عناية جابر
من العبث أن نناقش اللبنانيين في تناقضاتهم، لكن ثمة محطات نقف عندها. فوز المنتخب اللبناني على نظيره الكوري في مباراة كرة القدم (فتحت لأجلها أبواب المدينة الرياضية ومدرجاتها مستقبلة جمهور هذه اللعبة للمرة الأولى، بعد توقّف دام سنوات طويلة، تجنباً للحساسيات والاحتكاكات السياسية والطائفية في ما بينه). فوز الفريق اللبناني إذاً، أرخى حالاً من الانتشاء بالفوز طالت كل الأطياف اللبنانية بتعددّها وتشعباتها السياسية. فرح كهذا ليس جديداً على اللبنانيين، لكنه الى حدّ ما، تميّز بشعبية كاسحة.
وقفت جماهير واسعة الى جانب منتخبها من دون حسابات ضيّقة. إنه الفرح بمفاجأة تغيّر الحسابات وموازين القوى على الأرض. فرح كهذا متحرّر من أيّ حساب للحساسيات الطائفية، وأيّ تقدير لهشاشة وخطورة الانقسام في هذا الظرف اللبناني وهذه المرحلة.
وراء لعب الفريق اللبناني الذي أفضى الى فوزه، منطق عدمي يقول ان ليس لدينا ما نخسرهُ، بل ليس لدينا ما نملكه لأن أمورنا بكاملها، سياسية بالدرجة الأولى وسواها، مرتهنة، وزائفة ومفروضة. لعب الفريق اللبناني من فكرة أننا بلا واقع يُعتّد به، ولا حاضر سعيد، ولا كيان متماسك، وأيّ خسارة تحلّ بنا لا تزيد في مصيبتنا ولن تقع إلا على خراب وغلط.
لعب شبابنا بجسارة غير مكلفة، ولا حساب للكلفة ما دمنا كلنا لبنانيين محليين وفضائيين كنّا شاهدنا على التلفزة قبل ليلة من مباراة الكرة هذه، مباراة من نوع آخر بين قطبين سياسيين، كانت تفاصيلها المخزية كافية لنخسر الى ما لانهاية من دون حياء بدورنا أو خجل، على ما فعل تماماً أشاوس السياسة في مباراتهم التلفزيونية التوك شوكية. لعب شباب الكرة كمن يعلن الحرب على العالم كله، مادام الفوز لا يحتاج لغير أجساد شابة مُدرّبة، وقلوب مؤمنة بوطنها رغم تعفّنه، ولا يقاس إيمانها بغير الفوز والإرادة به.
الأرجح أننا لا نعرف اللحظة التي غدا فيها كل الشعب اللبناني متيماً بلعبة كرة القدم، لكننا نعرف أن الشعب كان واحداً، والنفس واحدة والهدف واحد، في أسطورة الالتفاف على الفوز، وليس أدلّ من البهجة العارمة على هذا الفوز من اقترانه بالجنون، واقترانه بالحب. أخرجت المباراة التي فاز فيها الفريق اللبناني على الفريق الكوري اللبنانيين الى الإئتلاف بلا استثناء، أي عودة الشعب الى داخل الجماعة واقترانه بها.
هل كانت الحرب المتحالفة مع الكره عنوان تدهور الجماعة، فيما كانت لعبة كرة القدم المتحالفة مع الحب عنوان مجدها. هكذا خرجت الجماهير الى الجماهير تحتفل بفوزها، وخرج الحب الى الحب في لحظة لقاء مؤثر.
لقد عانينا الكثير، فلا عجب أن يصير جنون الفوز في مباراة كرة قدم عنواناً للعودة عن الجنون التدميري، ودخلنا ليوم واحد أحسب، في هدأة الطمأنينة، فلا عجب أقول أن نحتفل بقسوة وبقوة. هل كان الحب ‘الكروي’ الذي دورّنا جميعاً وأضاء بيروت وكائناتها المقهورة قربان مجتمع يحاول أن يجد وحدته ثانية، وحدته الأسطورية القديمة، أم أن في فوز ‘يتيم’ بعد دهر من الخسارات، كل المجد، كل الصفح؟
الأرجح أيضاً أن موجة من اللعب الانتحاري غمرت الفريق اللبناني كله، ومن الطبيعي أيضاً أمام التحدي وأمام الجمهور في الملعب لأول مرة وأمام رئيس الجمهورية الذي حضر شخصياً للتشجيع، أن تغدو المباراة، مباراة لـــذة ورغبة وفـــن عيــــش، بقـــدر ما هو لعب تباينات نفسية وفكرية ومحاولة للخروج من نفق الخســـارات المتتالية. لقد أحلّ الفريق اللبناني بنصره، المدينة المتوجسة، المتبدلة الملأى أحداثاً مقلقة وأوقاتاً عسرة، في طي النسيان المؤقت بالطبع، واستبدلها بمدينة نضرة ترفل بالوحـــدة والحب والسلام. انها جغرافــــية الوهم تــــلك التي صنعها فوز الشباب ولا يسكنها سوى التائقين الى لحظة حقيـــقية، لحـــظة واحدة فحسب. ومهما كان زمن تلك اللحظـــة فهي ردّتنا لتلك المدينة الكوسموبوليتية المبهجة الـــتي كانتها بيـــروت، وردتّــــنا أيضاً من مرارة الانتفاء من الذات، تلك الذات القـــديمة، الكبـــيرة الملونة، التي تحيا وتولد، من تقاطع آخرين، وتبادل أو ربما تشاحن آخرين.
لا نحمّل فريق كرة قدم فوق ما يحتمل ونُلبسهُ أفكاراً كبيرة ومقاصد، لكننا نقرأ في فوزه حين كان الفريق اللبناني في الملعب يتجاذب مع الفريق الكوري الأسطورة نفسها. لقد ضحك الشباب من وقار السياسيين السخيف وفضح ‘مبارياتهم’ التلفزيونية الوقحة، ولم يكن هذا بالتأكيد لحساب أحد، بل لمجرد الفرح الجامع الراسخ الذي نُخيف به أيّ لعبة أخرى! وأيّ لاعب.. إذا جاز لنا ان نفرح لأكثر مما يستدعيه الفرح من اجل فوز عادي في مباراة فوتبول، فذلك لأن الأنا الممزقة تتحرر هنا من وضعها المأساوي وشرطها، تتحرر من ذاتها المكتئبة وتغدو نوعاً من أخرى عملاقة في اهتدائها الى أصلها وفصلها. ثمة بالطبع الفريق الكوري الذي لم يفهم خلفيات الفوز اللبناني بالطبع، وكان يجهل أنه الاسم المضاد للذات اللبنانية الموحدّة، وأنه واحد ضدها كما هي واحدة ضده بشراسة أكثر، فالذات المهددة لا تجد خارجها سوى أعداء وليس فرقاً لاعبة، لذلك ارتصّ الفريق اللبناني في مواجهة العدو، بذات انتحارية وجدت في استبسالها ثمناً تعويضياً غالياً.