مارينا أبراموفيتش: حُبٌ غير مشروط وعشاء مع جون بوديستا

عند الدخول إلى شقتها سيجد الزائر اسمها مكتوباً على لافتة أسفل مجموعة التسجيلات كالتالي: «الاسم مارينا أبراموفيتش، الكوكب: الأرض – هدية من طُلابك». بخلاف ذلك، لا يوجد في الشقة سوى القليل للتذكير بأن نجمةً عالميةً تعيش هناك، وباستثناء المنطقة السكنية فإن الشقة التي تعيش فيها أبراموفيتش في نيويورك ـ منطقة سوهو- كانت وفقاً لإعلان «معروضةً للبيع منذ بضع سنوات». في سويسرا وفي الفترة التي امتدت من 25/10/2024 إلى 16/02/2025، خاطبت مارينا أبراموفيتش العالم: « أحاول كسر كل المحظورات في أعمالي». حدث ذلك في متحف الفن – زيوريخ الذي شهد أول معرض استعادي كبير لليوغسلافية الأمريكية. يتضمن المعرض أعمالاً من جميع المراحل الإبداعية وعروضاً مميزة، وعملاً تفاعلياً جديداً، حيث يتعين على الزوار المرور عبر بوابة ضيقة يحيط بها شخصان عاريان تماماً في إنتاج جديد لمسرحية Imponderabilia وهو الأداء الأيقوني لمارينا أبراموفيتش وشريكها الفني أولاي منذ عام 1977، الذي يثير مواجهة حميمة وخجلاً قل عند معظم الناس.

في متحف زيوريخ، وفي الكثير من العروض، لم يتجمع إداريو المتحف ورؤساء تحرير مجلات ثقافية شهيرة لالتقاط صور مع فنانة، أو فنان كما فعلوا مع مارينا أبراموفيتش، ولم يكونوا قريبين من بعضهم بعضا لدرجة جعلتهم محشورين في كواليس غرفة التخزين: آن ديميستر مديرة متحف الفن في زيوريخ، مايكل رينغيير جامع الأعمال الفنية، سوزان فالدر رئيسة تحرير Ringier المجلة الثقافية السويسرية وميريام فارادينيس أمينة المعرض، بالإضافة إلى أبراموفيتش التي نظمت ذلك المشهد، حيث يبدو أن أبراموفيتش أرادت أن يكون ذلك القرب الجسدي حبساً قمعياً، وتجاوزاً للحدود الجسدية والعقلية، وهو ما يُعَدُّ أيضاً أمراً ضرورياً لأيقونة الفنون الأدائية في الصورة الجماعية خلف الكواليس. «هذا جيد سآتي معكم!» قالت أبراموفيتش بعد موافقتها على التقاط الصورة!
بعد زيارتها في شقتها في نيويورك ـ منطقة سوهو، وقبل وصولها إلى زيوريخ بخمسة أيام وبتاريخ 20/10/2024 كتب الصحافي السويسري أندرياس توبلر في الملحق الثقافي الأسبوعي لليومية السويسرية تاغز أنزايغر: «خاطرت مارينا أبراموفيتش بحياتها مراراً وتكراراً وكادت تموت عدة مرات، على سبيل المثال لا الحصر، عندما قام زائر أحد عروضها بوضع مسدس محشو على رقبتها، والذي أعدته أبراموفيتش مسبقاً على طاولة مع سبعين شيء آخر بما في ذلك السلاسل والورد وشفرة الحلاقة!». «أنا الكائن»، كتبت أبراموفيتش كنوع من التعليمات. وفي مرة أخرى، قام شريك حياتها أولاي بتصويب نبلة قوس مُوَجَّهة مباشرة نحو قلبها، إذ كان أدنى خطأ في ذلك سيودي بحياتها، لكنه زاد من شهرتها!، وقتها علَّقتْ أبراموفيتش: «كان من الواضح أن الناس كانوا على استعداد للاحتجاج، لكن هذا بالضبط ما أردتُ الإدلاء ببيان ضده من خلال مطالبتي بالحب غير المشروط». مارينا فنانة تتمتع بخبرة حياتية تزيد عن سبعة عقود، ولدت في بلغراد عام 1946 وحاولت تنظيف جبل من عظام الماشية كجزء من أحد عروضها عام 1997 في ذروة حرب البلقان المأساوية.

أولاي ومارينا أبراموفيتش على سور الصين العظيم
في سبعينيات القرن العشرين التقت أبراموفيتش شريكها أولاي، وطوّر كل منهما الآخر وكان من أهم أعمالهما المشتركة العمل الأدائي: «في مساحة معينة» الذي كان أداءً بلا جمهور، فجلسا ظهراً لظهر مقيَّدَين معاً بشعرهما المتحرك! وفي ذروة علاقتهما، التقى أولاي ومارينا أبراموفيتش ببعضهما بعضا على سور الصين العظيم لمدة 90 يوماً، وعندما واجها بعضهما بعضا في ممر جبلي، انفصلا على المستوى الشخصي والمهني، وكان ذلك في صيف عام 1988. لعقود من الزمن كان الشريكان قد تجادلا حول حقوق النشر، وانتهى بهما الأمر باللجوء إلى القضاء. وقتها صرحت أبراموفيتش لتلخص علاقتهما: «هذا الصباح، أردنا أن نقتل بعضنا، ثم سامح كل منا الآخر». وتضيف: «لقد كان الأمر مريحاً بالنسبة له». أما على هاتفها الخليوي فتُظهر أبراموفيتش آخر صورة لشريكها السابق: «انظروا إلى عينيه، إنه أولاي المُسالم الذي كان يعلم أنه سيموت قريباً. لم يكن خائفاً، وبعد عشر دقائق من التقاط الصورة، مات أولاي».
في كونستهاوس زيوريخ ابتكرت أبراموفيتش طريقة استكشاف للحضور الكامل في المكان والزمان، حيث يبدأ المتطوعون بفصل الأرز عن العدس وعد حبات الأرز. بالنسبة لأبراموفيتش، تأتي النقطة الحاسمة عندما يبدأ المتطوعون بِكُره التمرين والغضب فبمجرد الانتهاء منه سيشعر المتطوعون بالهدوء والاسترخاء الشديدين، ويتوقف الزمن عن الوجود»!
مؤخراً، ظهرت أبراموفيتش في مهرجان غلاستونبري، وهو أحد أهم مهرجانات الهواء الطلق في العالم، كعلامة سلام أمام جمهور الحفل الذي قُدِّر بـ25000 شخص، وَدَّعتْهُمْ بصمت لتخوض حربها البيضاء في العالم، وتخاطب الشرق الأوسط مدة سبع دقائق أهم ما جاء فيه: «العنف يؤدي إلى المزيد من العنف، والمظاهرات ستؤدي إلى المزيد من المظاهرات، لكننا هنا نحاول شيئاً ما. إننا نريد أن نمنح الآخرين حُبّاً غير مشروط. يجب على كل زائر أن يضع يده على كتف جاره مباشرةً». قالت ذلك ووقفت بين الجمهور حاملةً العديد من أعلام فلسطين.
تريد أبراموفيتش أن تعيش أكثر من مئة عام، كما صرحت في متحف زيوريخ صباح يوم افتتاح العرض الاستعادي الأضخم لأعمالها، وهذا ما يهمها، لأن حوالي ربع قرن سيكون ضرورياً. فما يزال أمامها الكثير لتفعله، وهي تعمل حالياً على الانتهاء من كتالوج معرضها في شنغهاي، وفي الوقت نفسه، تعمل على المشروع الذي كانت متحمسةً جداً له، فمن المفترض أن يدور الفيلم حول طقوس قديمة: عندما كانت الفيضانات في القرى لا تترك شيئاً للأكل، خرجت النساء في القرن الرابع عشر إلى الحقل، حيث رفعن تنانيرهن للهروب مع مهابلهن العارية خوفاً من الآلهة. تريد أبراموفيتش استحضار تلك الطقوس إلى المسرح مع 24 امرأة لمدة أربع ساعات. بالنسبة لأبراموفيتش، يدور فيلم Cr حول القوة المذهلة للعضو الجنسي الأنثوي.

