ماضيهــم وماضينـــا

حجم الخط
0

صلاح بوسريفهناك ماض مضى وانتهى، ولم يعد سوى تاريخ نسترجعه كلما دعت الحاجة لذلك، وهناك ماض لم يمض، وهو مستمر، أو ما زال قادراً على الحضور، بما يملكه من قدرة على الحياة، أو بما يفتحه من آفاق، وما يتيحه من أسئلة، ما زالت قادرةً على استنفار وعينا، وعلى خلق مزيد من القلق المعرفي، الذي هو أحد مداخل معرفتنا بهذا الماضي، وبما فيه من حضور، وقدرة على الصيرورة والاستمرار.

الماضي الذي مضى، هو الماضي الذي استنفد حضوره، أو لم يعد قابلاً للحضور، أو أنّ الحاضر لم يعد يجد فيه ما يستجيب لراهنيته، ويقبل الاستمرار والامتداد فيه. هذا الماضي المنتهي، هو ماض اكتفى، في إبّانه، بالإجابة عن الأسئلة، وبحسم هذه الأسئلة، وحصرها، في سياق المعتقد، سواء أكان هذا المعتقد ديناً، أو فكراً. لم يسع هذا الماضي لقراءة الوقائع والأحداث، أو لفهمها، وفق سبب نزولها، أو ما كانت تفترضه من أسباب، بقدر ما سعى لحصرها في منظور، أو رؤية مغلقة. طبيعة الرؤية، في هذا الماضي، هي رؤية حصرية نهائية، الجواب فيها سابق على السؤال، أو هي بالأحرى، تملك أجوبةً لأسئلة لم تطرح بعد، بل إنها تتوقع الجواب حتى قبل طرح السؤال. أي أنها رؤية استباقية، ليس بالمعنى الاستشرافي المستقبلي القائم على التوقع والحدس، بل بالمعنى الكلي، المطلق والنهائي، بما يعنيه من حسم وإنهاء وإغلاق.

هذا الماضي، هو ماضي ‘السّلف’. والسلف هنا، هو جواب، وهو ‘قدوة’، أي مرجع، أو ‘أصل’ لا يمكن قراءة ‘النص’ بدونه، وفهم ‘النص’، لا يتمّ، أو لا يكون ‘شرعياً’، إلاّ بموافقة هذا السّلف. أو كما يقول أبو عبيدة؛ فالسلف، أو الذين أدركوا الوحي، ‘لم يحتج إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه’، وهو ما فسّره أبو الفرج الحنبلي بـ’فضل علم السّلف على علم الخلف’. في الدّين، تحديداً، يصير السلف حقيقةً، ويكون فهم ‘النص’ وتأويله، غير قابل للإضافة، أو الاستكناه، لأنّ ما قاله هذا السلف، أصبح طريقاً، وعلى من أراد السير فيه، عليه أن يخطو نفس خطوات السلف، وأن يسير بنفس وتيرة سيرهم، أي أن يقرأ النص من منظورهم، وليس من منظوره، ومن منظور زمنهم، وليس من منظور زمنه هو، لأن، هذه الرؤية السلفية للماضي، هي رؤية ماضوية، كل شيء، عندها، حصل دفعةً واحدةً، وما بقي هو ‘اتباع’، لا مكان فيه لـ’الابتداع’. وهو ما جاء في قول عبد الله بن مسعود ‘اتّبعوا ولا تبتدعوا’. أليس في هذه الرؤية ما يشير إلى ربط الابتداع بالضلال، واعتبار كل إحداث شرّ؟ حاضر السلفي، إذن، هو ماضيه. فالحاضر، عند السلفي، ليس سوى استمرار لماضي هذا السلف، وهو استعادة له، لأن الحاضر هو الماضي نفسه، لا فرق، ما دام ‘النص’ في هذا الحاضر، يقرأ بنفس الطريقة، ويفهم بنفس الطريقة، لأنه، في منظور السلفي، له معنى واحد، وهو معنى دائم ثابت أزليّ، ما يفرض على قارئه، أن يبدأ من هذا المعنى الثابت الدّائم الأزلي، وهو المعنى الذي ثبّته السلف، وحصره في سياق محدّد، لا يمكن تجاوزه، أو الإحداث فيه، لأنّ كل إحداث، هو ‘احتيال’ على ‘النص’، و’نقض’ له.

يسري هذا الفهم السلفي للماضي، على كل حقول المعرفة، وحتى على الوجود المادي للطبيعة والحياة. لا شيء بدون معنى، المعنى موجود، سابق، وكل ما استشكل منه أو استعصى فهمه، أو تأويله، بمعنى بيانه، فهو من أمر الله؛ ‘ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلّ شيء وهدًى’ (النحل 89). نفس المكان الذي يذهب إليه السلفي لحلّ مشكلاته. المعنى المستعصيّ، غيب، ما يجعل الرؤية السلفية الماضوية، تضاعف غيابه، أو تعمل على تغييبه أو حجبه، ومنع التفكير فيه، أو اعتباره حالة قلق، أو نوعاً من المعرفة القلقة التي تحتاج للتأمّل والتفكير. فالاكتفاء بـ’العلم الموجود’، يغني عن الخوض في ‘العلم المفقود’. بهذا المعنى عملت السلفية الماضوية على حصر العربية، كلغة، في المعنى البياني، وأكدت على الوضوح، باعتباره أحد مكونات العربية، وأحد خصوصياتها الفارقة، التي تميّزت بها عن غيرها من اللغات، أو هي تميّزت في بيانيتها، بنظامها المعرفي، القائم على ‘التبليغ’ و’الإفهام’، أو كما يقول الجابري، فالمقصود بالبيان، ‘كافة الأساليب والوسائل التي تساهم ليس فقط في تكوين ظاهرة ‘البلاغة’ بل أيضاً في كل ما به يتحقّق ‘التبليغ’، تبليغ المتكلم مواده إلى السّامع’، بل إن البيان ما به تتحقق عملية ‘الإفهام’ أو ‘التبليغ’ بل أيضاً ما تتمّ به عملية’ الفهم’، و’التلقي’ وبكيفية عامة: ‘التّبيّن’. في وضوح العبارة وفصاحتها، جلاء المعنى وظهوره، أيّ لبس في العبارة، أو في تركيب العبارة، وطريقة بنائها، سيفضي، حتماً، للبس المعنى، واستعصائه، أو استغلاقه، ما قد يفضي إلى اختلاف في التفسير، أو إلى التوسع في تفسيره.

حدث هذا في بعض حروف القرآن التي كانت بداية لبعض السّور، كما حدث في بعض الآيات التي كان فيها التعبير غير ما هو مألوف، أو فيه من ‘المجاز’ ما يقبل التأويل، ولأبي عبيدة كتاب في تفسير ‘مجاز القرآن’، وهو ‘تفسير بالرأي’، أو بـ’الإحداث’، لم يقبله السلف، من معاصريه، وهاجموه، لأنه اتجه في تفسير القرآن، اتجاهاً خاصاً، أي أنه كان حراً في فهم النص. هو نفس ما حدث في رفض النقاد القدامى، لما جاء في الشعر العربي القديم من صور وتعبيرات وتراكيب، خرجت عن مألوف البيان العربي، أو مألوف اللسان العربي، مثلما حدث فـي تجربة أبي تمام، الذي اعتبر شعره ليس من كلام العرب، لأنه لم يكن يسير في طريق السلف، ولم يتمثل تعبيراتهم، واختار ‘المحال’، أو اتكأ على لسانه، لا على لسان غيره.

هذا ‘المحال’، هو ما عملت السلفية الماضوية على اجتنابه، وعلى تفاديه، فكل محال، هو ابتداع، أو تأويل، وفي التأويل تكون مساحة القلق، والمساءلة أوسع، ما يعني اجتناب ‘اليقين’ و’المطلق’، وإعمال ‘الشك’ والنقد والمساءلة، وهو ما لا يملك السلفي الاستعداد لقبوله، لأن في كل شك ونقد ومساءلة، اختراق لـ’النص’، ووضع الأجوبة كاملةً في مهبّ المساءلة والاختبار.

فماضي السّلفي، هو ماضي الاستعادة والتّكرار، وهو ماض اجتراري، يكتفي بـ’خير القرون’، وهو القرن الهجري الأول، وفق ما جاء في حديث، ينسب في العادة إلى الرسول. فالأول أهم مما يليه، وهو هنا ما سيصير ‘أصلاً’، أي حجّة ومرجعاً، لا يحدث القياس إلاّ به، أو عليه، في ما سمّي بـ ‘قياس الشاهد على الغائب’. سيحصر السلفي ماضيه في نص ‘الوحي’، وسيكتفي باعتبار العقل، مسوّغاً للوحي ومؤكّداً له. كل ما يذهب إليه العقل من تجربة أو اختبار، أو من مساءلة، في هذا السياق، سيكون خرقاً للوحي، ومسّاً به، وهو بالتالي، خروج عن النظام المعرفي الذي سعى السلفي لبناء رؤيته عليه، أو اتّخاذه كطريقة في الرؤية والفهم، وفي قراءة الأشياء وفهمها.

فالوحي، من منظور السلفي، أو ‘أصحاب النص’ أو ‘أصحاب الحديث’، أي من منظور الاتباعيين، قال كل شيء واستنفده، وكل ما يأتي من خارج الوحي، سيكون تثبيتاً، وتأكيداً، ولا داعي للخروج عن مقتضى ‘النص’. بهذا المعنى يكون زمن السلفي مستنفداً، وهو الإطار المرجعي لكل شيء، والتراث نفسه، لا يعني في فكر السلفي ورؤيته، كل التراث، فهو تراث محصور في الزمان وفي المكان، ولا يخرج عن سياق المعرفة الدينية.

زمن واحد، يختزل فيه السلفي كل الأزمنة، أو فيه يذوّب السلفي كل الأزمنة، ليصير الزمن من منظوره زمناً واحداً، وما يليه من أزمنة هو استعادة واتباع، وليس إضافةً أو ابتداعاً.

يختصر فهمي جدعان، هذه المفارقة السلفية في اختزال الأزمنة في زمن واحد، في إشارته إلى أنه ‘ما من عصر من العصور العربية الإسلامية يمكن أن يختزل العصور جميعاً، أو يمثل الصيغة القصوى لما يمكن أن تكون عليه الحياة العمرانية.. على الأرض’. فعمل ابن رشد، أو ما اقترحه من أفكار، ‘كان القصد منه’ رد المعقولية ‘للعالم الطبيعي وتعزيز ‘مسوغات الوجود’ الإنسانية وتأكيد القول، في وجه النزعات الضاربة في ‘اللا معقول’، بأن الوجود الطبيعي والإنساني وجود حقيقي وأنه هو الذي ينبغي أن يطلب’. اختزلت السلفية فكر الإنسان وعقله ووجدانه، وأيضاً وجوده، في هذا الإنسان السّابق عليه، واعتبرت كل ما يصدر عنه من فكر، هو استعادة لهذا الأصل الأبدي، الذي لا يقبل المراجعة أو الاختبار. فـ’فضل علم السلف على علم الخلف’ يعفي الخلف من عناء التفكير، لأنّ كل ما يريد الخلف معرفته، قيل وانتهى القول فيه، ما يجعل من كل ّ إحداث’ أو ‘رأي’، خروجاً لـ’المحال’، ونوعاً من ‘التّأوّل’ أو ‘الضّلال’، أو بتعبير السلفي أبي جعفر الطحاوي، لا يجب أن ‘ندخل في ذلك متأوّلين بآرائنا’. فثمة رأي قيل، هو ما ينبغي اتّباعه، والاقتضاء به، هو رأي السلف، وليس هذا السلف، سوى ما عرف بـ ‘السلف الصالح’. إنّ السلفي يعيش ويحيا في غير زمنه، والماضي الذي يعود إليه، هو ماضي السلف دون غيره، كما أنّ المعرفة، من منظور السلفي، هي المعرفة الدينية، وكل ما هو دنيوي، لم يوجد إلاّ لخدمة هذه المعرفة الدينية، التي لا تعني، إلاّ فهم السلفي لمعنى الدين، واختزاله لـ ‘الوحي’ أو ‘النص’، في هذا الفهم الارتدادي الذي لا يعبأ بالأمام، ويعتبر كل ما يجري من أزمنة، هي استمرار لزمن واحد، هو زمن السلف، أي ماضيه الذي ليس بالضرورة هو ماضينا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية