ماراثون الصراع بين السودان والمجتمع الدولي
د. يوسف نور عوض ماراثون الصراع بين السودان والمجتمع الدولي لم ينكر السودان أن هناك مشكلة في دارفور ولكن الخلاف الأساسي بينه وبين وما يسمي بالمجتمع الدولي لا يكمن في طبيعة المشكلة بل في كيفية حلها والأهداف السياسية التي ترمي إليها الإطراف السياسية المتصارعة حول هذه المسألة، وهنا يكمن اصل التباعد بين الحكومة السودانية وما يسمي بالمجتمع الدولي. ولا يعني ذلك ـ في جميع الحالات ـ أننا أمام موقفين صائبين ذلك أن التقابل هو تقابل خلاف أكثر مما هو تقابل بين موقف صحيح وآخر خطأ، ذلك أنه إذا كانت للمجتمع الدولي أهدافه السياسية فإن الحكومة السودانية ما زالت تنطلق من مواقف تتعلق بأمن النظام أكثر من كونها تتعلق بإجماع وطني وهو ما يوجد تعقيدا في المسألة وفي الكيفية التي بمكن أن تحل بها. ولكن دعنا الآن نتوقف عند آخر التطورات في هذا النزاع وخاصة تلك القائمة بين قوي المجتمع الدولي والحكومة السودانية، فقد أعلنت الولايات المتحدة علي لسان الناطق باسم وزارة الخارجية توم كيسي . إن الولايات المتحدة تدرس فرض إجراءات عقابية علي السودان بسبب رفضه السماح للقوات الدولية المجيء إلي إقليم دارفور. وقال كيسي إن صبر واشنطن نفد في ما اعتبره تكتيكات سودانية تستهدف تعطيل تنفيذ رغبات المجتمع الدولي. وعلي الرغم من أن كيسي لم يحدد طبيعة العقوبات التي تنوي فرضها الحكومة الأمريكية علي الحكومة السودانية فإن مصادر في واشنطن أكدت أن العقوبات ستشتمل علي سلسلة من أنواع الحظر المالي وتدفق الأموال إلي السودان. وقد دعم هذا الموقف الامريكي مندوب بريطانيا لدي الأمم المتحدة الذي قال إنه سيتقدم بمشروع قرار عقوبات يفرضها مجلس الأمن علي السودان وهذه العقوبات تنسجم مع دعوة الإتحاد الأوروبي التي تركزت علي فرض منطقة حظر علي الطيران وعلي إرسال السلاح إلي السودان والكشف عن أسماء جديدة لأشخاص يزعم الاتحاد الأوروبي أنهم ارتكبوا جرائم حرب في دارفور. وعلي الرغم من هذه التهديدات المستمرة التي توجه إلي الحكومة السودانية فمن المؤكد أن الحكومة لم تطرف لها عين، وقال الرئيس البشير من الجانب الآخر في رسالته التي وجهها إلي الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إن السودان سيفرض من جانبه حظرا علي تحركات الأمم المتحدة في دارفور كما سيحظر طيران المنظمة الدولية في المنطقة وكذلك سيحظر تحركات الشرطة الدولية في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، وهي الإجراءات نفسها التي يعتزم المجتمع الدولي فرضها علي السودان من الجانب الآخر. ولم يقتصر الأمر علي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذين لهما مواقفهما الواضحة من السودان بل تجاوز الأمر إلي منظمة الأمم المتحدة التي بدأت في الآونة الأخيرة تتخذ مواقف لا يمكن أن توصف بأنها محايدة، فعلي الرغم من أن الحكومة السودانية رفضت أن تمنح لجنة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الانسان فيزا دخول إلي السودان فإن رئيسة بعثة الأمم المتحدة جودي ويليامز كتبت تقريرها الذي وجهته إلي المنظمة الدولية واتهمت فيه حكومة السودان بالمشاركة في عمليات الإبادة في إقليم دارفور ورفضت الاتهامات الموجهة إلي لجنتها علي الرغم من أنها انتهت من تقريرها دون أن تتمكن من زيارة المناطق التي كتبت عنها.وقالت جودي ويليامز في دفاعها عن موقفها إنها لا تلتفت إلي ما تقوله حكومة السودان عنها، وهو موقف رفضته الحكومة السودانية التي قالت علي لسان وزير العدل محمد علي المرضي إن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة له مواقف عدائية من حكومة السودان وهو ما يدحض أي اتهام يوجه إلي الحكومة السودانية بل ويثير الشك حول حيادية المؤسسة الدولية والمؤسسات التابعة لها وانتقد المرضي مجلس حقوق الإنسان بأنه لا يعير التفاتا إلي الانتقادات التي توجهها حكومة السودان إلي أسلوب التعامل معها أو وجهة نظرها في الاتهامات الموجهة لها. وهو ما أنكرته جودي ويليامز التي قالت إن عقلها مليء بالشك وإنها لا يمكن أن تلعب دور المؤيد لما تقوله حكومة السودان. وكما نري فإن التراشق بين الجانبين لا يستند إلي أسس موضوعية لأنه تعبير عن مواقف محددة سلفا ومتقابلة ولا يمكن الالتقاء بينها، وإذا كنا نستطيع تفسير مواقف مثل تلك التي تصدر عن الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي من خلال السياسات المعروفة عن هذه الجهات فإننا لا يمكن أن نتجاهل مواقف الأمم المتحدة التي لا تعبر عن إرادة دولية بقدر ما هي صدي يدعم مواقف الدول المتنفذة في هذه المؤسسة وذلك ما يوجد التناقض بين المؤسسة الدولية والدول الأعضاء لان رفض الدول التعاون مع المؤسسة الدولية لا يمثل حالة من حالات التمرد بقدر ما هو يمثل الخيار الوحيد المتاح لبعض الدول، ولكنه قد لا يكون خيارا سهلا في بعض الأحيان خاصة في ظروف السودان في هذه المرحلة بالذات، ذلك أن ما يجري في السودان ليس عملية إبادة فقط أو حربا بين الحكومة والمتمردين بل هو وضع ساعد المجتمع الدولي أيضا في خلقه من أجل تحقيق أهداف سياسية خارجية وقد بدا هذا الوضع بقضية الجنوب التي كان يمكن أن تركز فيها جهود الحل من أجل التوفيق بين الأطراف المختلفة ولكن الحل الذي تم التوصل إليه عبر اتفاقات نيفاشا كان وصفة للتجزئة وتدمير وحدة السودان، واخطر مكونات هذه الوصفة هو الاستفتاء الذي سيجري في جنوب السودان بعد مرور السنة السادسة من الاتفاق لان كل الدلائل تشير إلي أنه في ظل الخلافات القائمة وحالة الفقر التي تعاني منها المناطق الجنوبية فإن الخيار الوحيد المتاح أمام الجنوبيين هو أن يرفضوا الوحدة ليدقوا بذلك إسفينا في جميع مناطق السودان الأخري الطامحة إلي وضع مماثل وهو وضع كما ذكرت في مقالة سابقة لا ينطلق من مطالب حقيقية بقدر ما هو ينطلق من طموحات النخب التي تريد أن تصل إلي الثروة والسلطة. ومن المؤسف تماما أن القوي السياسية المختلفة في شمال السودان لا تريد أن تتوقف عند هذه الحقيقة الأولية وتفضل عليها أن تستغل الموقف كله من أجل تحقيق طموحات محدودة وقد ظهر ذلك بوضوح في موقف زعامة حزب المؤتمر الشعبي الذي بدأ يطالب بحكومة قومية ليس من منطلق إيجاد مخرج للأزمة السودانية بل من منطلق تفكيك النظام والعودة إلي الحكم من جديد دون أن يلمح هؤلاء إلي أن العودة إلي حكومة وطنية أو حكومة وحدة وطنية إنما هي عودة إلي عام الاستقلال الأول وتكرار المشهد السياسي السوداني الذي لا يتغير، ذلك أن أزمة السودان الحالية لا تكمن في أن الصادق المهدي أو حسن الترابي أو محمد عثمان الميرغني لا يشاركون في الحكم بل تكمن في غياب تصور سياسي حقيقي في السودان بكون عودة هؤلاء جميعا هي في نهاية الأمر تكريس لنظام طائفي عفا عليه الزمن وهو عاجز عن تقديم أي حل لمشاكل السودان ذلك أن حكومة الوحدة الوطنية لا تعني بالضرورة أن يشارك فيها الصادق المهدي أو حسن الترابي أو محمد عثمان الميرغني، وعدم وضوح الرؤية في هذا الاتجاه سببه الأساسي انه لا يوجد نظام حكم حقيقي في السودان ولا توجد مؤسسات غير تلك الطائفية والأيديولوجية والمذهبية. ولا يعني أن وضوح هذه الرؤية في هذه المرحلة يعني بالضرورة وضع الرجل في الطريق الصحيح بكون تفاقم المشكلات في هذه المرحلة وظهور الخلافات الجهوية يضع عقبات حقيقية أمام حل المشكلات السودانية وأفضل ما تنجزه البلاد في هذه المرحلة هو أن تتفادي تدهورا في الوضع يؤدي إلي ما لا تحمد عقباه. ولا شك أن الحكومة السودانية تتخذ في هذه المرحلة مواقف تبدو من وجهة نظرها وطنية وسليمة ولكن لا يبدو أن هناك ضمانا بان تجد سندا شعبيا قويا إذا ما تعرضت البلاد إلي هزة خارجية لان المواقف الداخلية متباينة سواء كان ذلك من ناحية الانقسامات الطائفية أو المذهبية أو الجهوية وذلك ما يعقد الموقف في السودان ويتطلب تحرك مجموعة من الحكماء يرتفعون فوق المصالح العاجلة والطموحات المحدودة في محاولة لإيجاد مخرج لوطن كان ذات يوم واعدا وفجأة وجد نفسه في ظل هذه الانقسامات الكبيرة دون أن يكون هناك ضوء في آخر النفق. ہ كاتب من السودان9