يعتبر مارك توين أشهر كاتب أمريكي ساخر، كان سُوقِيًّا ومغرقاً في سوقيته، وهي الميزة التي جعلته عظيما، والسوقي هو الذي ينتمي إلى عامة الناس، ولا سلطان له، ويتحدث تارة بعفوية وغوغائية، وتارة أخرى بأقنعة مهذبة ومزينة بمسحوق فكري ساخر. يقال في معجم ابن منظور:»السُّوقة من الناس: من لم يكن ذا سُلْطان، الذكر والأُنثى في ذلك سواء، والجمع السُّوَق، وقيل أَوساطهم؛ قال زهير:
يَطْلُب شَأو امْرأَين قَدَّما حَسَناً نالا المُلوكَ وبَذَّا هذه السُّوَقا
لقد كتب مارك توين عن وحشية الإنسان النبيل وعن الضمير والغريزة والعقل والفطرة، ورأى أنّه لم يتطور، بل انحدر إلى المجهول، مسار الارتقاء «الدارويني» عنده معكوس، هو انتقال من الغريزة إلى شيَع الاعتقاد، إلى السلالة الشيطانية المتعقِّلة. ولا يبدو هذا الانحراف انتهاكاً للغريزة وحسب، بل لعنة الوجود، وفيضانا من الجحيم يسكنه الشيطان بمذهب أخلاقي رفيع. كان يسمى في النقد التقليدي النظام، وحلت محله، اليوم، لفظة الأيديولوجيا. لست في حاجة إلى التنقير في الكتابات التي حررها الأيديولوجيون، لإثبات صدق نوايا مارك توين، وإضفاء شرعية الإخلاص والنزاهة على أفكاره، بل يمكن تلقف ذلك من وجوه من تحملوا وزرها، أو ممن «يخالفوننا الملة» كما يقول ابن رشد، لقد تصورت الماركسية الإنسان مادياً وجرّدته من روحه، والرأسمالية شَيَّأتْهُ (Chosification) واعتبرته كائناً حيوانياً له رغبات، أما الملائكة فقد شهدت أمام الله بأنّه فاسد في الأرض وسافك للدماء. لولا أن الله يعلم جهله وضعفه فعلّمه الأسماء كلها. قال تعالى في سورة البقرة «قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تعلمون».
والحق أن لكل انحراف سببه، لا شيء يتم بدون علّة، والسبب الوحيد الذي جعل الإنسان ينزاح عن قريحته الأولى، حسب مارك توين، هو «ضمان إرضاء الذات»؛ فتصرفاته تصدر عن دافع لا يعنيه إلا «إرضاء الذات». فصار ملبوسا بشيطان شهواني، تكبر مهارته أو تصغر بالهستيريا، أو التنبؤ، أو العدوانية المفرطة والتضخيم البهلواني المسعور. والسعي نحو امتلاك وعي حربائي للتستر على هذه الصفات وتحقيق المجد الأعظم؛ إما ببصيرة القديسين أو جنون بروميثيوس الذي دفع المهووسين إلى ارتكاب الخطيئة كي يصيروا آلهة.
لم يمجد مارك توين إنسانية الإنسان، وإنما انحاز إلى غريزة الحيوان التي ظلت ثابتة، ولم تنحدر إلى المجهول، وإذا استعرت قولة غوديل يمكن القول، إن الإنسانية عند مارك توين هي: «حكاية مفعمة بالضجيج والغضب التي يحكيها أبله ولا تعني شيئا»، والتوبة والاعتراف بارتكاب الذنوب والآثام في الأديان السماوية، هما نتاج الانحراف المفارق للغريزة نحو تمجيد الإنسان وحده، دون غيره من الكائنات الأخرى، لا لكي يعيش معاً كقطيع برية، بل لجلب الحشد والانتقام والصراع، وبناء القوة للتنظيم والسيطرة.
ولا أغلو إذا قلت إن ابن طفيل في «حي بن يقظان» لجأ إلى تجربة فكرة أخرى للإنسان وهي فكرة «مثالية الكائن» في سليقته الأولى. من الممكن إجراء موازنة ومقارنة بين ابن طفيل، ومارك توين، الأول مجد الإنسان الساعي نحو الارتقاء بنفحة صوفية، والثاني يرى عكس ذلك، ربما هذا الأخير قرأه واستطاع أن يحصل على رؤية مخالفة؛ مثل الحاجة إلى تراجيدية فردانية، وعلاقة الإنسان بمحيطه، ذلك أن كلاهما جردا الإنسان من إنسانيته، لكن الأول (ابن طفيل) جعله صفحة بيضاء، والثاني رأى أن هذه الصفحة البيضاء ملئت وفق هواه الذاتي وسلطانه القاسي والاستعلائي.
لقد وصل الإنسان عند مارك إلى مرحلة النضج، وعلا فوق الحقيقة، طولاً وعرضا، لتنتقل رؤيته من البحث عن الحقيقة والحياة (حي بن يقظان) إلى رؤية بطولية ضخمة، وعلى قدر عظيم من القوة؛ فدّمر وخرّب وهدّم (مشكلة الحياة). وأتى الصراع بكل ما يحمله من «متطلبات مثالية»، تقدمية أو تأخرية، من أجل خطة النضال التي تحمس لها الزعماء، وبسطوا سلطانهم بأيديولوجية من صميم الذات المتعجرفة بلا حدود ولا شذوذ، وتألهوا في ما بعد.
ماذا فعلت الأيديولوجيا في الإنسان؟ خرّبته من الداخل، وقصمت ظهره، وجعلته بدون بوصلة: نتشوي، بنيوي باشلاري، هيدغري، هيجيلي، وجودي، صوفي، رومانطيقي مادي، عقلاني ديكارتي، أو نقداني كانطي. وكل جهة لا ترى الحقيقة من خارج نصها، فظهر شرّاح ومقلّدون وحرّاس مدافعون لا يتعبون، مهما تصارعوا مع الذنوب، وارتكبوا الخطايا، فهذا صراطهم المستقيم. لقد حذّرنا باشلار من أنه: «ما إن يتقبّل الفكر الطابعَ المادي لظاهرة فريدة، حتى يفقد كل ورع عن حماية ذاته من الاستعارات». والاستعارة نفاق لغوي، يوظفه «المناور الشيطاني الشرش الذي يظل على الدوام رهينة حزب إبليسي». في هذا الصدد، وفيه فقط، سعى الإنسان نحو امتلاك ضلع الشر، وقواه الشريرة، فأصبح لا يعترف، إلا بما يوافق رأيه أو يصادف هوى في نفسه، فمات الضمير وصار شقيا.
في قصته «الغريب الغامض» يثبت السُوقِي مارك توين أن أصل شقاء الإنسان ومصدر تعاسته هو: «إحساسه بالذنب، واشمئزازه من هذا الشعور يجعل منه محامياً للشيطان ومدافعا عنه»، تارة بمذهب أخلاقي يظهر عبره الإرادة الصالحة ويخفي السلوك المسوّس، المليء بالشكوك والريب، وتارة أخرى الاعتراض بأمانة أيديولوجية منقحة ومكيفة على هواه.
باحث مغربي