ماركيز والواقعية السحرية
نور الدين بورحيلماركيز والواقعية السحرية هناك عدة روايات أدبية تتحدث عن ظواهر نفسية خارقة تدخل ضمن نطاق علم القوي الخفية، مما يدفعنا إلي استخدام منهاج المقارنة لنحصل علي التشابه وأوجه التناظر بين معطيات (الباراسيكولوجيا) ومعطيات الرواية الادبية وسوف نركز علي إحدي أروع روايات غارسيا ماركيز، الحائزة علي جائزة نوبل وهي رواية مئة عام من العزلة التي تدخل ضمن الواقعية السحرية، أو أدب الفانتاستيك، الأدب العجائبي الغرائبي.1 ـ ظاهرة تحريك الاشياءPsychoKinesie :هي تحريك الاشياء الصلبة بدون أي وسيلة مادية وتسمي كذلك tlkinsie، وهي ظاهرة من ظواهر الطاقة النفسية ومن الاشخاص المشتهرين بالقدرة علي التحريك النفسي السيدة السوفياتية ميخاتيلوفا التي أجري عليها الاختبارات المكثفة عدد كبير من العلماء والاختصاصيين في الباراسيكولوجيا، ومنهم عالم البيولوجيا ادوارد ناوموف الذي قامت تحت مراقبته بتحريك خمس سجائر الواحدة تلو الأخري، رغم أنها كانت موضوعة تحت غطاء زجاجي، وأخيرا أسقطتها علي الارض كما استطاعت تحريك قطعة خبز كانت علي المائدة وجعلتها تقفز إلي فمها، وأجري عليها الاستاذ سيرغيق هو الآخر كثيرا من الفحوص والاختبارات، فلاحظ أن الحقل المغناطيسي حول جسدها اقل قوة من حقل الارض المغناطيسي بعشرة أضعاف فقط وأن دماغها كان يصدر أثناء محاولة التحريك موجات تيتا (4 ـ 7 موجات في الثانية).إن هذه الظاهرة ليست ظاهرة خرافية، بل هي من ظواهر الطاقة النفسية وتخضع لقوانين ما زالت غير معروفة تماما وناتجة عن نشاط الدماغ البشري وتعتبر من الظواهر الرائعة الخاضعة للدراسة في ميدان الباراسيكولوجي.ونجد في الميدان الادبي في رواية مئة عام من العزلة ورود هذه الظاهرة ونقتطف منها ما يلي ولم يتح لأورسولا أن تتذكر قوة هذه النظرة حتي اليوم الذي دخل فيه عليها أوريليانور الصغير وقد بلغ من العمر 3 أعوام إلي المطبخ، وهي في سبيلها إلي رفع قدر الشوربة الغالية علي النار ووضعها علي الطاولة، قال الصغير وهو يتردد علي عتبة الباب سوف تسقط كانت القدر ثابتة فوق الطاولة لكنها ما إن نطق الصغير بنبوءته حتي قامت بحركة ثابتة باتجاه الحافة كأنها تدفعها قوي داخلية ثم تكسرت علي الارض (ص 24).واضح من خلال هذا النص قوة النظر عند الصغير أوريليانور، تدفعه إلي التنبؤ بسقوط الاشياء، وتحريكها دون أن يشعر بذلك: كما أن سرير أمارانتا تحرك ذات يوم بدفعه الخاص ودار دورة كاملة في الغرفة أمام دهشة اوريليانو الذي همّ به فأوقفه (ص 40 من الرواية).واضح من خلال هذا المقطع أننا أمام ظاهرة تحريك الاشياء كما هي موجودة ومدروسة في علم الباراسيكولوجي، إلا أن الروائي غارسيا ماركيز، يتحدث عنها بطريقة فنية غرائبية مثيرة للضحك.2 ـ الارتفاع أو السباحة في الهواء la l‚vitation : لقد اشتهر كثير من الوسطاء أمثال الامريكي دوغلاس هيوم D. Hume بظواهر الارتفاع في الهواء. ورد في كتب التاريخ عن بعض القديسين أنهم كانوا يطيرون في الهواء كالقديس توما الاكويني والأب الفرنسيسكاني سان جوزيف والقديسة ماريا تيريزا، وهناك من يلجؤون إلي تفسير ذلك بالهلوسة والتخاطر والتنويم المغناطيسي والخداع البصري. إثبات واقعية التحريك النفسي يقف في صف الفكرة القائلة بصحة حوادث الارتفاع في الهواء فلا مانع من أن تتضاعف القدرة علي تحريك أجسام صغيرة ليتمكن شخص ما من رفع جسمه أيضا.إن الروائي غابرييل غارسيا ماركيز يتحدث في رؤيته مئة عام من العزلة عن ظاهرة الارتفاع في الهواء وفي النهاية عندما أخذ الحاضرون يتفرقون شراذم رفع ذراعيه كي يحظي بانتباههم، وقال لحظة فقط والان سوف نشهد دليلا لا يرد علي قدرة الله اللانهائية عندها حمل إليه الطفل الذي يخدم في الصلاة فنجانا من الشوكولاتة كثيرة القشدة يتصاعد منها البخار فابتلعه دون ان يتنفس ثم مسح شفتيه بمحرمة أخرجها من كمه ورفع يديه صليبا وأغلق عينيه فرأي الناس الأب نيكانور يرتفع اثني عشر سنتيمترا عن الارض ..ويضيف في نفس الوقت: فهو لم يتحرك إلا أنه استقام قليلا علي مقعده الخشبي الصغير وهز بكتفيه حين بدأ الأب نيكانور يترك الارض ويرتفع مع الكرسي القاعد عليه قال جوزيه اركاديو بوينديا باللاتينية: هذا أسهل من اكتشاف الانسان لحالات المادة الأربع ص80.إن هذه الظاهرة موجودة في كتب التاريخ وهي قديمة ويقوم بها في أغلب الأحيان رجال الدين، إلا أن تفسيرها هو الذي يطرح عدة إشكالات. أما بالنسبة لجوزيه اركاديو بوينديا بطل الرواية فإنه أجاب الأب نيكانور بأن هذا، أي الارتفاع في الهواء أسهل من اكتشاف الانسان لحالات المادة الأربع، بالنسبة إليه كان أمرا عاديا وطبيعيا ولم يندهش عندما رأي الأب نيكانور يرتفع في الهواء مع الكرسي القاعد عليه.3 ـ رؤية الأشباح أو الاتصال بالموتيإن هذه الظاهرة فوق العادية: الاتصال بالموتي، هي أحد الجوانب الاكثر جدلا وإثارة في ميدان الباراسيكولوجيا حيث أنها تتطلب وسيطا يمكن من خلاله للأموات أن يتصلوا بالأحياء… وهناك وسطاء يعملون كناقل للصوت أي أنهم يقولون ان باستطاعتهم أن يكونوا أبواقا للموتي يتكلمون من خلالها وأحد هؤلاء هو (لسلي فلينت) الذي تمكن بمساعدة أصدقائه من نقل أكثر من 200 قصة واضحة متماسكة ومفهومة لخبرة الانتقال من الحياة الدنيا إلي الحياة الآخرة ووصف لتلك الحياة، ومن المفروض أنه تكلمت خلال (فلينت) عدة شخصيات بارزة من شوبان وليونيل باريمور وكبير الأساقفة لانج وكثيرون غيرهم . ولسوف تبين البحوث في هذا المجال مدي صدق كل هذا، فإن تدعمت فكرة مجال خامس للقوة يسمح ببقاء نوع من الشخصية بعد الموت، ويخالف في نفس الوقت صفات الزمن المعروفة لنا.. بل قد يمكن أيضا أن نتصل بأي شخص حي أو ميت، ويري أحد الباحثين في هذا المجال أن التفسير الموضوعي لرؤية أشخاص أموات قد يعود وجودها إلي الطاقة التي كانت تنبعث من الهالة الكهرومغناطيسية للشخص حين كان حيا، ذلك أن الهالة، وهي عبارة عن أشعة حمراء، تترك في حالة الشدة آثارا في بعض أجزاء المحيط الذي يعيش فيه الشخص، فيجري التقاطها من طرف أشخاص قليلين يصرحون بأنهم يرون أشباح الموتي . إن الروائي غ. ماركيز يتحدث بأسلوبه الفني عن بقاء وعودة أحد الاشخاص أو شبح أحد الاشخاص ويدعي برودينسيو بعدما قتله جوزيه اركاديو تلك الليلة خرجت أورسولا كي تشرب ماء فوجدت برودينسيو أجويلار عند الجرة الكبيرة، كان ممتقع اللون، يعبر وجهه عن حزن عميق، وهو يحاول أن يسد الثقب الذي في عنقه بضماد من الحلفاء. لم يخفها، لكنه أثار شفقتها ورجعت إلي غرفتها فقصت ما رأت علي زوجها لكنه لم يعلق علي ذلك أهمية قال لها الموتي لا يرجعون، الأمر وما فيه أننا لا نستطيع حمل هذا الثقل علي وجداننا بعد ليلتين رأت اورسولا، من جديد، برودينسيو أجويلار في الحمام يغسل بضماد الحلفاء الدم المتخثر علي عنقه، ثم رأته ليلة أخري يتنزه تحت المطر. وأجهدت جوزيه إركاديو رؤي زوجته، فخرج إلي الدار يحمل رمحه، فوجد الميت وعلي وجهه نفس الصورة الحزينة صاح به جوزيه اركاديو بوينديا اذهب إلي الشيطان، في كل مرة تعود سوف أقتلك من جديد .لم يذهب برودينسيو اجويلار، ولم يجرؤ جوزيه اركاديو أن يقذفه برمحه، ومنذئذ لم يعرف الراحة، لم يسيطر عليه حزن الميت العظيم.. وأحزن ذلك أورسولا حتي أنها لما رأت الميت في المرة التالية يرفع أغطية القدر الموضوعة في الفرن، فهمت عما يبحث، وأخذت تضع منذ ذلك اليوم أواني ملأي بالماء في كل الدار، وذات ليلة رآه جوزيه يغسل جراحه في غرفته فما استطاع بعد صبرا قال له حسنا يا برودينسيو سوف نرحل من هذه القرية، أبعد ما نستطيع ولن نضع فيها قدما. الآن بوسعك أن ترحل عنا هادئا . (ص 30).وفي مقطع آخر كان برودينسيو أجويلار، ولو أن فناء الموت العميق أحاله إلي تراب، يجيئه كل يوم مرتين ويثرثر معه .لم تر أورسولا زوجة جوزيه اركاديو، برودينسيو الميت، وحدها، بل زوجها هو الآخر رآه. أو بالاحري رأي شبح الشخص المقتول الذي يدعي برودينسيو. فكيف يمكن تفسير هذه الظاهرة فوق العادية؟ هل يرجع الأمر إلي هلوسة بصرية وآثار نفسية أم إلي آثار الشخص الميت، وهي الهالة الكهرومغناطيسية، التي يترك الانسان بعد وفاته، والتي عن طريقها رأت أورسولا شبح الشخص الميت؟إن الروائي يتحدث عن هذه الظاهرة بطريقة فنية غرائبية تدخل ضمن أدب الفانتاستيك، ولكنها ظاهرة تدرس في ميدان العلم البارسيكولوجي.4 ـ الاستبصار أو التنبؤ عن طريق أوراق اللعب Cartomancie:ماذا يقول العلم الباراسيكولوجي في تفسير التنبؤ عن طريق أوراق اللعب ؟ فالمهم أن نشير إلي أن كثيرا من الباحثين الغربيين يذهبون في هذا الصدد إلي أن الأداة ليس لها تأثير في ذاتها، ولأنها نوع من الشيفرة يخاطبنا اللاشعور بواسطته، بمعني أن المستبصر هنا يتفق مع لا شعوره علي القواعد التأويلية لمعطيات الأداة المستعملة، ويقوم اللاشعور بدوره الأساسي، فيقود الحركات اليدوية للمستبصر أو المتنبئ، ويبين له بهذه الطريقة الخفية، أحداث الماضي والحاضر والمستقبل، وكثيرا ما لاحظ (كولن ولسن) أنه يفتح كتابا للبحث عن معلومة معينة، فيفاجأ إذ يجد أمامه الصفحة المطلوبة لأول وهلة. فالحاسة السادسة، هنا، هي التي قادت يدي الباحث بصفة لا شعورية ليحصل علي المعلومة المطلوبة بسرعة، وهذا ما يحصل للمستبصر المستعين ببعض الأدوات .إن اللاشعور لا يعني فقط أنه مستودع للذكريات والخبرات الفائتة، بل يشمل كذلك آثارا متبقية من الأجداد والأسلاف مثل اللاشعور الجماعي عند (يونغ) وله اتصال بالحاسة السادسة.يتحدث الروائي غابرييل ماركيز، في روايته المذكورة مئة عام من العزلة عن الاستبصار أو طريقة التنبؤ عن طريق أوراق اللعب حيث يقول النص الروائي: وفي ليلة من ليالي قلقه، كانت فيها بيلار تيرنيرا تغني مع الجنود في الدار. أرسل في طلبها كي تقرأ له مستقبله في الورق، وفرشت بيلار تيرنيرا ورقها ثم جمعته مرات ثلاث فكان كل ما قالته: انتبه إلي فمك وأضافت لا أفهم ما يعني ذلك، لكن الاشارة صريحة: انتبه إلي فمك وبعد يومين أعطي أحد طاسا من القهوة بلا سكر إلي وصيف وهذا أعطاه إلي وصيف آخر ثم إلي ثالث فمر من يد إلي يد حتي وصل إلي مكتب العقيد أوريليانو بوينديا وما كان طلب القهوة، لكنه شربها ما دامت قدمت إليه، كان الطاس يحوي كمية من جوز القيء تكفي لقتل حصان .إن هذا المقطع الروائي يتحدث ويصف طريقة التنبؤ عن طريق اللعب وكيف أن بيلار تيرنيرا أخبرت العقيد أوريليانو إلي الانتباه إلي فمه كي لا يشرب القهوة القاتلة.5 ـ الاستبصار La clairvoyance :لقد سبق أن تحدثنا عن الاستبصار كقدرة خارج الحواس الخمس يحصل بها المستبصر علي المعلومة والمعرفة. إنه يستقبل ويتلقي الأخبار والمعلومات قبل وقوعها بمدة قليلة. إنها قدرة علي رؤية أشياء بالبصيرة لا بالعين، إنه نوع من الحدس الذي ينبه الانسان عن حدوث خطر ما.إن العقيد أوريليانو بوينديا في رواية مئة عام من العزلة له حدس معين في التنبؤ بحدوث أشياء معينة كان العقيد تلك الليلة ينهي قصيدته عن الانسان الضال تحت المطر المنهمر حينما فاجأته فتاة في الغرفة فأدار لها ظهره كي يضع الورقة في الدرج الذي يقفله علي أشعاره. وأحس بحدس فأمسك بمسدسه الذي في الدرج من دون أن يدير لها ظهره وقال لها: أرجوك لا تطلقي النار حتي إذا التفت إليها ومسدسه هو مصوب ناحيتها أنزلت الفتاة مسدسها وهي لا تدري ما تفعل، وهكذا نجح في الكشف عن أربع محاولات اغتيال ضده من أصل إحدي عشرة.. لقد بذل جهدا كبيرا في أن ينظم نبوءاته لكن جهده ذهب عبثا لقد كانت تجنيه دفعة واحدة في وميض نيّرِ خارق للطبيعة، لحظات يقين مطلقة لكنها عابرة لا تدرك، ولو أنها في بعض الاحيان كانت تلم به طبيعية لا ينتبه ساعتها إلي أنها نبوءاته، وكانت في بعض الاحيان أخري نيرة صافية، لكنها لا تتحقق (ص 115).هذا الوصف الرائع لحالة الاستبصار هي ما يقول به العلماء الذين حاولوا إخضاعها للتجربة، فكانت النتيجة أنها غير قابلة للتكرار كي يحصلوا علي قوانينها الداخلية الخاصة بها.6 ـ التخاطر بين التوائم:إن ظاهرة التخاطر بين التوائم هي ظاهرة معروفة، وتعني أنهما يحسان بشيء ما في نفس الوقت، وفي أمكنة متباعدة فيما بينهما. إن التوائم تجمع بينهما خصائص فيزيولوجية وبيولوجية ودوافع سيكولوجية، وقد يختلفان في الجوانب الاجتماعية والثقافية، ويحدث بينهما انتقال الأفكار أو الصور أو المشاعر (التخاطر) في القرب أو في البعد. تحدثنا رواية مئة عام من العزلة عن ذلك: كانا يستفيقان في اللحظة ذاتها ويحسان في الساعة نفسها بالرغبة في قضاء حاجتهما، تصيبهما الانحرافات الصحية عينها، بل إنهما يحلمان الاحلام ذاتها. كان أهل البيت يظنون أنهما يناسقان حركاتهما كي يستلذا فقط بإيقاع الناس في الخطأ ولم يدركا حقيقة أمرهما إلا حين قدمت ذات يوم القديسة صوفيا التقية إلي أحدهما كأسا من الليمون فأكد الثاني قبل أن يذوقها الأول انها كانت بلا سكر. وروت الحادثة القديسة صوفيا التقية لأورسولا وقد كانت فعلا نسيت أن تضع السكر في الكأس (ص 163) من الرواية.ہ كاتب وباحث من المغربالمراجع :ـ الظواهر النفسية الخارقة بين العلم والفلسفة والدين مزاوي المحجوب. مطبعة النجمة.ـ مئة عام من العزلة ترجمه إلي العربية د. سامي الجندي وانعام الجندي دار الكلمة.0