كان مشهدا سورياليا وغريبا رؤية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في العاصمة الفرنسية، والأغرب هي الاحتفالية التي أعدها له الرئيس إيمانويل ماكرون وضمت عشاء في قصر الإليزيه ومقابلات مع النخبة الفرنسية وعمدة باريس ومدراء شركات إيرباص وداسول أفييشين التي تصنع مقاتلات رافال. وتوج ماكرون احتفالية باريس عندما منح الرئيس المصري وسام جوقة الشرف الذي بدأ قبل 218 عاما في عهد نابليون بونابرت. وهو أعلى وسام تمنحه الدولة الفرنسية، ومن حملته بشار الأسد (سابقا) وملك المغرب وفلاديمير بوتين من بين زعماء آخرين. وكأن ماكرون شعر بالإحراج من استقبال السيسي بهذه المهابة فحرص على عدم الترويج الإعلامي وتغطية زيارة السيسي التي استمرت ثلاثة أيام ولم يدع الصحافة لحضور مراسيم منحه الوسام أو أي من نشاطاته وزياراته في العاصمة باريس.
ونعود إلى المفارقة الغريبة التي جمعت رئيسا يقدم نفسه على أنه الحامي لحمى الحرية والمساواة والأخوة الإنسانية وحقوق الإنسان، ويقوم في الوقت نفسه بحملة ضد المسلمين في بلاده باسم اقتلاع شأفة الانعزالية والتطرف. ويرى في الوقت نفسه أن نشر صور كاريكاتيرية مسيئة للنبي محمد وأغضبت أكثر من مليار مسلم هو حرية تعبير.
وفي المقام الآخر هنا رئيس دولة يقود أكبر نظام قمعي في تاريخ مصر الحديث وتزدحم سجونه بالمعارضين يعمده ماكرون ويمنحه الشرعية ويرفض أن يربط العلاقات المشتركة السياسية والعسكرية والمالية بالخلافات حول حقوق الإنسان كما أكد ماكرون في مؤتمر صحافي قصير جمعه مع الرئيس السيسي.
المصالح فوق حقوق الإنسان
وفي الأسابيع القليلة الماضية اعتقلت القاهرة ثلاثة موظفين في واحدة من منظمات حقوق الإنسان المتبقية في البلاد، وهي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مما أثار ردة فعل دولية. وأفرج عن الثلاثة بكفالة لكنهم يواجهون تهما تتعلق بالأمن القومي. وفي يوم الخميس وجه المحققون الإيطاليون اتهامات لمسؤولين بالمخابرات المصرية في جريمة اختطاف وتعذيب وقتل الطالب الإيطالي غويليو ريجيني عامة 2016. وقالت منظمة هيومان رايتس ووتش “تعاني مصر في ظل عبد الفتاح السيسي أسوأ أزمة في حقوق الإنسان ومنذ عدة عقود”. ومع ذلك أصر ماكرون على أنه لن يمارس ضغوطا على مصر فيما يتعلق بسجلها في حقوق الإنسان، بما في ذلك التغييب القسري والقتل خارج القانون والتعذيب والسجون الفظيعة والمحاكمات الجماعية. وكما أشار تقرير في صحيفة “إندبندنت” (10/12/2020) فوراء الاحتفاء بالسيسي أسباب تتعلق بالأرباح التي تجنيها فرنسا من صفقات السلاح إلى مصر. وربما أرادت فرنسا استخدام السيسي بأكثر من طريقة، فمع تراجع النفوذ الدبلوماسي الفرنسي العالمي وأثر فرنسا العسكري والاقتصادي، فهي بحاجة إلى مصر كي تستعرض هذا التأثير. وكانت مصر قوة في مواجهة تركيا التي تعتبرها باريس أكبر دولة إشكالية تهدد المصالح الفرنسية وأكثر من روسيا والصين. وتساعد مصر، فرنسا القوة الاستعمارية المتراجعة على مواصلة التأثير في ليبيا وشرق المتوسط وحتى السودان. وفي الوقت نفسه تقدم فرنسا لمصر السلاح المتقدم والغطاء الدبلوماسي رغم ما ترتكبه القاهرة من انتهاكات لحقوق الإنسان وسوء إدارتها للاقتصاد المصري.
اردوغان هو البعبع
وبعيدا عن مسائل حقوق الإنسان والتجارة والمصالح المشتركة، فقد كان ظهور السيسي في باريس التي تواجه وباء فيروس كورونا وتظاهرات الشوارع احتجاجا على قانون يحد من حرية الصحافيين تغطية المناسبات التي يظهر فيها رجال شرطة أو جنود مرتبطا بموقف فرنسا من شرق المتوسط والحرب الكلامية المستعرة بين ماكرون والرئيس رجب طيب اردوغان. وفي مقال نشرته صحيفة “إيشيا تايمز” (9/12/2020) جاء فيه أن القصة الحقيقية وراء زيارة السيسي إلى فرنسا هي تردد الاتحاد الأوروبي اتخاذ موقف قوي ضد أنقرة. فعمليات المسح الجيولوجي التي تقوم بها سفينة “الريس عروج” منذ الصيف بشرق المتوسط هزت اليونان التي حاولت البحث عن تحالف سياسي مع الإمارات العربية المتحدة وطلبت دعما من الولايات المتحدة. كما وتقدمت بطلب لأمريكا لشراء مقاتلات اف-35 وهي تعرف أن تسليمها لن يتم إلا بعد عدة سنوات بالإضافة إلى أن ميزانية شراء 24 منها ستكون مكلفة على الخزينة اليونانية. ووقعت أثينا مع أبو ظبي في تشرين الثاني/نوفمبر معاهدة دفاعية حيث اشتركت الإمارات إلى جانب مصر وقبرص وفرنسا واليونان في المناورة العسكرية ميدوزا. ولأن فرنسا محبطة من رفض الاتحاد الأوروبي اتخاذ موقف متشدد من تركيا فقد استعانت بمصر من أجل تدويل الأزمة في منطقة شرق المتوسط. ولو استطاع ماكرون الذي لا يعول على مشاورات الاتحاد الأوروبي تقوية التحالف اليوناني- المصري ضد التحالف التركي- الليبي فسيتحول الأمر لخلاف دولي يمكن لفرنسا أن تلعب فيه دور الوسيط تماما كما فعلت روسيا في سوريا. ومن هنا فزيارة السيسي هي جزء من محاولات ماكرون بناء تحالف مواجه لتركيا اردوغان والمظاهر الاحتفالية هي جزء من الرشوة للرئيس المصري.
مثال ريجيني
وكشف تردد ماكرون عن شجب حقوق الإنسان وتغليبه البراغماتية الفظة عن استعداد لدى المؤسسات السياسية الغربية التغاضي عن ملفات حقوق الإنسان واستخدامها بطريقة انتهازية عندما تريد. وأظهرت معاناة عائلة طالب الدكتوراه غويليو ريجيني الذي قتل وشوهت جثته ورميت على الطريق السريع في القاهرة عام 2016 عن نفس الأمر، فبعد خمسة أعوام تقريبا من المماطلات المصرية ومحاولة عرقلة التحقيقات وعدم تعاون الدولة الإيطالية، وجه المحققون يوم الخميس اتهامات لأربعة مسؤولين في المخابرات المصرية. وانتقدت عائلة ريجيني موقف الحكومة الإيطالية التي سحبت سفيرها من القاهرة لتعين سفيرا جديدا بعد عام، بشكل دفع العائلة طلب التحقيق في مسؤولية الحكومة الإيطالية التي أعادت بهدوء العلاقات التجارية والدبلوماسية وأقرت صفقة سلاح هائلة بقيمة 10 مليارات يورو. ونقلت صحيفة “الغارديان” (11/12/2020) عن والدة غويليو قولها: “لماذا لم تنقذ حياة غويليو، المواطن الإيطالي في بلد يعتبر صديقا ويواصل الحفاظ على علاقات صداقة” مع إيطاليا. وأضافت “ماذا فعل رئيس الوزراء غويسبي كونتي ووزير الخارجية لويجي دي مايو من أجل غويليو؟ ولماذا أصبحت العلاقات مع مصر أكثر قربا؟”. وتضيف الصحيفة أن قضية ريجيني أصبحت بالنسبة للكثير من الإيطاليين والمراقبين الدوليين تمثل البحث عن العدالة ليس من أجل ريجيني ولكن لآلاف المصريين الذين اختفوا وعذبوا على يد قوات الأمن المصرية. وبالنسبة لباولا وكلوديو ريجيني فمقتل ابنهما فاقمه ردة الفعل من الحكومة الإيطالية التي لم تتحرك وحرصها على إعادة العلاقات مع مصر.
أكثر من ريجيني في سجون السيسي
وأشار باتريك ويننتور في “الغارديان” (11/12/2020) إلى دراسة أعدتها لجنة العدالة ومقرها في جنيف إلى وفاة المئات من السجناء في سجون السيسي منذ عام 2013. وبلغ عدد الذين ماتوا في المعتقلات المصرية عام 2020 مئة معتقل مما يضع عدد الذين ماتوا في السجون منذ الانقلاب العسكري إلى 1.000 معتقل. وجاء في التقرير الذي حمل عنوان “غويليو ريجيني المصريين” وركز على الوفيات التي حدثت في الفترة ما بين كانون الثاني/يناير / تشرين الأول/أكتوبر 2020 ووجد أن العدد الإجمالي هو1.056 معتقلا. وقال مدير اللجنة أحمد مفرح “لم يكن ريجيني هو الضحية الوحيدة للسلطات المصرية. وبعده جاء المواطن الفرنسي إريك لانغ والأمريكي جيمي هنري لون وغيرهم ممن قتلوا بدم بارد وبدون محاسبة لقتلتهم وجلاديهم”. ومات منذ عام 2013 731 في مراكز الاعتقال بسبب الإهمال الطبي و144 نتيجة للتعذيب و67 انتحارا و57 بسبب الظروف السيئة للمعتقلات و29 لأسباب أخرى. وقال كينيث روث، المدير التنفيذي لمنظمة هيومان رايتس ووتش إن السيسي مسؤول عن جرائم حرب في بلد يزعم أنه يحارب الإرهاب بشمال سيناء، مضيفا أن الاعتقالات الجماعية للمتظاهرين السلميين ربما كان وراء تغذية الإرهاب.
رسائل أصدقاء ترامب إلى بايدن
ويشجع نظام السيسي على مواصلة حملاته الصمت الغربي وتجاهل الولايات المتحدة لمسألة حقوق الإنسان. ويمثل السيسي وأصدقاء دونالد ترامب العرب امتحانا لإدارة الرئيس المنتخب جوزيف بايدن. وكما يرى إيشان ثارور في “واشنطن بوست” (8/12/2020) فالنظام المصري لا نية لديه للانفتاح وتخفيف قبضته الأمنية لأنه يعرف أن العالم غير مهتم بالحقوق المدنية طالما ظل يرفع أمامهم فكرة كفاح الإرهاب. ويرى مايكل حنا، الزميل في “سينتشري فاونديشن” أن حكام مصر ظلوا ولعقود طويلة “مقتنعين بمركزية البلد لسياسة الشرق الأوسط وأمريكا في المنطقة” وحث بايدن على اشتراط الدعم العسكري الضخم الذي تحصل عليه مصر من واشنطن بالإصلاحات السياسية. وكتب “الحديث عن قيام الولايات المتحدة بعملية تقييم واسعة لشراكتها الطويلة مع مصر لا يسمع” و “القيام بهذا لن يرسل رسالة قوية إلى الشرق الأوسط ولكن حول العالم. وستكون الخطوة الضرورية لإعادة تشكيل شروط علاقات أمريكا مع المنطقة التي لا تزال تمثل تركيزا غير متناسب للسياسة الأمريكية”. ولكن العلاقات الوثيقة القائمة بين مؤسسات الأمن القومي والمؤسسة العسكرية الأمريكية وربما تردد من بايدن في هز العلاقة قد تكون عقبة أمام ضغوط ومطالبات بالتغيير. وكما كتب خليل العناني من المركز العربي في واشنطن “التغيير في الموقف الأمريكي ربما ظل على المستوى اللفظي ولن يشكل تغييرا حقيقيا في السياسة”. وهو ما يراه تايلور لاك في “كريستيان ساينس مونيتور” (11/12/2020) الذي قال إن زيادة حملات القمع المصرية والسعودية ضد المعارضين هي رسالة لإدارة بايدن على أمل انتصار المصالح الأمنية المشتركة على أي محاولة لإعادة النظر في العلاقات الأمريكية مع هذين البلدين. ويقول إن حملات القمع المتزايدة هي رسالة إلى إدارة بايدن التي ستواجه مقايضة صعبة مع حلفاء عودهم ترامب على الدعم غير المشروط. وقال لاك إن توقعات زادت بتخفيف القبضة الأمنية كبادرة حسن نية من خلال الإفراج عن 600 معتقل في تشرين الثاني/نوفمبر واستئجار شركة علاقات عامة يترأسها المدير السابق لطاقم رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، مع أن الرسائل جاءت عكس هذا. ويرى مراقبو حقوق الإنسان أن زيادة حملات القمع في مصر هي محاولة من النظام لتجميع أوراق مقايضة للتفاوض مع إدارة بايدن المقبلة. فمن خلال اعتقال ناشطين بارزين يعتمد الغرب عليهم تقوم مصر بالإفراج عنهم كلما تعرضت للضغط، وبهذه الطريقة تتجنب القيام بإصلاحات قانونية وسياسية وفتح المجتمع المدني والحياة السياسية. والسؤال هو عما سيذهب إليه بايدن لدفع قادة المنطقة للتغيير واحترام حقوق الإنسان؟ وتعرف مصر ومعها السعودية والأنظمة القمعية الأخرى أن بايدن لن يكون مهتما كثيرا بالمنطقة فلديه الكثير من المشاكل الداخلية والدولية وإرث ضخم من الأخطاء تركه له ترامب. ومن الناحية التاريخية لم تكن حقوق الإنسان مهمة في علاقات أمريكا ومصالحها المتعلقة بالمنطقة وفي مركزها الأمن والاستقرار والتجارة وصفقات السلاح ومكافحة الإرهاب. صحيح أن لهجة بايدن واضحة في مجال حقوق الإنسان، ولكن ماذا تعمل مع أنظمة باتت ترى في دعم أمريكا لها أمرا مفروغا وأن من يرمش أولا في أي مواجهة هم الأمريكيون. وفي دول الخليج وبخاصة السعودية يرى قادتها أن الإدارات الأمريكية تأتي وتذهب وتبقى العوائل الحاكمة. ويبدو أن هذا الدرس تعلمه السيسي الذي قام منذ وصوله إلى السلطة بسلسلة من الانتخابات المزورة ضمنت له نسبا فوق 95 في المئة بل وغير الدستور ليحكم حتى الموت معيدا فكرة البلد المزرعة التي طبقها قبله مبارك والقذافي والأسد. وفي الغرب، ومنه فرنسا يحبون فكرة الزعيم “القوي” القادر على تحقيق مصالحهم وخوض الحروب ضد تركيا نيابة عنهم. ويبدو السيسي فرح بهذا الدور وهو الحامل وسام فرنسا البونابرتية والجندي الجديد في جيشها.