في الخامس من حزيران/يونيو الماضي انتخبت ماريا فرناندا إسبينوزا، وزيرة خارجية الإكوادور لمنصب رئيسة الجمعية العامة لدورتها الثالثة والسبعين. وهي أول امرأة من أمريكا اللاتينية تتولى المنصب ورابع امرأة في تاريخ الأمم المتحدة.
إسبينوزا حملت معها إلى المنصب أكثر من 20 عاما من الخبرة في المفاوضات الدولية والسلم والأمن والدفاع ونزع السلاح وحقوق الإنسان والشعوب الأصلية والمساواة بين الجنسين والتنمية المستدامة والبيئة والتنوع البيولوجي وتغير المناخ والتعاون متعدد الأطراف. كما عملت وزيرة لخارجية بلادها مرتين، ووزيرة للدفاع الوطني، ووزيرة للتراث والثقافة.
شغلت منصب رئيسة لمجموعة الـ77 والصين حتى نهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي، وشغلت أيضا منصب رئيس جماعة الأنديز للنساء الأصليات. وفي الدورة السادسة والخمسين للجنة شجعت على اعتماد القرار الذي قدمته إكوادور المعنون “نساء الشعوب الأصلية: العناصر الفاعلة الرئيسية للقضاء على الفقر والجوع” وكانت المفاوض الرئيسي في المؤتمرين السادس عشر والسابع عشر لأطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. وفي مؤتمر ريو + 20 للأمم المتحدة بشأن التنمية المستدامة يسّرت اعتماد العناصر الرئيسية في الوثيقة الختامية المعنونة “المستقبل الذي نريد”.
وفي عام 2008 عينت إسبينوزا سفيرة لإكوادور لدى الأمم المتحدة في نيويورك وخلال ذلك الإعلان، قامت بتشكيل الفريق العامل المعني بتنشيط أعمال الجمعية العامة في دورتها الثالثة والستين، كما قادت الجهود على المستوى العالمي نحو تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية.
نشرت أكثر من 30 مقالة أكاديمية حول منطقة الأمازون والثقافة والتراث والتنمية المستدامة وتغير المناخ والملكية الفكرية والسياسة الخارجية والتكامل الإقليمي والدفاع والأمن وهي تعمل الآن على إنهاء دراسة الدكتوراه في الجغرافيا البيئية من جامعة رتغرز في نيوجرسي، وهي حاصلة على درجة الماجستير في العلوم الاجتماعية والدراسات الأمازونية ودبلوم الدراسات العليا في الأنثروبولوجيا والعلوم السياسية من كلية الشؤون الخارجية في أمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى درجة البكالوريوس في علم اللغة التطبيقي من الجامعة الكاثوليكية في الإكوادر.
“القدس العربي” أول صحيفة عربية تلتقي رئيسة الجمعية العامة في دورتها الحالية وأجرت معها هذا الحوار الشامل:
* نبدأ من نقطة ما فتئت ترددينها منذ انتخابك، تنشيط الجمعية العامة وتفعيلها. كيف؟
** تفعيل الجمعية العامة عملية متواصلة وليست حدثا. لقد بدأت عملية التنشيط والتفعيل منذ أكثر من عقد من الزمان. هناك تفويض من الدول الأعضاء لإنجاز عملية التطوير والتنشيط والتفعيل عن طريق تجميع طاقات الدول الأعضاء لتحسين عمل الجمعية العامة وكذلك رفع مستوى قدراتها على اتخاذ القرارات. وهذه ليست عملية سهلة. خذ مثلا من أهم إنجازات عملية التفعيل والتحديث هو كيفية اختيار الأمين العام. لم يعد الأمر متروكا للمجموعات الجغرافية. لأول مرة تتم مناقشة المترشحين من الدول الأعضاء ويكون اختيار الأمين العام أكثر عدلا وعلى أساس الكفاءة. والشيء نفسه بالنسبة لاختيار رئيس الجمعية العامة وأنا لأول مرة خضعت للنظام نفسه مع منافستي من الهندوراس. وهذا يعطي الدول الأعضاء دورا مهما في اختيار الأمين العام ورئيس الجمعية العامة. كذلك مسألة شفافية مكتب رئيس الجمعية العامة. كل شيء واضح ومكشوف أمام الدول الأعضاء. هناك قضايا ما زالت قيد البحث مثل ترتيب عمل الجمعية العامة وتجنب التكرار ومراجعة الأجندة السنوية ومراجعة القرارات التي تزيد عن الأربعمئة سنويا، كل لجنة تصدر أكثر من 70 قرارا وعلينا أن نتابع تلك القرارات وكيفية تنفيذها. باختصار الجمعية العامة هي الجهاز الأكثر ديمقراطية في كل منظومات العمل الجماعي والمتعدد الأطراف، فالعضوية فيها عالمية، كل واحد له صوت بغض النظر عن حجم الدولة وعدد سكانها وكل واحد أمامه الميكروفون والحق نفسه في الكلام والتصويت.
* لكن تقاسم القوة في المنظومة الدولية غير عادل وخاصة في مجلس الأمن الذي يعكس صورة العالم كما كان عام 1945 وليس عالم اليوم. وهناك نداءات وجهود متواصلة بتغيير الوضع القائم وجعل مجلس الأمن أكثر تمثيلا لقوى اليوم. فما رأيك في موضوع إصلاح مجلس الأمن؟
** هذه أيضا عملية مستمرة منذ نحو 25 سنة. وهناك قرار اتخذ عام 2008 اعتمد من قبل الدول الأعضاء. ونحن الآن بعد عشر سنوات من اعتماد قرار إصلاح مجلس الأمن. والحوار ما زال مستمرا. هناك تقدم لكن ليس كافيا ودوري هو أن أجد توافقا واتفاقا بين الدول الأعضاء على كيفية الإصلاح. هذا جزء من مسؤولياتنا. علينا أن ننجز مهمة الإصلاح وأن نتابع عملية الحوار بين مجموعة الأفكار المطروحة بين من يريد التوسيع والإصلاح وبين من يريد أن تبقى الأمور كما هي عليه الآن إضافة إلى وجود فريق ثالث يضم عدة أفكار واقتراحات تختلف من مجموعة إلى أخرى. هذا موضوع صعب وخلافي ولا يوجد اتفاق حوله ويجب أن نعترف بهذا الأمر.
* ألا ترين أن كثيرا من المواضيع التي تقع ضمن اختصاص الجمعية العامة قد رحلت لمجلس الأمن عمدا من قبل بعض الدول دائمة العضوية مثل الفقر وجذور الصراعات والأطفال في النزاعات المسلحة والتنمية والشباب والمرأة، وقد انتقد سفير جنوب افريقيا هذه الممارسات من قبل. فهل أبقى مجلس الأمن مواضيع مهمة للجمعية العامة لبحثها؟
** هيكل الأمم المتحدة عبارة عن منظومة في غاية التعقيد. هناك أجهزة رئيسية ستة كما تعرف تبدأ بمجلس الأمن ثم الجمعية العامة فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس الوصاية ومحكمة العدل الدولية والأمانة العامة. هناك بعض التداخل في المهمات وعلينا أن نتأكد من تناسق أعمالنا وأننا قادرون على الإنجاز وأننا متفقون على توزيع المسؤوليات بين الأجهزة. وهناك آلية قرار “الاتحاد من أجل السلام” والذي يحول الموضوع من مجلس الأمن إلى الجمعية العامة في حالة عجز المجلس عن اتخاذ قرار وقد حدث هذا مرارا. لكن من المعروف أن المسائل المتعلقة بالسلام والأمن الدوليين هي أساسا من اختصاص مجلس الأمن. وأحيانا يرى أعضاء مجلس الأمن أن بعض المواضيع تتعلق بمسألة الأمن والسلم فيأخذونها إلى مجلس الأمن. ولكن هذه قرارات تتخذها الدول الأعضاء. بالنسبة لي المهم هو الإنجاز والتقدم. كل جهاز يجب أن ينجز وأن يظل مخلصا لأحكام الميثاق. والجمعية العامة لديها رزمة مسؤوليات وتفويضات مهمة جدا وعلينا أن ننفذ وننجز. لقد اتخذت مبادرة بداية من تشرين الأول/اكتوبر وهي أن أعقد اجتماعا شهريا مع رئيس مجلس الأمن للتنسيق والمراجعة وسأستمر في هذا.
* الجمعية العامة تمثل العولمة والدبلوماسية متعددة الأطراف لكن هناك هجوما على العولمة من دول مهمة ترفع شعارات الوطن أولا. كيف التوفيق بين هذه الاتجاهات البعيدة عن التعددية والتحديات الكونية التي لا يمكن أن تحل إلا عبر جهود كونية؟
** صحيح. هناك من يقول إن العولمة والعمل الجماعي تحت التهديد وأن الأفضل هو أن كل دولة تهتم بمصالحها. لكن الرسائل القوية التي سمعتها من المجتمع الدولي ومن رؤساء الدول والحكومات الذين زاد عددهم عن 130 إضافة إلى 100 وزير تقول العكس تماما. حقيقة أنهم قدموا إلى هذا المكان تحدثوا جميعا عن قضايا عالمية تهمهم وعن تحديات تواجههم. لقد استمعت لـ 196 خطابا خلال أسبوع المناقشة العامة رفيعة المستوى ومن بين تلك الكلمات 192 خطابا امتدح العمل متعدد الأطراف والحاجة إلى أمم متحدة قوية وقادرة. وهناك تأييد كبير للشعار الذي اخترته للدورة الثالثة والسبعين وهو “جعل الأمم المتحدة أكثر قربا وأهمية لكل الناس”. وعلينا ألا نرى الأمور بعدسة إما هذا أو هذا، أي إما حماية المصالح الوطنية أو العمل الجماعي من خلال العمل ضمن الآليات متعددة الأطراف. الأمور ليست هكذا إما… أو. نعم هناك مصالح وطنية يمكن لكل دولة العمل على حمايتها لكن هناك أيضا تحديات عالمية لا تستطيع دولة بمفردها مواجهتها مهما كانت قوية فالتحديات العالمية تحتاج من أجل مواجهتها جهودا عالمية.
* عودة إلى شعارك لهذه الدورة “جعل الأمم المتحدة أكثر قربا وأهمية لكل الناس” في انتخابات مجلس حقوق الإنسان التي أشرفت عليها يوم الجمعة الماضي، انتخبت بعض الدول المعروفة بانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان في بلدانها. ألا يعطي ذلك رسالة خاطئة حول منظومة الأمم المتحدة؟ ألا يمكن أن يكون هناك أسلوب يأخذ بعين الاعتبار سلوك الدولة وسجلها في احترام حقوق الإنسان كي تكون مؤهلة للانتخاب لهذا الجهاز المهم؟
** من ناحية نظرية ما تقوله صحيح. فمن المفروض أن تتم مراجعة سجل الدولة المرشحة لمجلس حقوق الإنسان كي تكون مؤهلة للخدمة في هذا المجلس المهم المكون من 47 دولة. هذا يبدو منطقيا. ولكن لو سألنا من الذي سيراجع سجل هذه الدول؟ من الذي سيقرر مَن مِن الدول سجلها نظيف ومن سجلها سيئ؟ من سيكون القاضي الذي يحاكم هذه الدول؟ نعود ونقول الدول نفسها. المجموعات الجغرافية التي تقرر من يمثلها في المجلس. لكن كل من يصل المجلس ممثلا لمجموعته عليه أن يلتزم باللوائح والحد الأقصى من التصرف المنسجم مع مبادئ حقوق الإنسان ويعمل بطريقة مهنية بعيدة عن التحيز بهدف خدمة الإنسان واحترام كرامته.
* لو أردنا أن نصنف تحديات عالم اليوم حسب الأولوية فما هي تلك التحديات في رأيك وكيف سنواجهها؟
** هناك العديد من التحديات. لقد قمت بمراجعة كافة القضايا المطروحة على جدول أعمال الجمعية العامة وما اعتمدته من قرارات وتفويضات وخلصت بعد المشاورات مع العديد من الدول الأعضاء أيضا إلى اعتماد سبعة تحديات أساسية سأعمل على مواجهتها خلال السنة التي أرأس فيها الجمعية العامة. وهذه التحديات هي: المساواة بين الجنسين، تمكين المرأة اقتصاديا وسياسيا، قضايا المهاجرين واللاجئين، العمل اللائق، السلم والأمن، والمنهج الوقائي، تفعيل الأمم المتحدة، وهذه تضم ثلاث مسائل: تفعيل الجمعية العامة، وتنفيذ قرارات إصلاح المنظمة الدولية وإعادة تشكيل وتوسيع مجلس الأمن، وكذلك قضايا البيئة والتغير المناخي وصولا إلى مؤتمر القمة 2019 وهذا يتضمن الحملة العالمية للتخلص من البلاستيك وتلويث المحيطات وأخيرا حقوق الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة. ولو راجعت الـ 196 خطابا التي ألقيت في المناقشة العامة ستجد هذه التحديات مذكورة ومكررة في معظم الكلمات.
* سأتطرق الآن إلى موضوع آخر وهو الشرق الأوسط وأنت عليمة بقضاياه خاصة أنك كنت سفيرة لبلادك عام 2008 وكان موقفك واضحا وقويا في حرب 2008/2009 على غزة. لقد عجزت المنظمة الدولية عن حل القضية الفلسطينية بعد أكثر من 70 عاما من التشرد و51 من الاحتلال. هناك العديد من القرارات التي اعتمدت في الجمعية العامة ومجلس الأمن. ما هي رسالة رئيسة الجمعية العامة للشعب الفلسطيني؟
** هناك التزام من المجتمع الدولي، وهو مدين للشعب الفلسطيني، وقلت ذلك مرارا بإيجاد حل سلمي لقضيتهم. الأمم المتحدة كنظام بقيت ملتزمة بقضية الشعب الفلسطيني والأمر في غاية الصعوبة، لكن هناك قرارات عديدة تؤكد على حل الدولتين منذ زمن طويل. كما أن هناك التزاما بالقضايا الإنسانية للشعب الفلسطيني من جانب الأمم المتحدة والأمين العام وكل أجهزة الأمم المتحدة التي تعمل في هذا المجال وخاصة وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”. هناك قلق حول قدرة الأونروا على الاستمرار وقد عقد اجتماع شاركت فيه على هامش المناقشة العامة رفيعة المستوى لجمع تبرعات إضافية للأونروا وكان الاجتماع ناجحا جدا. والآن نريد أن نتأكد ان تمويل الأونروا موجود ومتواصل ومستدام. والأهم من ذلك هو الدفع في اتجاه المفاوضات نحو حل سلمي للنزاع وإنني أدعو إلى الالتزام بقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وتنفيذها.
* نظرة إلى الشرق الأوسط كذلك نجد نزاعات مستمرة منذ سنوات في سوريا واليمن وليبيا. اليمن على شفا مجاعة كارثية. مرة أخرى يفشل المجتمع الدولي في التصدي لتلك النزاعات وحلها خاصة في ظل انقسامات داخل مجلس الأمن في مثل القضية السورية، كيف يمكن إعادة النظر في قرارات مجلس الأمن وتفعيلها بالنسبة لهذه النزاعات 2216 لليمن و2254 لسوريا و2259 لليبيا؟
** هذه أمور مهمة. وكما قلت إن البداية تنطلق من الالتزام بمبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة الذي يدعو لتسوية النزاعات بالطرق السلمية. نعم مجلس الأمن هو الجهاز المنوط به التصدي لقضايا النزاعات المتعلقة بالأمن والسلم الدوليين وتنفيذ ما يتوصلون إليه من قرارات والعمل على وقف النزاعات التي تستمر لسنوات ويذهب ضحيتها الأبرياء من المدنيين كما هي الحالة الآن في اليمن. هناك عمل دؤوب لإيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين. هذا شيء قليل لكن قد يعطي بصيصا من الأمل كي يعود الأطراف إلى المفاوضات والبحث عن حل سياسي للنزاع. الحلول تكون بالمفاوضات، بالوساطة، ببناء الاجماع والتفاهم المشترك. هذه المنظمة تقوم على الحلول السلمية والعمل الوقائي وأنا أعتقد أننا يجب أن نوسع من أعمالنا الوقائية لمنع نشوب الصراعات سلفا.
* هل لديك برامج لزيارة مناطق النزاع مثل غزة ربما ليبيا أو مناطق أخرى؟
** سياستي تقوم على الالتزام بكوني أولا ميسرة لأعمال الجمعية العامة هنا وضمان سيرها في الطريق الصحيح. كرئيسة للجمعية العامة سأكون غالب الوقت هنا ولكن وفي الوقت نفسه سأحاول أن أكون قريبة من القضايا الميدانية التي في حاجة لوجودي وسأقوم بزيارات لمناطق النزاع ولدول تتعلق بولايتي في الجمعية العامة وإذا دعيت من طرف ما لزيارة منطقة نزاع فسأعمل على تلبية الدعوة.