الاقتراب من الموت وعشاء مع جون بوديستا
كانت تجربة الاقتراب من الموت التي عاشتها مؤخراً مختلفة: فقد بقيت في وحدة العناية المركَّزة لمدة ستة أسابيع، بسبب تمدد الأوعية الدموية، وعانت من تضخم الشرايين! تعلق رائدة الأداء أبراموفيتش: «كان ذلك فظيعاً». لأنه على عكس عملها الفني حيث يمكنها التحكم في المدى الذي تريد الوصول إليه والذي يتطلب في كثير من الأحيان عدة أشهر من التحضير، فإن تمدد الشرايين أدى إلى إسعاف المرأة البالغة من العمر سبعةً وسبعين عاماً إلى غرفة الطوارئ. عن تلك التجربة المجنونة قالت أبراموفيتش: «أخبرني الطبيب أن كل شخص منا لديه منظومة أوعية دموية واحدة!» تلك المغامرة الخطيرة كانت معجزةً شارفت من خلالها على الموت ووثقت ذلك على هاتفها المحمول.
يوم افتتاح معرضها الاستعادي الأول في زيوريخ ارتدت فستاناً أبيض كما بدا شعرها الأسود النفاث فضفاضاَ للإيحاء بأن ذلك العرض الاستعادي، يعكس قيامةً أخرى لمجمل أعمالها، وعلى الرغم من الإقبال الكبير على عرضها الضخم في زيوريخ، إلا أن الشائعات ما تزال تطاردها في الولايات المتحدة، حيث لم تنجُ من هجوم الصحف الأمريكية على مواضيع أدائها، ففي أحد عروض الأداء دخلت المكان وبدأت تكتب على الجدار بدم الخنزير، وبالخط العريض ما سمتهُ «الطبخ الروحي» وبعدها صارت تكتب وصفات لهذا الطبخ، إحدى تلك الوصفات: «امزج حليب الثدي الطازج مع السائل المنوي الطازج واشربه» الأمر الذي حدا بإحدى الصحافيات بالتساؤل عن ماهية رسالة الفن في ذلك!

حسب رأي أبراموفيتش، أن كل تلك الضجة التي أثارتها وسائل الإعلام الأمريكية ضد أبراموفيتش كانت بسبب الإيميل الذي أرسلته إلى جون بوديستا مدير الحملة الانتخابية لهيلاري كلينتون، لتناول العشاء معها في شقتها كانت مجرد زوبعة إعلامية تَدَخَّل فيها خصوم سياسيون للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة من أجل تلطيخ سمعة الديمقراطيين والإساءة إلى مارينا أبراموفتش، وكانت التهمة الموجهة لأبراموفيتش أنها تستخدم دم الحيوانات للاتصال بعالمها الروحي المرتبط بالفن!
ردت مارينا على ذلك عبر «آرت نيوز» كما وثقت ذلك صحيفة «الغارديان» بعددها الصادر بتاريخ 4/11/2016 بمقال كتبه الصحافي بنيامين لي، ومما جاء فيه: «تحدثت أبراموفيتش عن ردة فعلها اليوم على آرت نيوز: «أنا غاضبة، لقد كان مجرد عشاء عادي وكانت قائمة الطبخ في الواقع مجرد قائمة عادية، والتي أُسَمّيها الطبخ الروحي. لم يكن هناك دم ولا أي شيء آخر. نحن فقط نطلق على الأشياء أسماءً مضحكة، هذا كل شيء». كما أكدت أن أولئك الذين يشيرون إلى الجسد في أعمالها على أنه شيطاني مخطئون: «عملي يتعلق بالروحانية أكثر من أي شيء آخر، لقد كنتُ أقوم بعملي لفترة طويلة، وهذا سوء فهم. إنه أمر شائن ومثير للسخرية، لقد تحوِّل هذا العالم إلى جحيم، أنا مندهشة تماماً، لقد تم إخراج شيء ما من سياقه بغرض الفوز بالانتخابات. أيُعقَل أن نعيش في عالم غريب كهذا؟»

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية