يبدو اننا نبحث دائما عن توصيفات استثنائية لظاهرة المثقف العراقي، اوربما لطبيعة تمظهراته في فضاءات الثقافة، وفي سسيولوجيا الاجتماع والمكان/الحرب/ المقهى/الجريدة/الرصيف/الحانة، تلك التي جعلت منه سياسيا وايديولوجيا وناقدا وثائرا، ومنفيا عند اقصى اللعبة ، والتي دفعته لاصطناع مواقف اضطرارية او قهرية يجترح من خلالها حلولا سحرية لازماته الدائمة والمثيرة، والباعثة على تهييج التاريخ والخطاب والسياق والسلطة والجماعة والطائفة..
هذه التوصيفات ومعطياتها تضع الصناعة الثقافية خلال اكثر من عقدين من الزمن امام الكثير من الاوهام الكبرى، وامام اغتراب مروع للكثير من الاسئلة الاكثر ضراوة..فماهي صورة المثقف العراقي ماقبل الحرب؟ وماهي صورته بعدها؟ وهل كان المنفى القلق نوعا من الخلاص، ام هو نوع من الهروب للامام؟
وهل يمكن للثقافة بوصفها الابداعي او الحجاجي والاستيهامي ان تكون تعويضا عن الاشباع؟ وهل يمكن للمثقف ان يكون هو الكائن المخلّص بامتياز لنوعه من خلال المكوث الثقافي في اللغة، والخطاب والمعنى؟ وهل يمكنه ان يكون البطل التراجيدي الذي يملك شرط الانقاذ والتطهير واعادة تأهيل المكان والمكين، الجلد والروح، اللغة والجسد، الهوية والوجود؟
وهل يفترض حيازته المضادة لامتلاك فانوس الاسحار، وعصا النبي، للتوهم بامتلاك مصادر القوة الاخلاقية للذات، باتجاه تخليصها من المهيمنات الراكزة في اللاوعي للتاريخ والسلطة والمحو التي وصلت حدّ العدوى؟
هذه الاسئلة/ الخلاصات والحلول بات اكثر رعبا في اليوميات الثقافية، اذ يدرك المثقف العراقي خطورتها لانها جزء من مشكلات وعيه، ومن فوبيا قلقه، مثلما يدرك بالمقابل افتقاده القدرة على مواجهة الكثير من تداعياتها، اذ هو تعود على وظيفة المطرود، وعلى شهوة التلذذ بدور المهمّش والمنفي وغير الفاعل ازاء هيمنة السلطة سابقا، وهيمنة الجماعة حاضرا، وازاء هزائم الذات، واغتراب الهوية، وضياعه وسط مهيمنات مراكز الدولة القديمة والحزب القديم والايديولوجيا القديمة والفقه الديني القديم. كل هذه المهيمنات فرضت عليه شروطا مشوهة للمواجهة ولادعاء البطولة والالتزام، بدءا من اغترابه القسري ازاء غواية الانتماء والوظيفة العضوية والحزبية، وصولا برهاب الايهام ببطولة فردية مضخمة وانتهاء الى الانخراط في الحياة اليومية غير المستقرة وغير الباعثة على الاطمئنان، تلك التي قادت الكثير من المثقفين الى خيارات قهرية بين السياسة والسلطة والمنفى، وربما التورط في شعاراتية حروب الفنتازيا تلك التي وصف فيها البيان الشعري عام 1969 المثقف بانه( «ثائر تقدمي يخوض حروباً مستمرة ضد انغلاقات المجتمع: ضد العبودية، ضد الاستغلال، ضد البيروقراطية ) فضلا عن الانغمار باوهام طاعنة في الايديولوجيا والهوية الصافية.
المثقف وسط هذه المتاهة لم يتحول الى بطل عضوي في سياق التعاطي مع فكرة الدولة، بل ان الدولة(دولة القهر والاستبداد والحروب والصراعات) هي التي هرسته تماما وادمجته في مؤسساتها وخطابها ومريديها، والمثقف الخارج عن هذا المعيار سقط في السجن او المنفى او الموت. عزلة هذا المثقف ونكوصه واحساسه الغرائبي بالخطيئة والخوف والريبة والسقوط الاخلاقي في فخ الحكومات هو الشعور الضاغط الذي فرض نفسه على توصيف ظاهرة العزل، وربما اسبغ البعض من رهاباته على يوميات الكثير من المثقفين العراقيين طوال اكثر من عشرين سنة، واحسب ان هذا التوصيف هو ما جعل مرجعيات العلاقة بين المثقف العراقي والسلطة لاتحمل أثر طيبا ولاتحمل أثرا يفتخر به المثقف، فالسلطة(نموذج الدولة) فرضت شروطا قاهرة وضاغطة في بناء نظامها المؤسسي الصارم الذي يجمع انثربولوجيا المثقف بكل اناساته وقراباته، وتوصيفاته العلمية والاكاديمية والابداعية مع (الاميين) الذين استعانت بهم السلطة لصناعة انقلاباتها ونماطها وقوتها وجماعاتها وميلشياتها، اذ اقترحت لهذه الاناسة القهرية انماطا وانساقا من الانتماء العمومي الخاضع الى نظام التحزب والتأدلج اللذين يصنعان اضطرارا نموذج(التابع)، والتلذذ تماهيا بالخضوع الى توصيفات الولاء لقيم(الثورة) وعدم معاداته لافكارها وتوجهاتها واهدافها، كشرط اساسي للقبول في السياق وفي ممارسة العادات الثقافية. فضلا عن ان خوفها القديم الذي لايرى من المثقف، واقصد هنا من يشتغل في (الابداعيات الادبية) وفي (انتاج الظاهرة الصوتية) جعله خاضع بقوة الى هذا النسق، اذ لايبدو امامها سوى مهرج او تابع او صانع تزجيات او موظف في الثقافات العمومية، والمثقف بالمقابل كان يتحسس من رعب هذه التبعية القهرية، لايرى في السلطة الا المزوّر الاكبر للتاريخ والحكاية، او ربما هي بيت المال القديم الذي لا يمكن ان يمنحه صفة الرعوية المالية الاّ بشروط الرعوية والخضوع والتذلل، وهي مركز الشرطة الذي يصيبه بالهلع دائما.
هذا الخوف المتبادل والشك العميق والتقاليد التي تحولت الى احكام وسياقات واحيانا قوانين، فرضت منظورا تجريديا للسلطة/الدولة، والسلطة/الحزب، والسلطة/الامن، والسلطة/اللغة. مثلما جعلت المثقف ذاته ابعد من ان يكون مثقفا اجرائيا او عضويا بالطريقة الغرامشوية، تلك التي كثيرا ما يدعيها البعض، ويفلسف وعيه الايديولوجي على قياسها، فهو لم ينفذها كانتماء او كبرنامج، ولم يدرك مهنيتها، قدرتها على صناعة وعيه الفاعل، ولا حتى شروطها الاجرائية والنظرية في الفقه الماركسي التقليدي الصانع الازلي لمقايسات الثوار والثورات. كل ما كان يفعله السيد المثقف هو السكنى في تجمعات او تنظيمات لم تتحول الى مؤسسات ضاغطة، مثلما هو التورط في حروب لغوية لم يجد ادواتها وحرفتها بقدر ما تلمس لذتها، لذلك هو الظاهرة الصوتية الاكثر دويا، وهو المهزوم دائما والمسجون دائما او الاحتجاجي خارج دائرة الوصيا وحساباتها.
المثقف بميراثه الازموي وتاريخ مطروديته القديمة والحاضرة لايمكن ان يمارس انقاذا عجولا لمحنته ولمحنة الابناء والمريدين. والسياسي(بمعناه الاجرائي/السلطوي) العالق بحبال السلطات المتورطة حدّ النخاع بالتلصص والمراقبة والهلع من الاخر، لايشاطره لعبة الانقاذ تلك، لان الحلول التي تأتي سريعا هي حلول سياسية دائما.. والايديولوجي(المتحزب/الخانع لشرط الوصايا واللون) المسكون بمحنة القياس و ازمات صراع الحروب الباردة والساخنة، متورط هو الاخر في حماية معسكراته الخلفية من لصوص الحداثة الذين بشرّوا بموت الايديولوجيا.. هؤلاء جميعا لايمكنهم ان يجدوا حلولا استثنائية لهذه الازمة الطاعنة ….
فمن سينقذ توصيف المثقف من هذا اللغط؟ ومن سيعيد اليه الاطمئنانات الغائبة، والدور العضوي البعيد عن الحزب والمقدس والمركز؟ من يمنحه لذة اشباعاته العاطلة في حميمية الحوار والتناسل والسفر والجنس والطقوس؟ من سيحرر المكان/المقهى/المؤسسة/الجريدة من عقدة الاباء العرابين والثوار النطاحين؟ من سيحرر النص من غلواء المفسرين والمؤولين واصحاب الكنايات الذهبية؟ ومن سيمنح المثقف احساسه بالحرية وينقذه من عقدة السقوف الخفيضة؟
ربما يبدو الحل بعيدا، والضوء غير ناجز في الافق القريب، وهذا ما قد يجلب اليأس للكثيرين ويصيبهم باللاجدوى، يعيد المثقف الى لعبة نكوصاته القديمة، احساسه باللاجدوى، ونفوره عن المكان، عودته الى صناعة اوهام البطل العضوي المغيّر، والمحارب والمنتمي، لكنه بالمقابل المسكون ب(غريزة) المقهى وغريزة السجن وغريزة الجسد.
تجارب العالم والامم التي سبقتنا وعاشت صراعات وحروب اقسى منا، ومع هذا فهي قد انجزت حضارات هائلة فيما بعد، ركضت صوب المستقبل بروح واثبة، تركت وراءها ازمة تقسيم الناس وتوصيف المثقف والمواطن، فهل نحن امة مختلفة واستثنائية؟ وهل نحن شعبا لايشبه الاخرين حقا؟ او اننا قبائل وطوائف لانؤمن بسلامة العيش والرفاهية والشراكة مع الاخرين الاّ على اساس هذا التقسيم المرعب، والايهام بسلطة النوع الصافي والعقل الصافي.
اظن ان هذا أشبه بالفنتازيا، او ربما هو اشبه بالوقوف عند بيت الاشباح، الذي لايعطينا سوى الاحساس بالفزع والبقاء خرج الامكنة، والخوف من عدوى الاخر، تلك التي تجعلنا بعيدين عن الحضور المادي الاجرائي والواقعي للحضارة الانسانية(بشرها وعلومها وثقافتها وحضارتها) تقوم اساسا على فكرة طرد الاشباح، والشراكة مع الاخر تحت قانون التعايش، مثلما تقوم على وفرة المعطيات المادية والفكرية والبرامج والنظم والمنظومات المعلوماتية والتخطيطية، فضلا عن جدل الثقافات والإرادات وحوار القيم وتفاعلها باتجاه انجاز حضارة جمعية يؤنسن فيها الانسان وجوده وحريته وخياراته في اطار المرجعيات والهويات المختلفة والمتنوعة والسعي الى فاعلية حية تصنع زمنا وحضارة ومكانا يتسع للجميع ….
ان ازمة العنف والارهاب التي تجتاح المكان العراقي لم تأت من شقوق الارض او من الفراغ ،قدر ماهي صناعة تراكمات من الرعب والاهمال والتهميش الثقافي والانساني وتكريس الايهام بالاشباح والعدوى، مثلما هي نتجة لهيمنة المراكز الابوية، وامتياز اراداتها التي لاتؤمن بشراكة الخيارات ، وهذا ما يجعل هذه الازمة تستشري وتكبر وتصيب البشر بصداع الخوف والقلق وقلة الامن والزاد ..
ان محنة المثقف تمكن اولا في مطروديته الاستمنائية خارج المركز، وتكمن ثانيا في فرجته السلبية والتي وضعها المثقف نفسه تماهيا مع سياق الايديولوجيا، او مع سياق العزلة، او مع سياق السلطة ذاتها.. فكيف يمكننا ان نبحث عن دور للمثقف النقدي، او المثقف العملياتي؟ وكيف يمكننا ان نؤكد عضويته!! وهو لم يكن بطلا في يوم من الايام سوى ما تركته لنا خطابات الايديولوجيا من غرائز احتجاجية؟
هذه المحنة تركت لنا تاريخا من التوصيفات الاشكالية للمثقف، في التعريف وفي الدور، وفي انتاج القوة، خاصة تلك القوة التي يمكن ان تجعل الثقافة مثالا ساميا في صناعة المعيش والامان قبل البحث عن مظاهر لصناعة الوعي، اذ يكون فالامان هو الارض والوجود، وهو مظاهرها الانسانيةالقارّة في تشكلات وتأسيسات، وهذا ما يجعل المثقف يدرك خطورة عطالة المكان، مقابل حضور المنفى، وعطالة الوعي في المكوث الاشكالي في الماضي بكل عقده وازماته واوهامه وايقونات متحفه، لان صمت المثقف وهزيمته يعني هزيمة وعي الناس وضميرهم وقدرتهم في التعبير والكشف و في البحث عن اشكال صالحة لوجودهم، مثلما هو البحث في ايجاد حلول واعية وعادلة لأزماتهم المعقدة وسط استشراء حروب الشارع وحروب الزوايا وفخاخ الثقافات السرية …
اليس من حقنا اذن عن نبحث عن حلول فنطازية لدور الثقافة والمثقف وسط هذه الحروب الجماعاتية والطائفية الصغيرة والمعقدة والمريبة، وكذلك البحث عن صور لابطال تراجيدين على طريقة ما اوردته مدونات المخيلة اليونانية والعربية لكي ننقد ارواحنا وحرثنا ونسلنا وارضنا وكتبنا وليالينا من الخراب الذي يصنعه البعض دون ان يرفّ لهم جفن ضمير….
علي حسن الفواز