كانت نتائج الانتخابات البرلمانية في فرنسا يوم 19 حزيران/يونيو نكسة بل وكارثة لرجل مثل إيمانويل ماكرون، الذي اعتقد أن لديه جواب على كل سؤال يواجه فرنسا، إلا أن الخريطة في الجمعية الوطنية والتي انتجتها الانتخابات البرلمانية تكشف عن رئيس سيكون مقيد اليدين. فهو الرجل الذي سقط على رأسه ولن يكون قادرا على تمرير ما يريد. وكانت الأسابيع الماضية مثل «رولر كوستر» أو قطار الملاهي الدوار، ففي نيسان/إبريل منحه الفرنسيون الثقة لولاية ثانية، وهي الأولى لرئيس فرنسي منذ فوز جاك شيراك بولاية ثانية عام 2002 وفي 19 حزيران/يونيو عاقبوه بطريقة قيدت يديه عندما خسر الغالبية لكتل اليمين واليسار. فتكتله «معا» فازت بـ 245 مقعدا، بناقص 44 مقعدا عن الغالبية وهي 289 أما تجمع «البيئة الشعبي اليسار الإشتراكي» «نيوبس» بقيادة المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلانشون فقد فاز بـ 131 مقعدا (أو 142 مقعدا حسب صحيفة لوموند) وحققت زعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبان تقدما مهما عندما ضاعفت حصيلة حزبها التجمع الوطني من 15 إلى 89 مقعدا، بزيادة عشرة أضعاف. وهذه أول مرة في الجمهورية الخامسة يجد رئيسا فرنسيا نفسه بدون غالبية، وحتى الرئيس فرانسوا ميتران الذي خسر حزبه الاشتراكي عام 1989الغالبية لم تكن خسارته بهذه الطريقة، ذلك ان ميتران استطاع تفادي شلل الحكومة وتمرير القرارات من خلال الحصول على دعم نواب في المعارضة. وبالنسبة لماكرون فستكون المهمة أصعب. والمهم في النتائج هي أن ماكرون الذي لم يحبه الفرنسيون أبدا واضطر الناخب أن يختار بين ما هو سيء وأسوأ في الانتخابات الأخيرة التي تقدم فيها على منافسته لوبان بـ 19 نقطة، سيواجه صعوبة في تمرير سياساته وأصعب مما فعل في عام 2017 عندما استطاع حزبه «الجمهورية للأمام» الفوز بـ 350 مقعدا. وترى مجلة «إيكونوميست» (22/6/2022) أن ماكرون سيبحث خلال السنوات الخمس المقبلة عن أي صوت يستطيع من خلاله تمرير أي أجندة له و «هذه أخبار سيئة لفرنسا ولأوروبا التي تفتقر إلى زعيم يتمتع بمكانة عالمية، بعدما غادرت أنغيلا ميركل المشهد في الشتاء الماضي. وسيجد الرجل الذي أمل بأن يحل محلها ويعيد تشكيل القارة نفسه أمام تحدي التركيز على إعادة ترتيب بيته».
وعلينا ألا نفاجأ بالنتائج الأخيرة، ففي انتخابات نيسان/أبريل صوت نصف الناخبين تقريبا لواحد من المرشحين في الجولة الأولى، ثم تجمع عدد كاف من الناخبين وسمحوا لماكرون بأن يهزم زعيمة اليمين لوبان. ولكن النتيجة الباهرة التي حققها لم تكن كافية لأن تزيل عنه ماركة «رئيس الأغنياء» وان قلة من الفرنسيين تحبه، فيما أثار سخط الكثيرين. فقد منحه الفرنسيون الوظيفة مرة أخرى ولكنهم هذه المرة جردوه من السلطة. ومن هنا فماكرون أمام معضلة داخلية وخارجية وأخرى تتعلق بماركته «الماكرونية» التي يرى معظم المعلقين أنها كانت الضحية الأكبر لهذه الانتخابات. وعليه والحالة هذه البحث عن طريقة أخرى للحكم وإقناع الناخب الفرنسي بجدية ما يقول.
ضحية نفسه
وتقول المجلة إن ماكرون كان ضحية نجاحه، فقد استخدم في ولايته الأولى سياسة الغزو ومحاولة سرقة الأحسن والأفضل من يمين الوسط، الجمهوريين ويسار الوسط الاشتراكيين. ومن خلال التلاعب على التيار الرئيس في السياسة قام بتشجيع الناس الغاضبين للرحيل إلى معسكر لوبان أو ميلانشون. وسيجد ماكرون صعوبة في تهدئة الغاضبين من المعسكرين، وبدون أن يزيد النفقات المالية التي لا تملكها حكومته.
ويرى هنري أولسن في صحيفة «واشنطن بوست» (22/6/2022) أن إهمال الميول الشعبوية التي شجعها ماكرون في ولايته الأولى في اليمين واليسار هي بمثابة وصفة للكارثة. فقد كان يعرف اليسار الذي تغيب بعضه عن الانتخابات أو صوت آخرون لماكرون على مضض من أجل حرمان لوبان من الرئاسة أو على قاعدة عدو عدوي صديقي أنهم، لو حشدوا أصواتهم ضد نواب ماكرون فسيحرمونه من السلطة، ونفس التفكير كان لدى اليمين المتطرف الذي فاز في مناطق لم يكن يحلم أن يفوز فيها.
اليسار لم يمت
ولعل أهم قصة في الانتخابات البرلمانية الفرنسية هي أن اليسار لم يمت، وحسب جيمس ماكولي في «واشنطن بوست» (22/6/2022) فقد خرج اليسار يوم الأحد كقوة سياسية، هذا رغم اللازمة في التعليقات السياسية الفرنسية منذ أشهر إن لم تكن سنوات هي ان «اليسار ميت» وهي عبارة أكدتها النهاية الكارثية لفرانسو أولاند عام 2017 إلا أن حملة ميلانشون القوية وبروز تحالف الخضر- اليسار يعطي صورة أن يسارا قويا بات محتملا. وتكمن الجاذبية في هذا التحالف الجديد في وعوده في التقاعد المبكر والحد الأعلى من الأجور، وسيظل السؤال قائما حول أداء اليسار في البرلمان ككتلة، إلا أن النتائج الأولية تكشف أن اليسار كقوة سياسية لم يمت، وما حدث هو في الحقيقة تعرضه للتشرذم.
ما العمل؟
من الناحية المثالية قد يحاول ماكرون إنقاذ رئاسته من خلال التركيز على الإصلاحات التي تحتاجها فرنسا من ناحية تبسيط متاهة التقاعد وإرساء الأسس لعملية التحول في مجال الطاقة وفتح النظام التعليمي المتجمد. ومع ذلك فالمستقبل يبدو قاتما بالنسبة لماكرون وأجندته معلقة في الهواء. وهو وإن دعا قادة المعارضة للنقاش إلا ان الدستور يمنحه سلطات في مجال الدفاع والسياسة الخارجية ولديه الحق أيضا في تمرير الميزانية وتشريعات أخرى. ولو رأت المعارضة أنه يتجاوز صلاحياته فربما دعاها لسحب الثقة من حكومته. ومن الخيارات المتوفرة لديه هي تجميع تحالفات لتمرير تشريعات بعينها، قد تخدم اليمين المحافظ أو تجد دعما من الخضر أو اليسار، ومع ذلك ستواجه محاولاته مقاومة وفي حالة حله البرلمان فلن يغامر أي طرف بخسارة الناخبين لصالح ماكرون وتحالفه المكروه. ولأن الحكم الرئاسي الفرنسي يشبه الحكم الملكي، ولطالما أطلق على ملوك فرنسا لقب «الملوك الجمهوريون» فهو يفتقد لتقاليد التحالفات. وتتسم السياسة الفرنسية بالاستقطاب لدرجة يصعب فيها التوصل لاتفاق على سياسة بعينها. ويحتاج ماكرون تغيير هذه السياسة والنزول من كوكبه وطريقة حكم المعروفة بـ «جوبيتر» إله السماء والآلهة في الميثولوجيا الرومانية- بصفته الرعد والبرق وباعتباره القائد الأعلى الذي يتحكم بكل شيء. وبالمحصلة كما يقول إيان بريمر بمجلة «تايم»(23/6/2022) يواجه ماكرون مصيرا مجهولا فقد انتخب لقيادة البلاد لكن الناخبين لم يمنحوه العدد الكافي لكي يتبعوا سياسته. وأشار أن ماكرون الذي خسر أغلبيته المطلقة ليس وحده من يواجه المصير المجهول بل والأحزاب التي أطاحت به، مشيرا إلى أن المعارضة من اليمين واليسار تواجه مخاطر التفكك، فأكبر كتلة معارضة مكونة من جماعات سياسية غير متجانسة التي جمعها بزعامة ميلانشون، هي خليط من الخضر واليسار المتشدد والاشتراكي ولكل منها مصالحها المتباينة. ويتوقع أن يبحث ماكرون عن دعم من حزب الجمهوريين المحافظ والذي فاز بـ 64 مقعدا، لكن الجمهوريين لهم خلافاتهم أيضا. وهناك عدد كاف من الوسطيين داخل الحزب ممن يشتركون في الرأي مع ماكرون بقضايا تتعلق بخفض الضريبة ونفقات الدولة ودعم أجندته الإصلاحية. إلا أن جزءا كبيرا من نواب الجمهوريين يميلون نحو اليمين القومي ويرغب الكثيرون داخل هذا الجناح بتحدي ماكرون ومواقفه المؤيدة لأوروبا والإصلاحات الاقتصادية. وفي وضع كهذا ستعاني الحكومة الفرنسية من شلل تام. ولن تؤثر خسارة ماكرون على مواقفه في السياسة الخارجية، وبخاصة أوكرانيا إلا أن ما يهم هي سياسة الإصلاح طويلة الأمد التي ستظل رهنا للجدال في الجمعية الوطنية. وربما عول «الإبن الذهبي» للسياسة الفرنسية على تعب الناخبين بطريقة تمكنه في الربيع المقبل حل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة. لكن من الصعب رؤية التغيير الذي سيحصل لحين ذلك بشكل يقوي من مركز الرئيس.
نهاية الماكرونية
وعلى ماكرون كما تقول إيلوي باري في «تايم» (21/6/2022) الاعتراف بأن الماكرونية بما تعنيه إحياء المركز في السياسة الفرنسية وإنعاشه قد انتهت. فعندما انتخب عام 2017 وعد بأن يجعل كلا من جناح اليمين واليسار في السياسة الفرنسية حاجة زائدة لا تعني الكثير، وبعد عامين من وباء كورونا والإحباط المتزايد من عدم المساواة فقد انقلب الناخبون ضد رؤية ماكرون الوسطية، كما أن مصير حزب «النهضة» أو ما كان يعرف بالجمهورية للأمام ليس مؤكدا في مرحلة ما بعد ماكرون. وبصعود لوبان الجديد فإنها ستتمكن من المطالبة بسياسات متشددة مثل منع الحجاب لإرضاء قاعدتها الانتخابية. وترى فيليب مارلييه، أستاذة الدراسات الفرنسية في يونيفرستي كوليج بلندن أن دعوة ماكرون إلى الوسطية هي المسؤولة عن التحول في مواقف الناخبين نحو اليمين، فخلال السنوات الخمس الماضية تبنى ماكرون سياسات للحد من الهجرة ودعم اجراءات رأت جماعات حقوق الإنسان أنها تمييزية. وقالت «لو قلدت اليمين المتطرف في قضاياه التقليدية مثل النظام والقانون والهجرة فإنك تضفي الشرعية على اليمين». وقبل انتخابه مرة ثانية تساءل الكثيرون عما ستكون المرحلة المقبلة من حكمه هل هي مواصلة لسياسة «جوبيتور» أم انها متغيرة، ويبدو أن ماكرون رقم 2 سيعرف من خلال نهاية الماكرونية كما تقول سليا كولكات بمجلة «بوليتكو» (23/6/2022). ونقلت عن أوليفر روزنبرغ، أستاذ الدراسات الأوروبية بجامعة بو للعلوم في باريس «من الواضح انه فقد الزخم» و «نشاهد الآن محدودية ماكرون الوسطي الذكي». وترى أن سقوط ماكرون من كوكبه وبشكل صاعق جعل الكثيرين يتساءلون إن كان الرئيس الذي وصل إلى السلطة رغم كل الأضداد قد فقد بريقه وحظه. وقالت إن الرئيس ارتكب في الأسابيع الماضية الخطأ بعد الخطأ وأساء التقدير بشكل قاد لكارثة الأحد: حملة فاترة ودفاعية في الانتخابات الرئاسية وزيارة لأوكرانيا لم تكن في وقتها وتعيين حكومة تكنوقراط لا طعم لها والغياب شبه الكامل للانتخابات البرلمانية. ويقول فيليب زاووتي، المسؤول السابق بحزب ماكرون «في البداية كانت هناك رؤية حقيقية» و «الماكرونية قدمت تجديدا سياسيا أبعد عن اليمين واليسار، إلا أن الرؤية تصادمت مع العالم الحقيقي، الوباء وحرب أوكرانيا وغياب الرؤية». وتقول «بوليتكو» إن النكسة التي تعرض لها ماكرون لم تكشف عن ضعف نهجه للسياسة بل وصلاحيته أيضا. ومثل رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير فقد حاول التلاعب على الإنقسام يمين- يسار وقدم صيغة سياسية جديدة تؤكد على الكفاءة، أي الماكرونية. وحقق ماكرون ضمن هذه الرؤية إنجازات مثل إصلاح قانون العمل وتخفيض البطالة وإدارة مكافحة كوفيد-19. ولكنه همش الرموز السياسية المهمة مفضلا الولاء على الثقل السياسي، بحيث وجد نفسه غير قادر على مواجهة التحديات. صحيح أنه تحالف في البداية مع رموز مهمة إلا أن طريقة حكمه من خلف الأبواب كما في مواجهة كوفيد تركته معزولا وبدون حلفاء. كما أن هناك مشكلة شخصية زادت من الكراهية وهي عجرفته ومحاولته التصرف بشكل أبوي ضد المحرومين ومنعه العمل الجماعي داخل إدارته باعتباره المرجعية الأولى والأخيرة. وقال السفير الفرنسي السابق جيرارد أرود «هناك كراهية كبيرة ضد ماكرون» و«في أجزاء كبيرة من السكان وبخاصة أصحاب الستر الصفراء فالكراهية عميقة جدا». ويعتبر هذا بمثابة الفشل السياسي من جهته، فحركته «إلى الأمام» كانت جديدة لكن أسلوب حكمه ظل منعزلا، وحتى النقاشات العظيمة التي نظمها بعد أزمة الستر الصفراء لم تكن سوى تعبير عن نرجسية حقيقية وبدون أن يقدم أجوبة.
وقال المحلل السياسي جيروم سانت ماري «صورة الرئيس تشوهت» مضيفا أن غياب الحركة السياسية عند ماكرون عنت انه انتخب كرئيس بدون حزب ونواب. والمشكلة لا تتعلق بغياب الحزب بل بالايديولوجية، مقارنة مع اليمين واليسار، فمارين لوبان تريد العودة للدولة الوطنية أما ميلانشون فيريد اشتراكية تحقق المساواة بين السكان، لكن الماكرونية ليست أيديولوجية بقدر ما هي طريقة لفرض حلول دعمتها النخبة الفرنسية تدفع اليمين واليسار للتعامل الجاد في الإصلاح، إلا أنها تعاني من أزمة بسبب ماكرون الذي بنى ومن معه من الإصلاحيين جدارا حولهم. والمشكلة الأخرى التي تعاني منها الماكرونية هي إدعاء المرونة وأن الرئيس قادر على الخروج من أزمة «اليوم نفتح فصلا جديدا» كتب وزير أوروبا كليمنت بيون في تغريدة على تويتر. وحتى ينجو ماكرون هذه المرة فعليه إعادة تشكيل طموحاته لكي تتناسب مع سياسات التفاوض والتعاون عبر التنازل. إلا أن روزنبرغ من جامعة بو للعلوم يشك في حصول هذا بالسياسة الفرنسية التي تعني أن الفائز يأخذ معه النظام. واستبعد ماكرون عام 2016 نظاما سياسيا مثل ألمانيا مبررا ذلك بأن بلاده ليس لديها «وطنية دستورية». كل هذا لا يعني مساحة للمناورة، فسلاح التهديد لليمين المحافظ بانتخابات جديدة ربما كان واحدا، لكنه سيزيد من عزلته ويفقده الشعبية التي بقيت، وربما ركز على سياسته الخارجية وموقع فرنسا ورئاستها للاتحاد الأوروبي ولكن بدون مصداقية وسلطة في الداخل.
وفي النهاية تركت انتخابات الأحد الماضي ماكرون ضعيفا، فهذا الرجل القادم من خارج التقاليد السياسية حاول تحطيم الأسس التي قامت عليها بنية الحكم في بلاده ليجد أنها هي التي روضته. وربما استطاع اجتراح مفاجئة جديدة، وقبل أن يفعل هذا فعلى إله السماء «جوبيتور» أن يعتاد الحياة بين البشر.