الطيب المتنبي «الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم».

رجل التحولات

لأنه من فئة البشر الخارقين، لم يكتف بتحول أو اثنين في مسيرته، لقدرته العجيبة على مواكبة الزمن والتكيف مع المتغيرات التي تُحيط به، وهذا لا يرجع فقط لاستثماره الباهظ في جسده، بالامتناع عن الكثير من ملذات الحياة القصيرة، خاصة في حقبة الثلاثينات، ربيع العمر، حيث يقضي جُل وقته في إخراج ما بداخله من طاقة في التدريبات العنيفة سواء في مقر النادي أو صالته الرياضية المنزلية، المجهزة بمعدات تفوق صالات أعظم أندية القارة، مثل جهاز «ألتير جي»، الذي يساعده في الاستشفاء والحفاظ على وزنه، جنبا إلى جنب مع النظام الغذائي العجيب، بتناول 6 أو 7 وجبات يوميا تحت إشراف متخصصين، لضمان الحفاظ على طاقته وقوة عضلاته، حتى مع اقترابه من كسر حاجز الـ37 عاما، بل هناك أسباب أخرى، قادته للتعمير في الملاعب وبهذه النسخة المرعبة، كلاعب يتعامل مع سنه على أنه مجرد رقم، منها ذكاؤه في تطويع معدلاته البدنية بما يتماشى مع مرحلته العمرية، والدليل، النسخ المختلفة التي أبهر بها الملايين على مدار عقدين، بداية بالصورة العالقة في الأذهان بذاك الفتى اليافع، الذي خطفه مانشستر يونايتد من آرسنال في الأمتار الأخيرة، ليفوق توقعات أكثر المتفائلين من عشاق الشياطين الحمر، لتعويض رحيل الأيقونة ديفيد بيكهام بعد ذهابه إلى ريال مدريد في 2003.
ويتذكر عشاق البريميرليغ عندما كان يُبث عبر فضائية «ART» الرياضية حتى أواخر العقد الأول للألفية الجديدة، نسخة كريستيانو في بداياته مع الشهرة الطاغية، كلاعب أوروبي بجينات السامبا البرازيلي، متسلحا بسرعته المهولة وقدرته على المراوغة وبعثرة المدافعين بالطرق التي تخطف «آهات» وقلوب المشجعين، أشبه بالجناح المثالي في عصره، حيث كانت مهمته الأولى هي الاختراق من الجانبين، إما لإرسال العرضيات لجلاد الجلادين رود فان نيستلروي، وإما كمفتاح لعب لإيصال الكرة للظهير في أبعد مكان على الطرف أو بقرار فردي من العمق، وهذا يفسر أسباب قلة أهدافه في بداية مشواره، مقارنة بالثنائي الفضائي المستقبلي كيليان مبابي وإيرلنغ هالاند، كلاهما أكثر حظا منه باللعب في مركز الرقم 9 في وقت مبكر جدا، لكن مع الوقت، استسلم شيخ المدربين فيرغسون لفكرة هدر هذه الطاقة في أماكن بلا قيمة في الملعب، في ما كانت أشبه بالنسخة الثانية لرونالدو، بعد تحوله إلى رقم 7 في الطريقة الحديثة آنذاك، موسم 2007-2008، ليكافئ الأب الروحي بنهاية سينمائية، أسفرت عن 42 هدفا في مختلف المسابقات، كانت سببا في الاحتفاظ بلقب البريميرليغ للمرة الثانية على التوالي، والأهم تحقيق دوري أبطال أوروبا للمرة الثانية في عهد السير، بقهر تشلسي في نهائي موسكو الشهير. ومنذ تلك اللحظة، بدأ التحول التدريجي في أسلوب وعقلية النجم الكبير، من لاعب يميل إلى اللعب الفردي إلى سفاح يعيش على احتفالاته بهز شباك الخصوم، وهذا ما أجبر ريال مدريد على العودة لطلبه مرة أخرى، ليسير على نفس النهج في ما تبقى من عقد العشرينات، إلى أن قدم له زين الدين زيدان قبلة الحياة، بتعديل مركزه، بطريقة تحترم عمره وفي نفس الوقت تساعده على الصمود في هرم النجاح لأطول وقت ممكن.

وصفة زيدان

بالطبع الجزائري الأصل/الفرنسية الهوية، لم يخترع الذرة، فقط سبقته «الكاريزما» التي رسمها لنفسه طوال مسيرته العظيمة كلاعب، وأيضا في تحضره ورقيه مع الدون وباقي الرفقاء، بحكم تعامله المسبق معهم كساعد أيمن لكارلو أنشيلوتي في موسم كسر عقدة «العاشرة» على حساب أتلتيكو مدريد في نهائي لشبونة 2014، عكس سلفه رافا بنيتيز، الذي لم يكن على وفاق مع الأسطورة، لمبالغته في الأمور والنواحي التكتيكية، التي تُجبر الجميع على التحرك في أمتار معينة داخل المستطيل الأخضر، وكأنهم قطع شطرنجية. ومع الوقت، أثبتت التجارب، أن هذا النوع من المدربين، دائما ما يصطدم مع جموحه ورغباته الزائدة أمام المرمى، والحديث مثلا عن ماكس أليغري، الذي أقيل من منصبه في القيادة الفنية ليوفنتوس، لاعتراض رونالدو على أفكاره، كما وثقت الكاميرات لحظة تذمر الدون على طريقة وأسلوب لعب السيدة العجوز في ليلة الانحناء العظيم أمام شباب أياكس أمستردام مارس/آذار 2019، يكفي أنه سجل مع أليغري 28 هدفا في 43 مباراة على مدار الموسم، أقل من معدل أهدافه على مدار تسع سنوات بين جدران «سانتياغو بيرنابيو»، حتى مع الإيطالي الآخر ماوريسيو ساري، لم يكن بنفس الحدة في أغلب أوقات الموسم، لمشاكله مع المدرب المدخن، اعتراضا على توظيفه في مركز المهاجم الثاني، وأحيانا جناح أيسر متقدم، لرؤية ساري الفنية، باللعب بمهاجمه المفضل غونزالو هيغواين في مركز رقم 9، وربما هذا التحدي، هو ما أثار غضب الدون، لينهي الموسم بأفضل سجل تهديفي في سنواته الثلاث مع سلطان الكالتشيو، منها اللوحة الفنية الفريدة من نوعها، بذاك الارتقاء العجيب أمام سامبدوريا. أما المدربون الذين يجيدون التوازن بين طمعه المشروع مع هوس تسجيل الأهداف وتحطيم الأرقام وبين مصلحة الفريق، فنادرا ما يخذلهم في نهاية الموسم، بدليل مكافأته لزيزو، بعد الوصول لمرحلة بناء خطط الريال الهجومية على فكرة إيصال الكرة بين أقدام كريستيانو أو على رأسه داخل مربع العمليات، بخلاف رفاهية تجنب الأدوار الدفاعية، حفاظا على طاقته ولياقته حتى الدقيقة الأخيرة، بحكم تقدمه في السن، مسجلا 112 هدفا، كانت سببا في سيطرة الفريق على ذات الأذنين 3 مرات تواليا، بالإضافة إلى لقب الليغا رقم 33 وأربعة ألقاب أخرى قارية ومحلية حققها زيدان في ولايته الأولى في «فالديبيباس» قبل رحيل الهداف التاريخي، كثالث أفضل سجل تهديفي تحت قيادة مدرب بالتساوي مع ميستر كارليتو، بعد أليكس فيرغسون، سجل معه 118 هدفا على مدار 6 سنوات، والأول جوزيه مورينيو، الذي كان في قمة حظه، بقيادة مواطنه وهو في أوج سنوات صراعه مع غريمه الأزلي ليونيل ميسي بين عامي 2010 و2013، التي سجل خلالها 168 هدفا، بواقع 53 هدفا في الموسم الأول و60 و55 هدفا في آخر موسمين.

