ناشط سياسي فرنسي معاد للدكتاتوريات العربيةحسام الدين محمدلندن ـ ‘القدس العربي’ من حسام الدين محمد: لا يتميز الناشط السياسي الفرنسي مارتن ماكنسون بحماسته للشؤون السورية فحسب بل بمعلوماته الغزيرة وتحليله الدقيق للوضع هناك، وهو أمر يصعب عادة على القادمين من ثقافات أخرى التمكن منه. بدأت علاقة ماكنسون بسورية عام 1992 حين انضم الى حملة اثار في القامشلي ولاحقا من خلال تدريسه الإنكليزية للطلاب السوريين، وهو الذي يتقن خمس لغات، لكنه مع بدء الانتفاضة السورية وجد نفسه، مثل أغلب السوريين، مضطراً لانحياز الى طرف، وعدم البقاء صامتاً عما يجري. مارتن يتعاون مع ناشطين سوريين وهو عضو جمعية ‘سورية حرية’. ماذا كانت مواقف الغربيين المقيمين في سورية مع بدء الأحداث هناك؟ في شباط (فبراير) 2011 شاهدنا الثورة تحصل في مصر وكان الدبلوماسيون الغربيون في سورية لا يرون امكان انتقال الثورة الى سورية. التقيت بدبلوماسية من فنلندا قالت ان الفرنسيين رأيهم ان لا شيء سيحصل في سورية لأن كل شيء كان ممسوكا بقوة وايضا بسبب ‘شعبية بشار الاسد’ الكبيرة في سورية، انا واصدقاء اخرون اعتقدنا انها ستنتقل الى سورية ولكنها ستكون عنيفة جدا من اللحظة الاولى. بالنسبة لي الثورة انطلقت عمليا في منطقة الحريقة حيث ضرب احد الاشخاص وتجمع الالاف وصاروا يصرخون ‘الشعب السوري ما بينذل’. وحين بدأت الاحداث في درعا بدأنا نحس اننا نعيش في فقاعة. كنت اعطي دروسا خاصة لاطفال وبالغين من النخبة المالية يعيشون في المالكي والروضة ويعفور واتذكر امرأة كانت تعيش قرب مؤسسة غوته وسألتها اين ستنتقل الثورة بعد الان قالت اليمن. قلت لها: وماذا عن هنا؟ فقالت: ابدا. نحن رئيسنا يختلف.
وحتى عندما بدأت الأحداث بالحصول كان الناس في مركز دمشق يقولون انها ستنتهي في اسبوعين ولم يكن احد يريد ان يقرّ بما كان يحصل. سائق تاكسي اخذني من حرستا في منتصف اذار الى حلب حيث كنت ذاهبا الى ايكاردا. الباص لم يأخذ طريق حمص وحماه وتلبيسة والرستن بل ذهب عبر السلمية وشماميس وانا سألت هل هناك مشاكل فبدأ الناس يقولون ان لا شيء وكانوا يجيبون بعصبية. ما كان مفاجئا ان بعض الاجانب الذين يعملون في ايكاردا حتى كانوا يقولون ان ما يحصل هو بسبب اشخاص يقومون بمشاكل. في وسط مدينة حلب كان هناك تواجد امني كثيف. كنت ازور حلب مرة كل اسبوعين وعندما عدت الى دمشق سائق من اطراف دمشق قال لي ‘ما في اكل وما في حرية وفي رصاص وفي مشاكل كل يوم’. بدا لي مخلصا في ما يقوله فعادة لا تستطيع في سورية ان نثق بسائقي التاكسي لأن بعضهم يعمل مع المخابرات.
في ايام الجمع كان يمكن ان تحس بالتوتر في كل مكان. كنت اعيش في عين الكرش وكان المركز الثقافي الفرنسي في منطقة البحصة فبدأ يغلق في ايام الجمع. وسط المدينة كان ما زال يبدو طبيعيا. وكان هناك الكثير من الشعارات على الحيطان تقول: مؤامرة مؤامرة مؤامرة، وسورية بخير، و’انا مع القانون’. ما كان مدهشا انه في كانون الثاني /يناير كانت قناة ‘الجزيرة’ موجودة في كل المقاهي حتى في القصور وباب توما، اذا اردت اخبارا فالجزيرة واذا اردت تسلية فروتانا. اثناء الثورة المصرية ثم الليبية لم يعد الناس يقولون اي شيء بل صاروا يظهرون كأنهم لا يتابعون التلفزيون. وكنت ترى في المطاعم التي يزورها اجانب دائما عددا من الاشخاص يلبسون جاكيتات جلدية يطلبون طعاما ولا يدفعون، وهذه المطاعم كانت غالية جدا، وحتى في مقهى الروضة كان يمكن ان ترى العديد من هؤلاء الذين يبدون بنفس الشكل حيث يوجد ثلاث منهم على كل طاولة وكل مجموعة تبعد حوالي عشرين مترا عن الاخرى.
في وسط دمشق سمعت امرأة محجبة تقول: لا اعرف ماذا يريد هؤلاء المتظاهرون وانا مع ان يموت 30 الفا وان لا تصبح سورية سلفية! كانت هناك حالة انكار لما يحصل، وهو يشبه الطريقة التي تقوم فيها اسرائيل بانكار ما يحصل في المناطق الفلسطينية المحتلة. نحن في عالم بحيث يستطيع كل انسان ان يعرف ما يحصل ولكن كان الأمر كما لو انهم يقولون: لا نريد ان نعرف!
كانت الاشاعات تذاع عن الاحداث مثلما حصل في حمص وكانت هناك مجازر حقيقية تحصل هناك فقد قتل 150 الى 200 في اعتصام ليلي ولم نر اي جنازات لأن النظام قام بأخذ الجثث، لكنه لاحقا لم يعد يهتم بظهور اعداد الجثث الكبيرة.
لدي صديقة امريكية سورية عمها ضابط متقاعد اعطوه مسدسا وطلبوا منه ان يشارك في قتل المتظاهرين. كان المقصود من ذلك ان يقوم النظام بالتأكد من ولاء هؤلاء من خلال قتله للمتظاهرين. المشكلة ان جزءا كبيرا من المجتمع الدولي، دبلوماسيون واجانب يقيمون في دمشق واخرون، كانوا عمليا يُخدعون من قبل اصدقاء لهم كانوا يعتبرونهم مصادر معلومات موثوقة، وكان اولاد هم الذين يسافرون للخارج ويتوظفون في مناصب دولية، وبالتالي هؤلاء الاجانب والدبلوماسيون كانوا مصادر خاطئة لدولهم عما يجري في سوريا، وخصوصا السفارة الفرنسية.
كان الاجانب قلما يذهبون الى ضواحي دمشق التي تحصل فيها الاحداث. دمشق هي مثال عن مركز متخم وغني مع ضواح تحيط بها تعتبر المناطق الديمغرافية التي تشتغل فيها الثورة. كان سكانها غير قادرين على الحصول على عمل او حياة كريمة ولم يكن باستطاعتهم الشكوى حتى.
لم يكن الامر يتعلق بالجانب الطائفي الذي حاول النظام ان يفتعله. الأمر يتعلق بطبقات فقيرة. الاغلبية فقراء ولا يستطيعون التقدم اجتماعيا في نظام انتقل من نظام دولة واحدية الى دولة عصابة ومافيا. حيث تم بيع القطاع العام الى العائلة الحاكمة نفسها. وحتى المدارس والجامعات الخاصة هي ظاهرة عاكسة لهذا الامر.
وقد اقتنعت انني لا استطيع ان ارى اكثر الانظمة عنفية في العالم العربي يقوم بقمع شعبه وان لا أتحدث عن ذلك.
انتهازية الموقف الفرنسيبالنسبة للصحافة الفرنسية هناك صحافيان فرنسيان يقومان بتسويق رواية النظام السوري الاول هو ريشار لابيفيير الذي هو المراسل الدفاعي الذي كتب عن سورية واعتبرها مثالا عن التسامح وكتب ان مصلحة فرنسا تقوم على استقرار النظام في سوريا في كتابه ‘عندما تستيقظ سورية؟’، وهو نوع من الاعتذارية عن النظام السوري يتحدث عن كفاحه ضد التطرف الديني وانه الوحيد الذي يدافع عن اقليات سورية، ومقدمته كتبها رئيس المخابرات الفرنسي السابق الان شويه، وهو ما يظهر تفاهما بين الاجهزة المخابراتية الفرنسية والسورية. اصف شوكت كان لديه علاقات مع وزير داخلية ساركوزي كلود غيون، وهو شخص يميني متطرف همه الاول مكافحة الهجرة وتأسيس علاقات مخابراتية مع انظمة دكتاتورية عربية. هناك دليل على ازدواجية الحكومة الفرنسية ففي باريس يمنع على السوريين التظاهر قرب سفارتهم. احد الناشطين السوريين ضربه شبيحة النظام السوري في باريس، محمد طه، المدير السابق لمتحف تدمر الذي خرج عام 2006 لأنه شاهد الفساد الكبير الذي يحصل بالقطاع السياحي مما ادى لاستدعائه من قبل المخابرات. التظاهر في باريس او في مدينة اوروبية خطر كما هو في سورية لأن النظام السوري ومخابراته لديهم طرق للضغط على الناشطين. في آب (اغسطس) 2011 جاء شبيحة مع السكاكين والعصي وبدأوا بضرب المتظاهرين في شاتليه بباريس والغريب ان هؤلاء المعتدين كانوا يحملون حصانات دبلوماسية بل انهم قاموا بانتظار المتظاهرين حيث جاءوا للشكوى ضدهم فقاموا بضربهم مجددا.
منظمة العفو الدولية لديها ملف كامل عن ناشطين سوريين تعرضوا لتهديدات بالقتل من قبل عناصر المخابرات السورية في اوروبا، حتى هناك طلاب بعثيون او مخابرات مهمتهم مراقبة الطلاب والمواطنين السوريين.
صحافي فرنسي آخر متعاون مع النظام السوري اسمه لوسيان بيترلان كانت لديه دائما امكانية لمقابلة حافظ الاسد، وهو يميني سياسيا، وقد كتب كتابا عن لواء اسكندرونة كطريقة لمدح النظام السوري.
الاكثر اهمية من كل ذلك ان احد اكبر الاحزاب في فرنسا، الجبهة الوطنية، والذي هو ضد العرب والمسلمين واليهود لكنه يقوم حاليا بالدفاع عن النظام السوري كما كان يدافع عن اسرائيل الكبرى وكذلك عن الكتائب اللبنانية، وهو الذي يقوم بحملة علاقات عامة لصالح النظام السوري، ومحازبوه يعملون في موقع الكتروني مهمته الدفاع عن النظام السوري Anfosyrie. الصراع غير طائفي الوضع السوري الداخلي معقد بقدر تعقيد الوضع الخارجي، كيف ترى الى تأثير الطبقات والطوائف في الانتفاضة؟ ما لاحظت من الطبقة العليا والوسطى بغض النظر عن انتماءاتها الدينية انهم منفصلون عن الاحداث التي تؤثر على شعبهم كما لو ان ما يحصل للناس هم من بلد اخر. حتى الطبقة المتعلمة واتكلم هنا عن الاغلبية لا الكل وهم يتحدثون عن مؤامرة الميديا ضد النظام. يعرفون ان بلدهم ليس حرا وانه محكوم بالمخابرات لكنهم يلتزمون بالسردية الرسمية ولا يريدون ان يعرفوا ما يحصل في بلدهم. هذه الثورة مصنوعة من الناس في الاحياء الفقيرة والارياف والمستضعفين والناشطين المتعلمين الذين يعرفون ما تعنيه حرية التعبير وهذان هما اللذان صنعا الثورة، الناشطون المتعلمون وهم اقلية من الطبقة العليا، ولكنها ثورة المستضعفين وثورة الشباب.
سمير العيطة يقول انه تسونامي الشباب. تسونامي يعني موجة لا يمكنك ان توقفها. في مصر ما حصل كان ثورة المدن وليس ثورة الجميع، لكن الثورة السورية هي الثورة الاكثر شعبية في العالم العربي، والتي هي مزيج بين الناشطين المتعلمين من الطبقة الوسطى والفقراء في كل الارياف والمدن. حوران ودرعا كانوا موالين للبعث وللنظام. كان الريف يساند النظام لكن النظام الآن خسر الفلاحين والناس الذين هاجروا الى المدن وهم عامل مهم كبير في هذه الثورة.
هذا لا علاقة له بصراع طائفي العامل الاساسي في هذه الثورة هو العامل الطبقي. رغم ان بعض الناس في الطبقة الوسطى والعليا انضموا الى الثورة لكنهم ما زالوا للاسف اقلية.
الناس في شوارع حمص ودمشق لديهم مبدآن: انتماء الجولان لسورية، والقضية الفلسطينية. كل متظاهر يساند الثورة ايضا يساند الثورة الفلسطينية يجب ان يعرف الفلسطينيون انهم جزء من الثورة العربية. الفلسطينيون منظمون ويقومون بمظاهرات نناصرها تماما. انه من المهم جدا ان يفهموا ان حكومات ديمقراطية في العالم العربي وخاصة في سورية ستكون لصالح قضيتهم، ويجب ان يعرفوا ان نظام الاسد هو صديق اسرائيل وحليفها الموضوعي وقد قتل من الفلسطينيين اكثر بكثير مما قتلت اسرائيل منهم. الاسرائيليون والنظام السوري لديهم هدف واحد وهو منع حصول اي حكومة فلسطينية موحدة. هدف الاثنين هو نفسه هو تقسيم الفلسطينيين واستخدام هذا التقسيم لمصلحتهما. على الفلسطينيين ان ينضموا الى الثورات العربية وخاصة السورية ويجب ان يظهروا تضامنا للشعب السوري، وحتى حماس التي كانت حليفة لسورية قامت اخيرا بالابتعاد عن النظام السوري والاصطفاف عمليا ضده وهو امر عادل وصحيح. مبارك كان اقرب حلفاء اسرائيل، وحافظ وبشار كانا احسن الاعداء. تعرف ماذا سيفعل. كان الاسرائيليون يعرفون ما سيفعله. القصف في غزة 2008 يشبه ما يفعله الاسد حاليا لشعبه. اذا كان علي ان اقوم بحملة فيجب ربط هذه النقاط مع بعضها: لبنان 2006 غزة 2008 حمص 2012. باختـصار اســـرائيل مرعوبة تماما من وصول حكومات ديمقراطية حقيقية في العالم العربي.