تعرّفت إلى ‘مارك’ في واحدة من المزارع الريفية التي يتخذها بعض الناشطين الثوريين مركزاً لهم في إحدى المدن الصغيرة في الريف الشرقي لمدينة حلب.و’مارك’ هذا هو كلب من فئة كلاب الجبال السويسرية الضخمة، كان صاحبه الثري قد تركه لدى هؤلاء الناشطين في المزرعة بعد اضطراره إلى السفر خارج البلاد. تعاطفت كثيراً مع ‘مارك’ منذ اللحظة الأولى، وقد بدت عليه بشكل واضح علائم البؤس الشديد التي تبدو بشكل عام على كل الكائنات الحية التي تعيش معنا الكارثة السورية هذه الأيام.
كان جائعاً دائماً، ومهملاً وقذراً للغاية، ويبدو عليه الإفتقار الشديد للحنان. كانت نظرته منكسرة وعيناه حزينتين قد يئستا من كل شيء.
كان منظره يدعو حقاً إلى الشفقة والرثاء على الرغم من هيكله الضخم الذي يزن حوالى مائة وعشرين كيلوغراماً.
ذلك الكائن المهيب الذي كان يحصل فيما سبق على بضعة كيلوغرامات من اللحم يلتهمها فوراً في وجبة واحدة، كان يدور الآن حولنا متوسلاً من أجل أن يحصل على بعض الخبز المتعفن أو بقايا وجبتنا من البيض المقلي، حتى أن الجوع كان ينسيه نفسه في بعض الأحيان فيذهب ليرعى الحشائش مثل الأغنام!
ولكن مع ذلك،فقد كان الإهتمام الكبير الذي أبديته بمارك مستغرباً جداَ للجميع، بمن فيهم أنا نفسي؛ ذلك أولاً لأنني أساساً إبن ريف فقير، لم أنشأ في واحدة من تلك البيئات الأرستقراطية المعروفة بشغفها بالكلاب الأجنبية، وليس بيني وبين الكلاب على اختلاف انواعها أية معرفة سابقة. وثانياً لأن الوضع المزري لهذا الكلب لم يكن، على أي حال، أكثر بؤساً من أوضاع الناشطين الثوريين أنفسهم، أو سكان المنطقة،أو آلاف العائلات السورية المشردة التي افترشت بشكل مؤقت الخيم البائسة التي تنتشر فوق أرض الشتاء الموحلة على طول الطريق المؤدي إلى تركيا القريبة. ولم تكن أكثر سوءاً كذلك من أوضاع أقرانه من الكلاب ‘المحلية’ الشاردة، ولا أخيراً من وضعي أنا شخصياً!
كان أحد الأصدقاء يقول لي بلهجته الشاوية’البدوية’ المميزة متهكماً: ولماذا تهتم به إلى هذا الحد، إنه مجرد كلب! فأجيبه متفلسفاً بأنك إذا استطعت أن تنظر إلى الكلاب على أنهم مجرد كلاب، فربما يسهل عليك فيما بعد أن تنظر إلى البشر أيضاً على أنهم مجرد بشر ومثل الكلاب أيضاً!لم أكن متأكداً تماماً من صحة هذا التفلسف الوجودي، ولكنني كنت متأكداً من وجود نوعٍ مما يمكن تسميته شعور ‘الخجل الوطني’ لدي؛ شعور فحواه أن هذا الشقاء الرهيب هو قدرنا وحدنا نحن السوريين، بشراً وحجراً وحيوانات؛الثمن الغالي الذي علينا أن ندفعه لأننا شئنا أن نتقدم رغم كل شيء في الطريق الصعب نحو عصر الحرية، ولكن ليس من المروءة أن نجعل الضيوف ‘الأجانب’ حتى لو كانوا كلاباً يدفعون الثمن معنا لمجرد أن سوء طالعهم قد أوقعهم بيننا في هذه الفترة القاسية. كان لسان حالي يريد أن يقول لمارك: لا تواخذنا يا خواجة مارك، حضرت وما حضر واجبك!