فرصة سولشاير

يبقى القاسم المشترك بين أكثر المدربين نجاحا مع كريستيانو، أنهم ليسوا أصحاب مدارس وفلسفات مقدسة تتعارض مع متطلبات ومصلحة النجم الكبير، بمن فيهم مدرب المنتخب البرتغالي فيرناندو سانتوس، الذي يطبق وصفة زيدان كما ينبغي، بالتعامل مع رونالدو كملك خارج الملعب وداخله، وليس كما قال أليغري وساري من قبل «جزء من منظومة جماعية»، وبالنسبة للمدرب النرويجي أولي غونار سولشاير، فيمكن القول، إنه يملك أغلب الأدوات والخصائص اللازمة لانفجار الأيقونة وظهوره بنفس النسخة التي كان عليها مع زيزو، منها الاحترام والثقة المتبادلة، منذ أن كانا في خدمة الكيان، قبل انتهاء رحلة أولي مع الفريق كلاعب في 2007، إلى جانب أن الرجل ذا الوجه الطفولي، يحمل «DNA» الشياطين الحمر، كأحد النجوم اللامعة في حقبة أليكس فيرغسون الذهبية. أبعد من ذلك، يصنفه البعض، ضمن فئة الأساطير، لتأثيره الكبير على نتائج وتغيير مسار ألقاب عظيمة في تاريخ النادي، لعل أبرزها هدف قتل معنويات بايرن ميونيخ في الوقت بدل الضائع في نهائي «كامب نو» 1999. وبصرف النظر عن الانتقادات التي يتعرض لها المدرب الاسكندينافي من مشجعي اليونايتد، اعتراضا على سوء إدارته في بعض المباريات، وإصراره على تكرار أخطاء الماضي، آخرها تبديل رونالدو أمام يانغ بويز في سهرة منتصف الأسبوع في دوري الأبطال، التي كبدت الفريق هزيمة قد تكون سببا في تعقيد مهمة الذهاب بعيدا في المسابقة. لكن بشهادة الجميع، هو يحظى باحترام الصغير والكبير داخل النادي، ولا يشعر بتهديد محتمل لإقالته، على الأقل في الوقت الراهن، لصعوبة التضحية به بعد الوصول للمرحلة الأخيرة في المشروع بضم صفقات أخرى بوزن الذهب بجانب رونالدو، والإشارة إلى رافاييل فاران وجادون سانشو، وهذا يعكس التشابه الكبير مع زيدان، الذي يعرف كيف تدار الأمور داخل النادي، بحكم جيناته المدريدية، غير أنهما من أبناء نفس الجيل والثقافة الكروية، ليسا كبيب غوارديولا وتوماس توخيل وأليغري وباقي المدربين المتشددين لأفكارهم الجماعية على حساب النجاح الفردي، كما روى الغزال الأسمر تيري هنري في واقعة عن غوارديولا «قام بتوبيخي بعد الهدف لأنني لم أنفذ تعليماته»، فما بالك لو قام وأعطى اللاعبين تعليمات كتفا بكتف مع المدرب، كما فعلها كثيرا مع زيزو وسانتوس وللمرة الأولى مع سولشاير في سهرة يانغ بويز الحزينة.
وتشمل الخصائص المشتركة بين سولشاير وزيدان، نجاح كل مدرب عندما يتعرض لضغط أو تهديد بالإقالة، ونتذكر ما حدث مع المدرب الفرنسي في ولايته الثانية، عندما تردد في أكثر من مناسبة، أن فلورنتينو بيريز ينوي إقالة المدرب بسبب تراجع المستوى والنتائج، وفي كل مرة، كان يعود أقوى من أي وقت مضى، لدرجة أن صحيفة «ماركا»، لقبته بالقط ذي السبع أرواح، ونفس الأمر تكرر مع سولشاير أكثر من مرة، آخرها ريمونتادا ما بعد جائحة كورونا الأولى، وغيرها من الأمور المشتركة بينهما، ليبقى السؤال: هل سيواصل سولشاير مسلسل تكرار أخطائه وتدخلاته الكارثية؟ أم سيتبع نهج زيدان مع رونالدو وتكون النهاية سعيدة للاثنين بعد سنوات العجاف عن الألقاب؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية