‘ماشي أون لاين’ لخلود ناصر: تشظي الإنسان في عالمه الافتراضي المعاصر

حجم الخط
0

دمشق ‘القدس العربي’ ـ من أنور بدر: رغم الجغرافيا و التاريخ اللذين يربطان كثيرا بين سورية ولبنان، إلا أن السياسة على ما يبدو قد نجحت في صنع مسافة بين المجتمعين، غربة معاصرة في حقول الثقافة والمجتمع وأشياء أخرى، فلبنان مازال في ذاكرتنا هو فيروز والرحابنة. وفي أفضل الحالات هو مارسيل خليفة وروجيه عسّاف، لكن أحدث من ذلك تبدو الصورة مشوشة كثيرا وانتقائية إلى حدّ بعيد، لذلك نفاجأ باستمرار عندما نشاهد فيلما لبنانيا مشغولا بذكاء، أو عرضا مسرحيا جيدا يجيء إلينا من الشقيقة الحالمة دوما بمجد الفينيقيين.

انتابتني هذه الخواطر، وربما أكثر قليلاً، وأنا أشاهد عرض ‘ماشي أون لاين’ ضمن تظاهرة ‘المنصة المسرحية لحوض المتوسط’ في مهرجان دمشق المسرحي الأخير، بتوقيع المخرجة خلود ناصر ومن إعدادها أيضا، إذ انطلق العرض بداية من أطروحة الماجستير التي كتبتها الناصر حول ثلاث نصوص معاصرة هي: ‘روبيرو زوكو’ بشكل رئيس و’نهاية العالم’ و’ليس إلا’ للكاتبين الفرنسيين برنار ماري كولتيس وجان لوك لاغارس. لكنها قدمت عرضا محليا بامتياز وبنكهة لبنانية محببة.

حيث أعادتنا إلى زمن الحرب التي لم يتعاف منها لبنان بعد، دون أن تكون الحرب موضوعا لعرضها، بل ظهرت في خلفية الأحداث، وخلفية الحالة التي شكلت شخصية العمل التي أداها ‘هاني خطيب’ رجل وحيد بلا ذاكرة، بلا ماضٍ، بلا عائلة أو علاقات، ربما يكون في مصحٍ عقلي أو في السجن مثلا، أو حتى خارج البلاد، لكنه يلتقي بامرأة وحيدة أيضا، بلا علاقات، بلا أمل، تهرب من ذاكرتها باتجاه العالم الافتراضي، حيث يلتقيان كصورتين… يلتقيان في دردشة أو ‘تشات’ على أحد المواقع الافتراضية، شخصان بلا هوية وبلا أسماء، يحاولان بناء جسر بينهما لنكتشف أنه جسر مع الماضي، ذلك الماضي الذي دمّرته الحرب. وإذا كانت الناصر تستعير إيقاع العرض من مسرحية ‘روبرتو زوكو’ للكاتب الفرنسي كولتيس، إلا أنها تقدمه لنا كإيقاع وحرب بمفردات لبنانية، ومعاصرة جدا، مفردات تنتمي لجيل الشباب والنت والعوالم الافتراضية للشبكة ومواقع الدردشة والتعارف، لنكتشف أنها مساحات للتواصل لا تُغني عن ذاكرة ولا تُسمن من رغبة، وهذه إحدى المقولات الهامة للعرض برأيي، إضافة لمقولته حول الحرب والتي عبرت عنها خلود ناصر بقولها: ماذا يحمل الإنسان الآن من بقاياه في القرن العشرين.. قرن يملؤه العنف والحروب في عالم عبثي متشظٍ، ها هو يدور بين عوالم عدة ذات حقائق متناقضة يتوه في غربة تامة عن المكان والزمان والآخر… يحاول لملمة أشلاء ماضيه بحثاً عن نفسه… كيف تجتاح الحروب هويتنا وذاكرتنا قبل أن تجتاح أجسادنا.. هل سيجد خلاصه في عالم افتراضي’. عبثية الحرب… عبثية الحياة… ودمار الروح… مفردات تهاجمنا بكثافة ونحن نُفكر بالمستقبل، أو نفكر بتلك العوالم الافتراضية، وافتقادنا للدفء وتلك الصبوات الجميلة، ‘هو’ يحاول أن يتذكر كيف أن الحرب دمّرت بيته وعائلته، وكيف وقف عاجزا عن تأمين الماء لهم، بكل رمزية الماء للحياة والنقاء، لكنها ‘هي’ تكتشف عبر العالم الافتراضي أو ‘ألنت’ ما نشرته الصحف عن إقدامه على تدمير المنزل وقتل العائلة، كما تبوح لنا بجرحها العميق في النفس إثر عملية اغتصاب تعرضت لها في زمن ليس بعيد، لتنبت الأسئلة: هل هي الحرب؟ أم أنه عجزنا أثناء الحرب؟ في الحالتين دمرنا الحياة وأضعنا الذاكرة كما أضعنا إنسانيتنا، وبقينا في مواجهة الوهم ليس إلا.

عالم الإنترنيت والسرعة والقدرة على التواصل لم ينقذنا من الوحدة، فالحرب دمّرت حيواتنا… وتلك الوحدة تدمّر إنسانيتنا أيضا، ويبقى الديكور مجرد حائطين للذكرى وشاهدين على الدمار، مساحات تطل من الماضي الذي يواجهنا كلما نهضنا عن جهاز الكمبيوتر.

ونحن نتشظى بين عناصر عالمنا الافتراضي وبين عناصر ذاكرتنا التي دمرتها الحروب.

عناصر السينوغرافيا التي اشتغلت عليها المخرجة وضعتنا مباشرة في قلب اللحظة المعاصرة بكل مكوناتها الافتراضية، التي انتشرت فوق منصة العرض، كمبيوترات للعرض وأزرار للمحادثة وكاميرات لنقل الصورة وشاشات للعرض، لنستمع إلى الممثلة وهي تخبر صديقها على التشات: بأنها اشترت كل ما له علاقة بالتكنولوجيا وستسدد الأقساط على ثلاثين عاماً. كذلك استفادت من عنصر الإضاءة في توزيع المكان لأكثر من حيز رغم تداخلها جميعا، وبشكل خاص الاستخدامات المتعددة لشاشتين في عمق المنصة، تارة هما شاشتا تلفاز وتارة نتابع عليهما لوحات المباني أو صورة البيت المدمر وكأنه يطل علينا من ذاكرة الممثل فاقد الذاكرة، أو صورة أنجلينا جولي عندما يحلم بالمرأة المشتهاة. وتارة ثالثة نقرا عليهما عبارات مكتوبة باللغة الإنجليزية كمقتطفات مما يرد على لسان الممثلة أثناء منولوجاتها المتميزة. إذ شكلت المخرجة لغة العرض من ذلك المزيج الذي يَمْتحُ من مفردات التكنولوجيا والعبارات الأجنبية بدءا بالعنوان واستمرارا بالشتائم المغرقة في محليتها أيضا، مونولوجات كاملة بالإنجليزية، و حوارات شكلت خليطا من مفردات عربية وأجنبية، كما وضعتنا المخرجة من خلال الحرب في قلب الجغرافيا اللبنانية، بما فيها الجغرافيا السياسية التي تعج بالانقسامات السياسية والطائفية، أليست هذه مفردات اللحظة اللبنانية المعاصرة ومفردات الشباب في هذه اللحظة المستمرة؟ تلك اللحظة التي ألغت المسافة بيننا كجمهور أو مشاهدين وبين المنصة والشخصيات وذلك العالم الافتراضي أيضا.

دعونا نعترف بجهد خلود ناصر كمخرجة استفادت من نص قوي بعد أن اشتغلت عليه أكاديميا، كما اشتغلت على كل من ‘هاني الخطيب’ و ‘يارا بو ناصر’ كممثلين في هذا العرض، ولم تستكن حتى لما قامت به من إعداد للنص، بل جاءت ب’مريم بو سالمي’ كمساعدة لها في الدراماتورجيا، إضافة للفريق الفني المؤلف من هاغوب ديرغوغاسيان تصميم إضاءة، وفيديو آرت علي بيضون، وتصميم صوت ساري موسى، وأزياء بشارة عطالله، وأنيميشون سليم رزق، وغرافيكس وميديا زيد السعداوي، ووصولا إلى لوحات المباني المستخدمة من مجموعة الفنان التشكيلي أيمن بعلبكي، وبذلك سعت لتأمين كل عناصر النجاح لهذا العرض.. الذي لخصت مقولته على بروشور العرض من خلال التساؤل: هل سيجد الإنسان خلاصه في عالم افتراضي؟ بطاقة العرض:

فرقة ماشي أون لاين لخلود ناصرتأليف: خلود ناصر ومريم بوسلميتمثيل: يارا أبو نصار- هاني الخطيبإخراج: خلود ناصر تعليق الصور: صور من عرض ‘ماشي أون لاين’ لخلود ناصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية