د. عواد أبو زينة ما أن بثت الجزيرة البرنامج الوثائقي وملحقاته عن تسميم الشهيد ياسر عرفات حتى تدافعت التعليقات والآراء والأخبار والمقابلات والكتابات، وظهرالمحللون والمعقبون والخبراء والسياسيون والصحفيون بلغة عربية وغير عربية. تسابقت وسائل الإعلام إلى الحصول بطرقها على ما تسميه أسراراً، كان آخرها حتى هذه اللحظة، ولن يكون الأخير، الفيلم الذي بثته قناة الميادين من سجن النقب في جنوب فلسطين وقالت إنها حصلت عليه سراً، يتحدث في الفيلم شاب اعترف فيه أنه هو من دس السم في طعام الشهيد، بتكليف من المخابرات الإسرائيلية. وفي ثنايات القصة يظهر بوضوح تواطؤ رجال مطبخ عرفات، وغفلة واستهتار (إن صدق قول الفتى) من حراس الشهيد، وبترتيبات وتنسيق مع مجموعة كبيرة من الضباط الإسرائيليين بعد أن تم تجنيده ثم تنفيذه لخطة إسرائيلية بقصة تبدو أكثر من أنها تستخف بعقل المشاهد.
قبل ذلك، وكردِّ سريع من إسرائيل على فيلم الجزيرة سارعت هذه على لسان المدير السابق للشين بيت، وعلى لسان غيره إلى إنكار أن تكون إسرائيل مسؤولة أو متورطة في استشهاد عرفات، وعادت آلة الإعلام الإسرائيلية وأذرعها الطويلة في العالم إلى التذكير بما قالته من قبل من أن عرفات مات بسبب السرطان، أو الإيدز أو مرض غير معروف. لا أريد أن أًطيل هنا لأن من مصلحة إسرائيل أن تُبعِد النار والحريق عن بيتها، وتقذف بها كعادتها- إلى بيوت الآخرين، ولا يتوقع منها غير توجيه البوصلة إلى أمكنة بعيدة عنها، والتشويش على القضية من أساسها وبخاصة أن المؤشرات الأولى تشير إليها وإليها فقط، فلا يملك أحد عنصر البولونيوم سوى الدول النووية، وإسرائيل دولة نووية، وهي صاحبة المصلحة الأولى في التخلص من عرفات، وقد قام كثير من المسؤولين الإسرائيليين في حينه، أي قبل الحصار وأثناء الحصار، وعلى رأسهم شارون بإبداء رغبتهم في التخلص من عرفات، والتهديد بتصفيته ‘لأنه عقبة في طريق السلام، وإن تم التخلص منه فسوف يتحقق السلام’. وها نحن في السلام الذي وعدوا به. يبدو أن ذلك الفهم للسلام فهم خاص تتكشف مقوماته وأسسه يوما بعد آخر ليس هذا مكان عرضها. ولكن أقلها حماية أمن إسرائيل بجميع الوسائل، ومنها استثمار أطراف فلسطينية.
أما الجانب الفلسطيني الذي يملك الملف الرئيسي، والذي كان قد شكل لجنة للتحقيق في استشهاد عرفات فصوته ما زال خجولاً وخافتاً ومهزوزاً ومتلعثماً ومرتبكاً، وكأنه قد سكت من هول مفاجأة إن عرفات قد استشهد. ويبدو أن السلطة الفلسطينية أقل عناية من أن تتبنى موقفاً حاسماً وحازماً ومتقدماً، ولجأت إلى المثل: ‘إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب’ توخياً للسلامة كما يبدو، أو أن القضية لا تحظى بالأولوية في قائمة أجندتها، وتبدي عجزاً عن اتخاذ موقف واضح لا غمغمة فيه، وكأنها غير راغبة في التحرك خطوة إلى الأمام، بل إن رد السلطة يؤشر إلى ميلها إلى ترك القصة لتموت موتاً طبيعيا بفعل الزمن والتقادم، فقصص الإعلام زوبعة في فنجان، سرعان ما تتلاشى، وكأنها تراهن على قصر الذاكرة، وكل ما صدر عنها في القضية هو استعداد السلطة لفتح التحقيق في الموضوع، واستصدرت فتوى بإجازة فتح ضريح الشهيد وأخذ عينات من رفاته. معنى ذلك كأن السلطة أو المعنيين بالموضوع كانوا قد أغلقوا الملف، وهم يستعدون لفتحه. كيف أُغلق؟ ومتى؟ ولماذا؟ ومن أغلقه؟ وعلى أي النتائج ينطوي؟
وهنا لا بد من إثارة عدة أسئلة: لماذا قصرت لجنة التحقيق التي تملك أوراق الملف كاملة حتى الآن من القيام بدورها؟ ماذا فعلت هذه اللجنة على مدى ثماني سنوات؟ وإذا كانت قناة الجزيرة قد استطاعت في تسعة أشهر أن تصل إلى هذه النتائج التي شاهدناها في فيلمها الوثائقي العلمي، فلماذا لم تفعل اللجنة ما فعلته الجزيرة في ثماني سنوات؟ هل إمكانات الجزيرة وطاقاتها وإمكانياتها ووسائلها وأدواتها تفوق إمكانيات السلطة ولجنة التحقيق؟ هل أُطلقت يد اللجنة الفلسطينية وأُعطيت لها الصلاحيات والإمكانيات المالية والتقنية والقانونية والطبية للقيام بعملها بشكل حقيقي وسليم ومخلص للوصول إلى نتائج فاصلة؟ لماذا دُفن جثمان عرفات في صندوق إسمنتي نقل فيه من المستشفى العسكري الفرنسي، ولم ير جثمانه أحد؟ لماذا قبل الفلسطينيون بهذا الترتيب الإسمنتي؟ ألم يُقل لهم لماذا؟ ألا يثير إجراء أن لا يُكشَف عن جثمان عرفات آنذاك أسئلة طبية وأمنية وإنسانية؟ وبالتالي هل ما دفن في رام الله هو جثمان عرفات حقاً؟ وأين رفات عرفات حقيقة؟ هل أكله سمك البحر المتوسط؟ وهل ما دفن شيء آخر؟ لماذا جرت تحفظات فرنسية كثيرة على الكشف عن نتائج الفحوص الطبية والتحلايلات كلها؟ ولماذا لم تثر هذه التحفظات في حينه أسئلة لدى أجهزة السلطة وأجهزة منظمة التحرير الفلسطينية؟ لماذا أثيرت زوبعة الخلافات على تركة عرفات المالية والسياسية في حينه والمسائل العائلية بحيث طغت على ما سواها؟ يمكن أن نفهم أن الحزن الشديد الذي انتاب قرينة عرفات صرفها عن اتخاذ قرارات مهمة، ويمكن أن نتفهم ما عانته من ضغوط عائلية واجتماعية وسياسية وعرفية وثقافية بحيث لم تتخذ إجراء قانونياً في حينه عن القضية الأساس، فهل أصيب جميع من لهم دور وقرار بشلل في التفكير والتساؤل؟ وهل انحصر دور لجنة التحقيق في جمع ما يتيسر وبدون عناء من قرائن وأدلة وضمها إلى ملف التحقيق؟ هل كانت ديكوراً لامتصاص المطالبات بالتحقيق فأصبحت مدفناً للحقيقة؟ أسئلة برسم الإجابات من الأطراف المعنية.
ولماذا مرت ثماني سنوات والمتخصصون يقولون الآن إنه من الصعب الجزم بنتيجة إي تحليل لعينات من رفات الشهيد حول وجود البولونيوم حيث أن مدة حياة هذا العنصر هي أربع سنوات، وبذلك يكون الدليل القاطع قد تبخر منذ أربع سنوات؟ وهل سيشكل هذا مخرجاً للطرف الجاني، هذا لو وصل التحقيق إليه، لكي يدفع عن نفسه تهمة الجريمة ويدعي أن لا إثبات في رفات عرفات على التسمم بذلك العنصر، وإن ما وجد في متعلقاته يكون قد أُضيفت إليها في مكان ما وفي زمان ما بعد استشهاد عرفات ولسبب ما ويكون ذلك طعناً فيما يقال الآن عن الأدلة؟ ألم يدرك المعنيون بالتحقيق أن الزمن يعمل ضدهم واكتفوا بالقول إن الجريمة لا تسقط بالتقادم؟
ربما تكون نقطة البداية ليس بالتحقيق في سبب استشهاد عرفات، بل البدء بالتحقيق مع المكلفين قانونيا وسياسيا بمتابعة استشهاد عرفات، ومع لجنة التحقيق ومعرفة صلاحياتها وواجباتها وما أتيح لها، وما منح لها من طاقات، وما فعلته منذ نحو ثماني سنوات، وما هي النتائج التي وصلت إليها، ولماذا لم يتم حتى اللحظة التواصل مع الأطباء الذين كانوا معالجين أو مقربين من المعالجين أو لهم صلة ورأي في السبب وفي المعالجة. لقد أبدى بعض العلماء والأطباء العرب من ذلك الحين اجتهادات وفرضيات عليمة لم تسألهم عنها لجنة التحقيق حتى الآن. جاء في خبر الميادين أن هذا الفيلم، وهذا التحقيق يعود إلى عام 2006، كما جاء فيه أن الفتى قد فعل ذلك بين الشهر السادس والسابع من عام 2004 ، وهو تاريخ قريب جداً من بداية معاناة الشهيد بالمرض الذي مات فيه. وهذا التاريخ سبق أن طرح في مقالات سابقة ربطت بين تحركات أمنية سرية فلسطينية وإسرائيلية ودولية. وهنا لا بد للمدقق أن يتساءل: هل بهذه البساطة يمكن أن يحتفط أسير في سجن إسرائيلي مع ما نعرفه عن إدارة السجون الإسرائيلية بما تفرضه من إجراءات لا تسمح للأسير حتى بحبة دواء؟ كيف تم الاحتفاظ بهذا الفيلم بدون أن تعثر عليه سلطة السجون الإسرائيلية مدة ست سنوات؟ ومع التسليم بقدرة من احتفظ به هذه المدة بطريقته الخاصة، فلماذا لم يكشف عنه في أي لحظة في السنوات الست؟ وإذا كان قد عجز عن توصيله للسلطة أو لجنة التحقيق أو وسائل الإعلام، فكيف أوصله في يومين إلى ثلاثة إلى الميادين؟ وكيف وصلت إليه الميادين؟ ولماذا الميادين وليس الجزيرة التي هي صاحبة المبادرة بفتح هذا الملف مجدداً؟ وما هي وسيلة التسريب أو الشخصية التي سربت هذا الفيلم إلى الميادين أو سهلت الحصول عليه؟ وهل ستطلب لجنة التحقيق الفلسطينية أصل هذا الفيلم لتتم إضافته إلى ملف التحقيق؟ وهل الميادين مستعدة لوضع هذا الفيلم بدون أي قطع منه بين يدي لجنة التحقيق أو إلى الجامعة العربية؟ وهل الجامعة العربية مستعدة لتلبية دعوة تونس لعقد اجتماع على مستوى الوزراء؟ وهل ستحمل الجامعة الملف إلى المنظمات الحقوقية والقانونية الدولية والشغل عليه أم هي مشغولة بملفات أخرى تتقدم هذا الملف بكثير؟ هل سيحظى هذا الملف بالزخم الذي حظي به مقتل الحريري سياسيا وقانونيا؟ وهل سيتم نزع الملف كلياً من لجنة التحقيق الفلسطينية ليسلم إلى جهة قانونية عربية مخلصة ومحايدة؟ ولمذا لا تتشكل لجنة تحقيق دولية ومحكمة دولية على غرار ما جرى في قضية الحريري؟ ولماذا يطرح اسم محمد رشيد في مسألة فيلم الجزيرة؟ وما علاقته بالملف أصلاً، أقصد تسميم عرفات؟ وما علاقته بما نشرته الجزيرة؟ وهل له علاقة بالفيلم الذي نشرته الميادين؟ وإن كان له علاقة بهاتين المسألتين فما العلاقة بما قيل من طلب السلطة من الإنتربول إلقاء القبض عليه وتسليمه لها وإثارة الموضوع؟ هل لرشيد علاقة بقيام الجزيرة بالتحقيق العلمي المخبري في قضية الاستشهاد؟ وإذا كان الأمر كذلك فما الذي يدفعه إلى ذلك؟ وإن صدق أن له دوراً في تحقيقات الجزيرة فلماذا صمت ثماني سنوات شأنه شأن السلطة ولجنتها؟ وإذا كان رشيد أكثر من يعلم أن يد السلطة قصيرة في الوصول إليه لأسباب كثيرة: فلماذا يثير الموضوع الآن وبهذه الحدة إن كان له حضور فيها؟
وحول فيلم الميادين، ومع الإدراك بدور المخابرات الإسرائيلية في كل ما يلحق بالفلسطينيين، وبخاصة التعامل مع صغار السن، فإن مشاهدة الفيلم تثير عدداً من الأسئلة. وطرح هذه الأسئلة لا يعني تبرئة للمخابرات الإسرائيلية، ولا يعني تبرئة فتى في عمر ذلك الشاب أو غيره، ولكن من السذاجة أن يصدق الإنسان ذو العقل أن يتمكن شاب بعمر الشاب الذي ظهر في الفيلم بتجاوز أكثر من صف من الحراس لينفذ مراده. كيف لا يعرف الحراس أن هذا الشاب يعمل في المطبخ أو لا؟ وهل هذا الشاب الذي يبدو رخو الحديث في الفيلم يتمتع بالشجاعة والجرأة المدفوعة بالخوف والإغراء -كما صرح- بأن يواجه على الأقل صفين أمنيين بدون أن يظهر عليه شيء غريب أو مريب؟ وهل الحراس كلهم من الغباء والبلادة بحيث يمر عليهم مثل هذا السيناريو وهم أكثر من يعرف الظروف المحيطة بعرفات، أقلها أن رأس عرفات مطلوب إسرائيليا؟ وكيف يسمح الطباخون وهم يعرفون كما جاء في الفيلم أن الهدف هو قتل عرفات؟ وهل من العادة أن يقدم طارئون على المكان طعام عرفات؟ وهل عرفات، مع نعرف عنه من الحذر الأمني الفائق أن يتقبل أن يقدم له وجه غريب طعامه؟ وكيف يقدم الطعام لعرفات وحده مع وجود مجموعة من القادة والزعماء الفلسطينيين كما جاء في الفيلم- حوله ولا يقدم إليهم الطعام؟ ألم يثر هذا الأمر شك عرفات وهو المسكون بهاجس الملاحقة والمطاردة والقتل رغم عدم خوفه منه؟ أم أن الآخرين كانوا صياماً وعرفات لا يعرف صوم النافلة؟ وهل كان من الطبع والعادة والعرف والمقبول أن يتناول أبو عمار الطعام وحده مع وجود ضيوفه؟ ومن هو ذلك المحقق الفلسطيني السجين في سجن النقب؟ وهل خرج مع المحررين في صفقة الأسرى أم أنه ما زال في السجن كما يفهم من تقديم الميادين للفيلم؟ وما هو مصير ذلك الفتى؟ هل قتله الأسرى كما يفعلون عادة بالعصافير؟ هل قتلته المخابرات الإسرائيلية للتخلص منه بعد هذا الاعتراف؟ وهل عدمت المخابرات الإسرائيلية المعروفة وسيلة أخرى غير هذا الفتى الغر وبهذه البساطة في التجنيد والتخطيط لمهمة بحجم تسميم عرفات؟ وهل هذا هو كل التحقيق الذي جرى في سجن النقب مع هذا الفتى أم أن هناك أفلاماً أخرى وملحقات تالية؟ وهل سيتوقف أمر الأفلام عند هذا الفيلم أم أن هناك أفلاماً أخرى من معتقلات وسجون أخرى؟
فيلم الميادين وردت فيه أسماء لأشخاص ذكرهم الفتي الخاضع للتحقيق وقامت الميادين بشطبها من الكتابة ومن الصوت، ولم يرد فيه إلا اسم ضابط إسرائيلي واحد. كيف تسنى لذلك الفتى في فترة تبدو قصيرة على الأقل فيما شاهدنا- حفظ أسماء الأشخاص في مطبخ الرئيس ولم يعرف سوى اسم مجزوء مختصر للضابط الإسرائيلي؟ أقوال الشاب فيها اضطراب، خضع لتدريب عسكري، وأُلبِس ملابس عسكرية، ولا نعرف لماذا؟ هل عرض عليه القيام بمهمات أخرى؟ وهل نفذها أو لا؟ باختصار أشعر أن ليس للمخابرات الإسرائيلية بهذا الفيلم يد ولا دور لأنها لا يمكن أن تدين نفسها، وتحمل الدولة مسؤولية بهذا الحجم. كما أعتقد أن ليس لهذا الفتى اي دور سوى لعب هذا الدور المسرحي، وهناك من هو وراءه لغايات في نفس صاحبها. وهناك سذاجة في سيناريو الفيلم مما يشير إلى أنه قد أعدّ على عجل لإبعاد الشبهة عن المتورطين الحقيقيين والمقربين الذين أوصلوا السم إلى عرفات، وبالتأكيد أنها لم تكن بهذه الطريقة الساذجة جداً، وبالتأكيد أن الذين سمموا عرفات كانوا قريبين فيزيائيا من عرفات. ليس بالضرورة أن يقوم ذلك الشاب او الطباخ أو فلسطيني غيره، بل يمكن أن يكون كذلك أو أي شخص أجنبي ممن كانوا يتوافدون إلى المقاطعة المحاصرة المدمرة تحت عنوان التضامن مع عرفات. وهذه النقطة توحي ‘بتلبيس’ الفلسطينيين أنفسهم ثوب الجريمة. جميع المقربين وجميع المسؤولين الفلسطينيين الآن مُتّهمون بالمساهمة في طمس الحقيقة أو حرفها عن مسارها الحقيقى إما بالتكتم أو بالصمت أو العجز والقصور، وقد يكون التورط. أمام هؤلاء أسئلة حقيقية عليهم أن يجيبوا عليها، وأمامهم بدائل وإجراءات ومسالك تختلف عما سلكوا وفعلوا من قبل.
قد تكشف عملية تصفية الحسابات بين أصحاب المصالح من كان وراء استشهاد عرفات. وقد تكشف مثل هذه التصفيات أية بلوى ابتلي بها الشعب الفلسطيني. ولكن للسيف حدان، أخطرهما أن الشعب يدفع الثمن بحدي السيف.’ اكاديمي فلسطيني في كلية دراسات الاعلام التطبيقي في ابوظبي