تساءلتُ في قرارة نفسي، كما تساءل الكثيرون بدون شك: ماذا لو أن ممثلي الشعب المحترمين انسحبوا من القاعة الكبرى للبرلمان المغربي، حينما شرع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في «دس السم في العسل»، على مرأى ومسمع من كل الذين تابعوا خطابه المنقول مباشرة عبر القنوات التلفزيونية؟
فهو من جهة، يردد الكلام الذي يدغدغ المشاعر حول مغربية الصحراء، ولكنه يقرنه بالاستثمارات والصفقات الاقتصادية التي تعتزم باريس تنفيذها في المغرب عمومًا وفي الأقاليم الصحراوية خصوصًا.
وهو من جهة ثانية، ينفث سمومه الجارحة للمشاعر القومية والإنسانية، حينما طفق يلصق أبشع الأوصاف بالمقاومة الفلسطينية المجيدة، ويعلن اصطفافه الصريح بجانب المجرمين الصهاينة الذين يرتكبون حرب الإبادة العرقية في حق الفلسطينيين بشكل أكثر عنفا ودموية وغطرسة، دون أن يحترم شروط الضيافة، وفي مقدمتها مراعاة شعور مستضيفيه الذين تتوحد أحاسيسهم حول ما يقع في الأراضي المحتلة، ويجسدون ذلك الانصهار في الوقفات الاحتجاجية والمسيرات التضامنية التي تشهدها مختلف المدن المغربية يوميا تقريبا. كما يُجسَّد على المستوى الرسمي في البيانات المؤيدة لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، ويُجسَّد كذلك في المساعدات الطبية والغذائية والإنسانية التي يبادر المغرب إلى تقديمها لأهالي فلسطين.
من دون خجل، وصف ماكرون، وهو يتحدث أمام البرلمانيين المغاربة، ما قامت به المقاومة الفلسطينية يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر بـ»العمل الهمجي» (استعمل عبارة البربري)، واعتبر أن «من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها»، تبريرًا لعمليات التقتيل البشعة التي ترتكبها يوميا، والتي تشمل البشر صغارا وكبارا، بمن فيهم رجال الإسعاف والإعلاميون وممثلو المنظمات الإنسانية وغيرهم… كما تشمل المنشآت المدنية والدينية من مستشفيات ومساجد ومدارس، فضلا عن تدمير المنشآت السكنية، لدرجة أن غزة صارت خرابًا يبابًا.
المعادلة المقلوبة
إسرائيل «المسكينة» تفعل كل هذا دفاعًا عن النفس فقط، كما يزعم الرئيس الفرنسي «ضيف المغرب الكبير»، ويُعيد أسطوانة أن الخطيئة بدأت يوم 7 أكتوبر تحديدًا، تاريخ حدوث الهجوم «البربري» بحسب نعته المختلّ، متغافلاًً عمّا ترتكبه «إسرائيل» منذ أكثر من 70 سنة، حيث يحفل تاريخها الدموي بالمجازر الوحشية التي حصدت مئات الآلاف من الناس الأبرياء، وبالاغتيالات المتواصلة للقياديين ورموز المقاومة الفلسطينية، وعمليات تهجير السكان خارج وطنهم، والاستيلاء على أراضي وممتلكات الفلسطينيين لمنحها إلى «المستوطنين».
ثم يأتي ماكرون ليقلب المعادلة، فيجعل الظالم مظلومًا والمظلوم ظالمًا. والواقع أنه لم يبتدع شيئا من خياله الذي يشطح بصور نمطية تدغدغ مشاعر الصهاينة وأنصارهم في فرنسا، بل إنه يستلهم ذلك من قاموس التاريخ الاستعماري الفرنسي الذي كان يستعمل عبارات قدحية في حق المقاومين المغاربة والجزائريين والتونسيين، من قبيل «المُخرّبين» و»الفوضويين» و»المتمرّدين» و»الخارجين عن القانون» و»مثيري الشغب»، وذلك من أجل تشويه نضالاتهم المشروعة من أجل استقلال وطنهم، واعتبارهم تهديدًا للنظام الاستعماري القائم، وبالتالي تبرير قمعهم وقتلهم.
وهذا بالضبط هو ما تفعله «إسرائيل» منذ عدة عقود… والأدهى أنها تقتل المدنيين بحجة أنهم يُستخدَمون «كدروع بشرية» من طرف مَن تنعتهم بـ»الإرهابيين» (وهم أشرف من حثالات الكيان المحتل)؛ وتُخرّب المدارس والمستشفيات والمساجد ومراكز الإيواء بذريعة أنها تأوي تلك الجماعات.
الاستعمار يختبئ وراء أقنعة مختلفة، تُخفي وجهه البشع، لكن قاموس الهجاء يفضحه. ألم يقل «أسد الريف» المجاهد محمد عبد الكريم الخطابي قديمًا: «الاستعمار ملّة واحدة»؟
بين الأمس واليوم
صفحة الصحافي المغربي محمد المساوي على «الفيسبوك»، تتضمن من حين لآخر، بعض الإشراقات المميزة، وأطرفها تلك التي ينشرها هذه الأيام، مقارنا بين ما يكتبه صحافيون وجامعيون (يُنعتون بالمؤثرين) في سياق تمجيد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب، وبين تدوينات ومقالات سابقة لهم، نشروها العام المنصرم، ساخرين من الشخص نفسه، والسبب: حالة الجفاء التي كانت سائدة آنذاك بين بلاده وبين المغرب، لدرجة أن سلطات الرباط رفضت مساعدة اقترحها ماكرون من أجل المساهمة في التخفيف من مخلفات زلزال منطقة «الحوز».
كتب أحدهم عام 2023: ماكرون «بهدل» فرنسا، وحولها من بلاد الأنوار إلى بلاد الأشرار. وكتب آخر: بعد طرد فرنسا ماكرون من أفريقيا الوسطى ومالي وبوركينا فاسو. المعارضة الغابونية تطلق حملة ضد زيارة ماكرون للغابون، وتدعو إلى جعل العاصمة ليبروفيل مدينة شبح مع قرع الطناجر. وكتب ثالث: «فرنسا تجمع شطايطها (أي أسمالها) مذلولة في أفريقيا».
الظاهر أن مواقف بعض «المؤثرين» تميل مع رياح السياسة حيث مالت، حيث «لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، ولكن مصالح متبادلة».
التوازن المطلوب
أما الإعلام الفرنسي، وخاصة القنوات التلفزيونية، فقد طفق يستدعي محللين سياسيين إلى طاولة الحوار، من أجل محاولة فك ألغاز هذا التقارب الذي تبديه فرنسا تجاه المغرب، لدرجة أن محللا في قناة «سي نيوز» قال إن إيمانويل ماكرون «قدّم هدية» إلى الرباط من خلال الاعتراف بسيادتها على الصحراء. وفي الوقت نفسه، حسب المحلل نفسه، أراد أن «يسخر» من الجزائر بتفضيل زيارة المغرب عليها.
وأدلى التلفزيون الألماني الناطق باللغة العربية بدلوه في الموضوع، فخصص برنامجا حواريا حاول فيه المتدخلون الإجابة على سؤال عريض، وهو «هل تخلّت فرنسا عن سياسة التوازن بين المغرب والجزائر؟»، حيث قال أحد المتحدثين إن الدولة العميقة في فرنسا أدركت أن الرهان على الجزائر رهان خاسر، كما أثبتت ذلك العلاقة المتشنجة بين البلدين وصعوبات تحقيق أي تقدم على مستوى المصالحة في الذاكرتين الجزائرية والفرنسية.
بينما ذهب آخر إلى القول إن الوضع الاقتصادي في فرنسا لا يسمح لها بأن تستغني عن السوق الجزائرية، ولذلك فإن الرئيس ماكرون لم يكن مضطرا أمام البرلمان المغربي عندما قال «ما أقوله ليس موجها ضد أحد»، فعلا (يوضح المحلل نفسه) إنه يريد في النهاية أن يطمئن المسؤولين الجزائريين، لأنه يعرف جيدا أن المصالح يمكن أن تتعرض لخطر، بما فيها المصالح مع جنوب الساحل الأفريقي. وأشار المتحدث إلى أن الجزائر لم تستعمل أبدا في سياستها الخارجية ورقة الهجرة، مؤكدا أن «الجزائر تريد أن تكون علاقة عادلة وندية». وخلص إلى القول «إن فرنسا مدعوة لأن تدرك أن سياسة التوازن المطلوبة ليست انتصارا لأحد، وإنما لأن تبقي على دور مهم في المنطقة المغاربية، عوض الاستمرار في الانزلاقات الحالية».
٭ كاتب من المغرب