عبدالهادي واكريمي في اليوم التالي، مباشرة بعد تنفيذ الجيش الفرنسي لغارات جوية على شمال مالي، قال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولند، بأنه ‘ليس هناك هدف آخر للتدخل العسكري الفرنسي في مالي إلا القضاء على الإرهاب’، وان ‘فرنسا لا تدافع عن أية مصلحة خاصة’.قول الرئيس الفرنسي بأنه ليس هناك ‘هدف آخر’ وأن فرنسا لا تدافع عن ‘مصلحة خاصة’. يكشف فعلا أن هناك مصلحة خاصة لفرنسا من وراء هذه الحرب، غير الذريعة الرئيسية التي أعلن عنها. وهي القضاء على ‘الجماعات المسلحة’ التي سيطرت على شمالي مالي، وكادت أن تبلغ حتى العاصمة ‘بامكو’ مستفيدة من الانقلاب العسكري الذي نفذه الجيش بقيادة الضابط ‘امادو سانوغو’ في 22 مارس 2012 ضد الرئيس ‘حامادو طوماني توري’ احتجاجا على اسلوب معالجة الحكومة لانتفاضة الطوارق الأمازيغ (الذين تمكنوا من إخراج القوات المالية من شمال مالي وأعلنوا استقلال إقليم أزواد). ومماطلتها في تسليح الجنود لمواجهة الطوارق المدعومين من المقاتلين العائدين من الحرب ضد قوات معمر القذافي بليبيا.لم يكن لمالي وجود، سياسي، كدولة قبل الاستعمار الفرنسي. بل كانت مجرد اقاليم صحراوية شاسعة خاصة في الشمال تحكمها قبائل الطوارق بأعرافها الخاصة بعد انهيار (امبراطورية مالي). ولم يضع خريطتها السياسية الحالية إلا الاستعمار الفرنسي قبل الخروج من منطقة الساحل. فقد وضع الخطوط العريضة لتلك الخريطة كما يريد لا كما يجب أن يكون، ضمانا لمصالحه الاقتصادية والجيو-استراتيجية ولنفوذه على المنطقة، مستقبلا بعد الاستقلال كما هو الحال بالنسبة للمناطق الاخرى التي كانت مستعمرة في العالم. وطريقة التدخل العسكري تكشف عن أن هذا التدخل خطط له بشكل دقيق ومنذ مدة وليس بطريقة استعجالية فرضتها ضرورة القضاء على الجماعات المسلحة كما يدعي قصر الإليزيه على لسان وزارة الخارجية الفرنسية. الموقع الرقمي الفرنسي Rue98.com (الأول مقروئية بفرنسا) قال بالحرف الواحد: ‘يجب ألا يتم إخفاء الحقيقة، لدينا مصالح استراتجية في هذه المنطقة من مالي ( يعني شمال مالي): اليورانيوم، البترول، الموارد الهائلة من المياه الجوفية، الأراضي القابلة للزراعة… كل هذا يكون محط أطماع الشركات المتعددة الجنسيات الفرنسية والقطرية والأمريكية… بدون أن ننسى قاعدة ‘تسًاليت’ قرب كيدال. التي تمكن من حراسة ومراقبة جميع منطقة الساحل ومنطقة البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر’. كاشفا بذلك عن تعارض تام بين ما صرح به الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، وبين الهدف الحقيقي للتدخل العسكري.اليورانيوم، الذهب… وقود الحرب الفعلي؟يعتبر اليورانيوم من أهم مصادر الثروات الطبيعية في مالي، وخاصة في الشمال، حيث يقدر الخبراء كميته بـ100 مليون طن. يوجد اليورانيوم كذلك بالجارة النيجر. وسقوط مالي كليا بيد الجماعات المسلحة يعني، بالنسبة لفرنسا، تهديد المخزون الاستراتيجي الكبير من اليورانيوم بالنيجر (الجارة الهشة لمالي). وهذا اليورانيوم لا تستغله إلا شركة ‘أريفا’ الفرنسية التي تعتبر واحدة من أكبر الشركات العالمية التي تنتج الطاقة النووية المدنية وتوجد بأكثر من 100 دولة. والتي تزود فرنسا بنسبة كبيرة من حاجاتها الطاقية. ففرنسا تحتل الرتبة الأولى عالميا بنسبة 75′ في استهلاك الطاقة الكهربائية التي تنتجها محركات نووية.وإضافة الى اليورانيوم الذي يعتبر السبب الرئيسي لهذا التدخل الذي لم يصدر ضده اي رد فعل من طرف الدول الغربية الأخرى. بل حظي بالدعم اللوجستي من طرف اسبانيا وألمانيا وبريطانيا وبدعم مخابراتي كبير من الولايات المتحدة الأمريكية. وفتحت الجزائر مجالها الجوي لمرور الطائرات العسكرية الفرنسية التي تتولى تنفيذ الغارات الجوية على الجماعات الاسلامية المسلحة. هناك معدن الذهب، إذ تعتبر مالي ثالث أكبر منتج ومصدر للذهب في القارة بعد جنوب افريقـــيا وغانا، حيث يبلغ حجم التصدير 52 طنا سنويا. واحتلت ايراداته المرتبة الأولى بنسبة 80′ من حجم إيرادات الصادرات المالية (موقع وزارة المعادن المالية). كما تعتبر مالي كذلك، أول مصدر لمادة القطن في القارة الإفريقية.إلى جانب هذا، تختزن مالي معدن البوكسيت والنحاس وخام الحديد والمنغنيز والفوسفات والملح… من ينفذ… ومن سيؤدي التكلفة؟أشارت التقديرات التي قدمت في افتتاح مؤتمر الدول المانحة بالعاصمة الاثيوبية أديس أبابا إلى أن كلفة العمليات العسكرية قد تصل إلى 950 مليون دولار. وبالتالي من سيؤدي هذه التكلفة الضخمة؟ إذا كان المنفذ الفعلي لهذه الحرب هو فرنسا، فإن الممول الحقيقي هو خيرات الشعب المالي… فكما أدى، وما يزال يؤدي النفط الليبي تكلفة الغارات الجوية التي نفذت ضد قوات معمر القذافي أي 368.5 مليون يورو خلال سبعة أشهر (1.7 مليون يورو يوميا) فإن إيرادات الموارد الطبيعية الضخمة التي حرم منها الشعب المالي، هي التي ستغطي التكلفة الاقتصادية الباهظة لهذه الحرب، فمثلا: تقدر تكلفة طيران طائرة ‘رافال’ لمدة ساعة واحدة بحوالي 26800 ألف يوروو (وفق تقرير للبرلمان الفرنسي بتاريخ أكتوبر 2012)، وما بين 2000 و 11700 يورو بالنسبة لطائرة ‘ميراج’. في حين تكلف ساعة طيران للمروحية العسكرية ‘Tigre النمر’ حوالي 25100 يورو. و2600 يورو للمروحية العسكرية ‘Gazelle غزالة’.وحسب خبير في الميزانية صرح للموقع الرقمي Busine.com فإن التدخل العسكري الفرنسي سيكلف حوالي 000 400 يورو في اليوم.، شريطة ألا تتم الزيادة في عدد القوات المشاركة وفي العتاد.نفوذ ومصالح…إضافة الى الدفاع عن المصالح الاقتصادية، فإن فرنسا تسعى الى الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي والسياسي في ما يسمى بـ’افريقيا الفرنكفونية’ التي كانت مستعمرات سابقة لها، خاصة في ظل احتدام التنافس على النفوذ في المنطقة بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. وظهور قوى منافسة أخرى مثل الصين التي تنظر إلى القارة الإفريقية عموما ودول غرب إفريقيا والساحل، كمخزون استراتيجي للثروات الطبيعية الضرورية لتحريك عجلة الاقتصاد الصيني الذي ينمو حاليا بشكل هائل. وقوى عالمية أخرى صاعدة كروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا.المغرب والأزمة المالية فرنسا لها مصالح في مالي ومصالح المغرب العليا سواء الأمنية أو الاستراتيجية تتقاطع معها. لهذا أعلن المغرب على لسان وزير الداخلية، محند العنصر، أن المغرب يدعم التدخل العسكري في مالي بدون تحفظ، خلال اجتماع الرباط بين وزراء داخلية: المغرب، فرنسا، اسبانيا والبرتغال، لبناء أرضية لمواجهة المخاطر المهددة لدول المنطقة في ظل التطورات الأخيرة بمنطقة الساحل. المغرب وجد نفسه مضطرا للمساهمة في هذا التدخل وتعهد بتقديم 5 ملايين دولار لتمويل البعثة الدولية لمساعدة مالي تحت قيادة افريقية (ميمسا) في مؤتمر الدول المانحة الذي عقد بالعاصمة الإثيوبية، أديس ابابا، يوم الثلاثاء 29 يناير 2013. هذا يبرز الدور الفعال الذي يلعبه المغرب في هذه الأزمة. فحتى قبل التدخل العسكري لعب دورا كبيرا أثناء رئاسته لمجلس الأمن الدولي في شتنبر 2012 في استصدار القرار الأممي 2085 الذي يسمح بإرسال قوات افريقية الى مالي. اضافة الى ذلك فالمغرب إلى جانب الجزائر (التي استضافت في ايلول 2011 مؤتمرا دوليا حول مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل اقصى المغرب من حضوره) فتح مجاله الجوي لمرور الطائرات الحربية الفرنسية المتجهة إلى مالي. كل هذا يكشف أن المغرب يعتبر لاعبا رئيسيا في ما يجري بالساحل. ومن هنا يمكن التساؤل عن مدى التأثير المحتمل لهذه التطورات على الأمن القومي للمغرب خاصة وأن الجماعات المسلحة بشمال مالي توعدت كل الدول المساندة للتدخل العسكري الفرنسي بشكل مباشر أو غير مباشر، بالانتقام منها والرد بشكل حازم على دعمها لهذا التدخل. فالجماعات المسلحة وإن نجح التدخل العسكري في إخراجها من المدن الكبرى فإن ذلك لا يعني القضاء عليها وعلى تهديدها لدول المنطقة. بل ستنتشر في أطراف الصحراء الشاسعة خاصة على الحدود المالية – الموريتانية التي تستحيل مراقبتها والسيطرة عليها وتتخذها كقاعدة انطلاق لشن حرب استنزاف ضد القوات الفرنسية والإفريقية المنتشرة في مالي وكذلك لتنفيذ هجمات ضد الدول المجاورة التي وفرت الدعم المباشر أو غير المباشر للتدخل العسكري الفرنسي ومن ضمنها المغرب. وعمليا، فالجماعات المسلحة ستواجه صعوبة كبيرة في التسلل إلى الأراضي المغربية بسبب الجدار الأمني العازل الذي بناه المغرب بطول 2720 كلم لمنع تسلل مقاتلي جبهة ‘البوليزاريو’ والذي ترابط على طوله قوات عسكرية مؤلفة من حوالي مائة ألف (100000)عسكري. إلا أن هذا لا يعني أن المغرب سيكون بمنأى عن تداعيات نتائج حرب مالي.فرنسا والإرهاب !فرنسا لم يكن هدفها القضاء على من تسميهم ‘الارهابيين’ الذين يهددون الأمن بمنطقة الساحل وأمن اوربا، وإحلال الديمقراطية كما هو شعار القوى الغربية عادة. فحتى وإن صح ذلك، فالتساؤلات التي تطرح نفسها هي، هل فرنسا هي الدولة الأوربية الوحيدة المعنية بالقضاء على ‘الارهاب’ الذي يهدد أوربا؟ ولماذا لم تتحرك الدول الأخرى كإسبانيا وألمانيا. وحتى والولايات المتحدة الأمريكية التي كان شعارها مبنيا على مواجهة الإرهاب والقضاء عليه أينما وجد في جميع أنحاء العالم منذ سنوات والتي يبدو أنها تعلمت الدرس جيدا في مدارس القاعدة بكابول وبغداد؟.أم أن فرنسا نصبت نفسها دركي إفريقيا، كما نصبت الولايات المتحدة الامريكية نفسها من قبل شرطي العالم، الذي فقد الكثير من قوته وجبروته في مستنقع العراق وأفغانستان. ومع نفس العدو الذي تحاربه اليوم فرنسا ( تنظيم القاعدة)، والكل يعرف مدى الفرق الكبير في القوة بين سيدة العالم أمريكا وعجوز أوربا فرنسا. ‘ كاتب مغربي qmdqpt