ولكن بغض النظر عن أية مشاعر ذاتية من تعاطف أو خجل أو غيرها، وبشكل موضوعي تماماً، كانت لدى مارك خاصية مميزة مثيرة للاهتمام فعلاَ مرتبطة بسلوكه ككلب؛ خاصية ‘أنثروبولوجية’إذا جاز التعبير وجاز أن نمد مصطلح الأنثروبولوجيا لكي يشمل الكلاب أيضاً. تتعلق الخاصية المقصودة بالمفهوم الذي يعتمده مارك لتكوين الهوية، وللتمييز بالتالي بين ‘النحن’ و’الآخرين’.
كانت حدود الهوية التي يعتمدها هي ببساطة الحدود الجغرافية للمزرعة نفسها. ضمن هذه الحدود كان الوطن الذي ينتمي إليه، وكل الكائنات التي داخلها هي كائنات صديقة تنتمي إلى ‘النحن’.
أما من هو خارج الحدود فقد كان يعتبره عدواً مبينا كائناً من كان. وسواء كانت دجاجة عابثة تنبش في المزبلة عند تخوم المزرعة باحثة عما تأكله، أو سيدة منزل بريئة تخرج إلى سطح المنزل المجاور لكي تجمع الغسيل، أو مجرد عابر سبيل لا يلوي على شيء، فقد كان ينبح في وجوههم جميعاً بنفس الحزم لكي يبتعدوا، لأنه كان يعتبرهم جميعاً غرباء بنفس الدرجة.كان هذا الأساس الجغرافي للإنتماء ثابتاً لديه تماماً لأنه لم يكن يميز بين الكائنات على أساس الشكل أو الطعم أو الرائحة أو على أي أساس بيولوجي آخر.
بالنظر إلى ما نعيشه نحن السوريين من تشوش واضطراب شديدين في الاختيار بين الهويات العديدة التي تطرح نفسها في وجوهنا هذه الأيام، سواء منها الحديثة التي صنعناها بأنفسنا خلال هذه السنوات الثلاث، أو تلك التي ورثناها عن الأجداد وكنا نحتفظ بها في سقيفة الذكريات القديمة، والتي لم نتخلّ عنها ولم ننظفها أبداً؛ من ثوار أو شبيحة، أحرار أوعبيد، معارضين أو مؤيدين، سنة أوعلويين، أكثريين أو أقلويين، إسلاميين أوعلمانيين، أمويين أو فينيقيين .. إلخ، وبالنظر أيضاً إلى أن حدودنا نفسها لم تعد كتيمة صلبة واضحة، بعد أن اخترقتها شتى الملل والنحل من جميع أصقاع الأرض، وباتت حدوداً سائلة تقريباً بين كرّ الكتائب المقاتلة وفرّها، وبراميل الموت التي يلقيها النظام والتي تمحي كل الآثار وكل الحدود، بحيث لم نعد نستطيع أن نميز بشكل واضح من ‘نحن’ ومن ‘الآخرون’، بل لم نعد نفهم على نحو أكيد ما الذي تعنيه ‘سوريا’ أو من هم ‘السوريون’. في مقابل كل هذه الفوضى والقلق الوجوديين الذين نعاني منهما نحن على نحو لم يسبق له مثيل، فإن ذلك الاستقرار الهوياتي المتين لدى مارك كان شيئاً مذهلاً ومثيراً للإعجاب حقاً. ولا أعرف ما إذا كانت الخاصية التي منحته هذا اليقين في الهوية نتيجة لتدريب ما، أم أنها مزروعة أصلاً في جيناته السويسرية!
لم تطل إقامتي في المزرعة كثيراً، لقد أسرعت بالخروج والعودة إلى حلب قبل أن تهجم قوات ‘داعش’ وتسيطر على المنطقة كلها. عرفت فيما بعد أن ناشطي المزرعة قد هربوا جميعاً من وجه داعش بعد هزيمة كتائب الجيش الحر التي كانت تحمي البلدة. لم أعرف ما الذي حصل لمارك، ولكنني واثق أنه بقي لكي يحمي مزرعته، وأخال أن أحداً لن يهتم بالمصير التراجيدي لكلب في خضم هذه المأساة البشرية العظيمة. ولكنني مع ذلك سأقول: مارك، كن بخير يا صديقي!
‘ كاتب سوري