لا يريد الشاعر الويلزي المولود منذ مائة عام تقريباً آر.إس.توماس في قصيدته فن الشعر أن يٍسأله أحد ـ حتى هو نفسه ـ عن وَصْفةٍ للقصيدْة ويفسر ذلك بأن الشعر كان ولا يزال يتواصل فينا منذ زمن ما..غيرأنه يُعرِّف الشعر بأنه سِحر منسوج من أحرف صامتة وصائتة في غياب المنطق.الشعر فقط يصل العقل بطريق القلب.كذلك يطلب توماس في قصيدته تلك ألا يسأله أحد عن قافية للقصيدة وألا يؤمن إلا بإيقاع الحياة لأن اللغة تخادع إن استطاعت وكذلك النحو وسيلة الكلمات لتكبيل الروح. وكما أن توماس لا يمتلك وصفة للقصيدة / الشعر فإن كثيرين حاولوا امتلاك هذه الوصفة ليتوصلوا لتعريف الشعر لكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً في نهاية المطاف. لذلك أرى أنه من الأفضل أن نترك لأنفسنا مساحة ما تستمتع فيها بالشعر الشعر بعيداً عن النظريات والتنظيرات التي لا مكان لها سوى في أمهات الكتب.علينا ألا نرهق عقولنا ومنطقنا في رحلة بحث عن تعريف للشعر عاد كل من ذهب فيها بخفيّ حنين.
عتبة أخرى
هذا ما يفعله ـ تحديداً ـ مازن نجار الشاعر السوري في ديوانه (عندما كنت صغيراً كانت المآذن أعلى) والذي صدر عن دار أروقة للدراسات والترجمة والنشر بالقاهرة..وفيه يبحث نجار عن ماهية الشعر والإحساس بمفرداته وبصوره وبتراكيبه ولا يبحث عن تعريف نظري له.وعلى غير العادة يجعل نجار متن قصيدة كاملة عنواناً لديوان..أما عنوان القصيدة فهو مقارنة.يقسم النجار ديوانه هذا إلى أقسام أربعة:كائنات (27 قصيدة) ـ منطق الطير (13 قصيدة) ـ أنوات (25 قصيدة) ـ هي (10 قصائد).
بداية يهدي نجار ديوانه هذا إليه هو الوحيد بين العالمين الذي لا يستحق ما كتب.. يهديه إليه علَّ المُهْدَى يتعلم من المُهْدِي.وقبل أن يُدْخل القاريء إلى باحات ديوانه ويعرفه إلى نصوصه يستوقفه مرتين أولاهما ليقول له: تلك الأقوال المقالة..تلك الحِكم التي كانوا يقتبسونها..وما كنت أفهم شيئاً منها..لن أثبتها في صدر ديواني. ويوقعها بـ (لا أحد). والوقفة الثانية يعنونها بـ (باب بلا جدران) معتبراً إياها عتبة أخرى ومدخلاً للديوان.. يقول النجار:
بعد أن سقط البيت
لم يعرف البابُ
حين تدق الرياحُ
إلى أي صوب سيفتح.
وهو هنا وبهذا النص القصير يُغري النجار القارىء بالدخول بعد أن ألمح إليه أنه شاعر بحق يمتلك ذكاءً خاصاً يُمسك بطزاجة الفكرة الشاعرة وبالتالي يُجيد التعبير عنها بأدوات شعرية يمكن وصفها بأنها مختلفة.. وأن ما سيتلو هذا النص من نصوص أخرى سيجد فيه متعته وبغيته التي يتمنى أن يعثرعليها داخل نص شعري. كذلك يبدو النجار في ديوانه هذا مغرماً باستخدام تقنية المفارقة الشعرية التي تضفي على النص مذاقاً خاصاً لا سيما وبضدها تتضح الأشياء. يقول في قصيدته ساعة تعطلتْ:
مرة
أبصرتْ ما يجري
أدركتْ ما تفعله بنا
وقتها: نَبضَ قلبها
فتوقفت عن الدق.
وفي قصيدة أخرى يقول:
ذات يوم
سوف يبكون كثيراً
ربما من كثرة الضحك.
غير أن أكثر ما تمكن ملاحظته في هذا الديوان هو أن مازن نجار لا يميل إلى كتابة القصائد الطويلة التي يفقد كثير من الشعراء السيطرة عليها والحفاظ على حبكتها الفنية حتى آخر سطر شعري فيها. وعلى غير العادة ينوع الشاعر في استخدام التفعيلات الشعرية التي يبني عليها قصائده فتارة يستخدم فاعلن وتارة فعِلن وتارة متفاعلن وتارة أخرى مستفعلن..وبهذا يحمل الديوان مجموعة من الإيقاعات الصوتية/الموسيقية التي يحققها اختلاف التفعيلات مما يكسر حاجز الرتابة التي يخلقها استخدام إيقاع موسيقي واحد طوال نصوص الديوان الواحد.
بكارة شفرتها
في الديوان هذا ثمة عدد من القصائد التي لا تكفي قراءة وحيدة لها بل لابد من قراءتها مرات والوقوف أمامها طويلاً لتأملها ولـتأويلها كذلك وفض بكارة شفرتها. في قصيدته إلى نوح يقول الشاعر:
البغايا
كلاب المليك
الجناة
وقطاع درب المدينة..
كيف قد ملؤوا الأرض؟
من أين جاؤوا؟
كلهم لم يكونوا على سطح تلك السفينة.
هنا ثمة إشارة إلى كائنات لقيطة ظهرت فجاءة فأغرقت الأرض بكل ما هو قبيح بدءاً بكلاب السلاطين وماسحي أحذيتهم بل ومؤخراتهم وليس انتهاءً باللصوص وأعوانهم. كذلك يحتوي هذا الديوان على عدد من القصائد التي يمكن تسميتها بالقصائد الساخرة غير أنها تضمر فيما بين أسطرها الشعرية تآويل أخرى يمكن الوصول إليها بقليل من التأمل والإمعان:
سأجتث نهديّ كي أستطيع التعريّ
سأرفس بابي قبل الدخول عليّ
سأشتم صحبي
أدخن حتى أعبأ كل السماء غيوماً وأنفش ريشي
سأنشُق ثم سأبصق في الساح مثل الذكور.
هنا نقرأ التوق إلى التحول من حالة القيود الخانقة إلى حالة التحرر منها جميعا والانطلاق الذي لا يوقف أحصنته شيء. كذلك نشتم رائحة السخرية وبشكل تهكمي صارخ في قصيدته شجاعة التي يرسم فيها صورة الغريق بعد أن فارقته الحياة بأنه صار لا يرهب البحر ولا يبالي بأي اتجاه يغط فيه ولم يعد يخاف العواصف أو زوبعات الرياح..يا لها من شجاعة!
وإغراقاً في الأنا يحذر الشاعر الأعداء والأصدقاء (أعدقائي) معاً من أن يحاولوا تقليده لأن من سيقلده سيصبح نسخة مكرورة منه:
كل من يشتهي أن يقلدني
مباشرة
سوف ينطق
يصبح مثلي.
هذا وكما قلت آنفاً إن مهارة الشاعر تبدو في استخدامه لتقنية المفارقة بشكل جيد يخدم النص ويقويه شعرياً وليس بطريقة تضعفه أو تفقده حساسيته الشعرية:
الألوان المتنافسة فيما بينها/ليتها تعلم أنها
لو تمازجت
ستنقلب إلى بياض
لو تفرقت
سوف تداكن منتهية ببطء إلى السواد.
وكسمكة يبحث الشاعر عن أرض له لا ينازعه فيها أحد ولا يقهره أمر فيها أن نهي من آخرين..يبحث عن أرض تكون على مقاسه هو ولا تصلح ثوباً لسواه:
ما أسلم أن أحيا
في كون لا يتجاوزني
في حوض لا يتسع الآن لقرش
كان يطاردني في كل مكان كي يأكلني.
ولحاجتها ـ ككل الكائنات الحية ـ إلى الحرية لحماً ودماً لا ألفاظاً وشعارات زائفة مزيفة تتوق الذات الشاعرة وهي في حالة تحررها لزيارة زنزانتها بين فينة وأخرى من أجل أن تصافح حريتها القابعة وراء الجدران. في قصيدة عقم تقع الذات الشاعرة في دائرة الصراع بين ما حققته غير أنها انتهت إلى فقده وبين تطلعها إلى تحقيق ما هو أجمل وأفضل:
لماذا إلى الآن؟
كل ما هو حولي يصرخ بي قائلاً:
لن تجيء بأجمل مما فقدت.
هنا نطالع إحساساً بالعجز تلبَّس الذات الشاعرة وجعلها تستسلم في خنوع لفكرة أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان!
قطعة أرابيسك
أما في قصيدته ظاهرة كونية فيصور الشاعر حالة من يصبح ذات يوم أسير ظروف خارجة عنه ليس له يد في وجودها:
مازال هنالك منتصباً
لا يتبع شمساً
لا يركع أو يتحرك
جاؤوا كي يقتلعوه فقلت لهم
لم يكفر عبَّاد الشمس ولكني
أوقفت الأرض عن الدوران.
ويمكن تأويل هذا النص كذلك:إذا أردنا الخروج عن إطار العبودية ونطاقها فلابد أن يكون ثمة عامل مساعد يجيء للبعض من الداخل ويجيء للبعض من الخارج.
هذا ويحتوي ديوان مازن نجار على عدد آخر من القصائد التي عُجنت بلغة سلسة لا تعترض مسارات السرد الشعري فيها أية نتوءات حتى لتبدو وكأنها قطعة أرابيسك صنعتها يدا فنان ماهر.إنها قصائد حين نقرأها نكتشف أننا أمام شاعر يعرف جيداً ماذا يعني الشعر وماذا تعني كلمة قصيدة. هذا وعلى الرغم من كونها تبدو مسجاة بغطاء من الحزن واليأس إلا أن ثمة بصيص أمل يطل ولو على استحياء من بين ثناياها:
سأحاول ألا أطيل ابتسامي
وألا أصاب بداء الأمل
سأقول لحزني
إبقَ بقربي
أنت الضريبة للموت أدفعها
كي يهادنني ويؤجل عني الأجل.
‘ شاعر ومترجم مصري