مؤتمر ايباك، اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن، الذي انعقد في نهاية آذار وحضره نحو 18 ألف مشارك انعقد تحت شعار يعبر عن أمنية: «الارتباط من أجل الخير»، شعار ذو معنى مزدوج: الارتباط الدائم والارتباط للخير في الوقت نفسه. وليس صدفة. لقد انعقد هذا المؤتمر على خلفية خطاب جماهيري وسياسي عاصف في الولايات المتحدة في أعقاب سلسلة تصريحات لعضوتي الكونغرس الديمقراطيتين إلهان عمر ورشيدة طالب، المؤيدتين المعلنتين لحملة الـ بي دي اس الداعية إلى مقاطعة إسرائيل، واللتين دخلتا إلى مجلس النواب الأمريكي في أعقاب انتخابات تشرين الثاني 2018. في شهر كانون الثاني، في إطار الحوار حول مشروع قانون هدفه مكافحة المقاطعة لإسرائيل، غردت طالب بأن من أيد القانون «نسي لأي دولة ينتمي». بعد بضعة أسابيع من ذلك، ألمحت عمر في تغريدة لها بأن ايباك «تشتري» أصوات المشرعين الأمريكيين، ولاحقاً أضافت بأن ثمة حاجة إلى البحث في أنه في الولايات المتحدة يعتبر الولاء لدولة أجنبية «أمراً مقبولاً». إن الطابع اللاسامي الذي يرافق التلميحات بالمال اليهودي، الذي يزعم أنه يسيطر على السياسة الخارجية الأمريكية وكذا التصريحات عن «الولاء المزدوج» أثارت عاصفة واسعة لم تهدأ بعد.
تفيد هذه الأحداث بميول وتحولات دراماتيكية في المجتمع وفي السياسة الأمريكية وبالآثار المحتملة على يهود الولايات المتحدة وإسرائيل. ويبدو واضحاً في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة الاستقطاب الجماهيري والسياسي، وتعزز سياسة الهويات، والخطاب الشعبوي الذي يترافق وتعابير الكراهية والعنف، وتعزز تأثير المحافل المتطرفة على الخطاب العام وجدول الأعمال، والهجمة المتعاظمة ضد النخب التقليدية والمؤسسات التي تمثل النظام القائم، وانهيار مبدأ الاجماع بين الحزبين كأساس للتشريع وللسياسة.
تشكل هذه الأجواء أساساً لانبعاث موجات لاسامية من اليمين، تضاف إلى مساعي نزع الشرعية عن إسرائيل من اليسار. وتختلط كل هذه مع نقد متعاظم على سياسة إسرائيل في موضوع النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني أساساً والموقف من الأقلية العربية في إسرائيل وكذا في سياق العلاقات الوثيقة بين إدارة ترامب وحكومة إسرائيل.
في عهد الرئيس دونالد ترامب تعاظمت هذه الميول، وذلك على خلفية أسلوب الرئيس الفظ، وموقفه النقدي من قطاعات ومؤسسات أمريكية مختلفة وتفضيله غير مرة لقاعدة مؤيديه على حساب مبدأ الرسمية. والخطاب الجماهيري السياسي الحماسي ليس محصوراً بقاعدة التأييد اليمينية ـ المحافظة لترامب. فقد هيأ ترامب عملياً بأسلوبه قواعد اللعب هذه للكثير من معارضيه في الجانب اليساري من الخريطة السياسية.
تتميز موجة الاحتجاج الشعبي ضد الرئيس ترامب بارتباط جماعات أقلية مختلفة، مستضعفة بشكل عام، ذات هويات متنوعة وأجندات مختلفة لتصبح جبهة عمل مشتركة. هذه الظاهرة، التي تسمى التداخل القطاعي هي المنصة الأساس في الولايات المتحدة للتقدم إلى الأمام بظاهرة نزع الشرعية عن إسرائيل. فقد زعم حتى وقت أخير مضى بأن هذه ظاهرة الهوامش الشعبية عديمة الأساس في المؤسسات وفي التيارات المركزية، غير أن دخول عمر وطالب إلى الكونغرس يعبر عن تسلل الظاهرة إلى قلب المؤسسة الأمريكية، ويبدو واضحاً أن للامرأتين ومؤيديهما تأثيراً متعاظماً على السياسة الأمريكية وبخاصة على السلوك الداخلي للحزب الديمقراطي: بداية صدرت عن صفوف الحزب دعوات لاتخاذ خطوات شخصية ضد عمر وطالب، وبعد ذلك نشـأت مبادرة لإصدار بيان تنديد باللاسامية في الكونغرس، ولكن بعد أن وجد الحزب صعوبة في الوصول إلى توافق في الموضوع صدر عن الكونغرس بيان تنديد أوسع تضمن موقفاً من الخوف من الإسلام وكراهية الأجانب. وعكست العملية حلاً وسطاً أملته الأصوات المتطرفة في الحزب وعرضت النتيجة كانتصار لعمر نفسها كمن قادت نحو تنديد سابقة في الكونغرس الأمريكي ضد الخوف من الإسلام.
لقد بدأت عملية الاستقطاب الأمريكي الداخلي المتعاظم تؤثر على الدعم لإسرائيل، الذي على مدى سنين طويلة كان موضع اجماع مقبول من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء. وبالتعريف يصبح الدعم لإسرائيل مسألة موضع خلاف، يتماثل أساساً مع الحزب الجمهوري. عملياً، في أعقاب سلسلة التصريحات الإشكالية لعضويتي الكونغرس الديمقراطيتين، ادعى الرئيس بأن انتصار الديمقراطيين في الانتخابات التالية في 2020 من شأنه أن يبقى «إسرائيل وحدها» وأن يلاحظ هجراً مكثفاً من اليهود للحزب الديمقراطي ـ الوصف الذي حظي بتعبير «الخروج اليهودي» في الخطاب الأمريكي، وتبناه الرئيس لمناكفة الحزب الخصم. ومع ذلك من السابق لأوانه التقدير إذا كان لهذه الظاهرة أساس في الواقع: معطيات من بحوث عميقة واستطلاعات للرأي العام أجريت في العهود الأخيرة تبين أن الجالية اليهودية في الولايات المتحدة، والتي تشكل نحو 2 في المئة من سكان الدولة، هي الأقلية الليبرالية الأكبر في الدولة والتي تميز بـ 70 في المئة من التأييد للحزب الديمقراطي. ومع ذلك حتى الآن، فإن مسألة الدعم لإسرائيل لم تكن اعتباراً هاماً في تصويت يهود الولايات المتحدة على مدى السنين.
إلى جانب الفجوة المتسعة بين الحزبين في موضوع الدعم الإسرائيلي، نشر في آذار استطلاع لمعهد «غالوب» أشار إلى ظاهرة أخرى، حزبية داخلية: فجوة تتراوح بين 25 و29 في المئة بين الأطراف مصوتي الأحزاب المركزية الجمهوريين والديمقراطيين في موضوع الدعم لإسرائيل. هكذا مثلاً، حين صنف مؤيدو الحزبين في أربع مجموعات وفقاً لطيف من المواقف ـ ديمقراطيين ليبراليين، ديمقراطيين معتدلين، جمهوريين معتدلين وجمهوريين محافظين ـ جاءت فجوة دراماتيكية بين 81 في المئة ممن يؤيدون إسرائيل أكثر مما يؤيدون الفلسطينيين من أوساط التيار المحافظ للحزب الجمهوري، مقابل 3 في المئة فقط يؤيدون إسرائيل أكثر من أوساط التيار الليبرالي للحزب الديمقراطي. إن الفوارق في صفوف الحزب الديمقراطي في موضوع التأييد لإسرائيل من شأنها في المستقبل غير البعيد أن تجبر مؤيدي الحزب اليهود أن يختاروا بين الحزب كبيت سياسي وقيمي وبين تأييدهم لإسرائيل. مثال متطرف على ذلك هو المعضلة التي يقف أمامها يهود بريطانيا المؤيدون لحزب العمال، عقب الميول اللاسامية واللاصهيونية المتعاظمة فيه. تكمن في هذه التطورات معان ثقيلة الوزن بالنسبة لإسرائيل.
أولاً، تتماثل حكومة إسرائيل بشكل كامل مع سياسة الرئيس ترامب وتجد صعوبة في الحفاظ على العلاقات مع الحزب الديمقراطي وممثليه. لا شك أن علاقات طيبة بين القدس وواشنطن ذخر هام لأمن إسرائيل القومي، ولكن التماثل المطلق مع واشنطن تجعل علاقات إسرائيل مع معارضي الرئيس ترامب الكثيرين صعبة. وقد احتدمت الصعوبة في ضوء مظاهر اللاسامية من اليمين، والتي رفض الرئيس شجبها بالفم الملآن (مثلما في أحداث شارلوتسفيل في 2017) وكذا إحساس أجزاء من الجالية اليهودية بأن المذبحة في الكنيس في بطرسبورغ في أواخر 2018 كانت نتاج لاسامية عادت لترفع رأسها في زمن ولاية ترامب. ثانياً، فجوة آخذة في الاتساع بين يهود الولايات المتحدة ودولة إسرائيل. مصادرها في الخلافات على المستوى الديني، والقيمي والسياسي. في المستوى الديني، أجزاء من الأغلبية غير الارثوذكسية التي تشكل نحو 90 في المئة من يهود الولايات المتحدة، يشعرون بالإهانة لحقيقة أن إسرائيل لا تعترف بيهوديتهم. على المستوى القيمي والسياسي يسمع انتقاد متعاظم في أوساط يهود الولايات المتحدة، ومعظمهم ليبراليون على خطوات غير ليبرالية وديمقراطية في نظرهم اتخذتها حكومة إسرائيل، مثل قانون القومية، وسياستها في موضوع النزاع مع الفلسطينيين.
هذه الظواهر والميول تهدد ذخرين حيويين للأمن القومي لدولة إسرائيل: الأول هو شبكة العلاقات الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة. الفترة الحالية، التي تعكس ذروة العلاقات القريبة بين الحكومتين، وتعكس تحدياً متعاظماً للإبقاء على التأييد الجماهيري والسياسي من الحزبين لإسرائيل كالمرسى المركزي للعلاقات بين الدولتين. والثاني هو الانحصار الداخلي للجالية اليهودية الأمريكية وشبكة علاقاتها مع إسرائيل. ويمكن التقدير بأنه لأول مرة، ستكون مسألة التأييد لإسرائيل مسألة مركزية في الخطاب السياسي الذي سيثور في الولايات المتحدة في أثناء الحملة للانتخابات الرئاسية في 2020. على هذه الخلفية سيتعاظم التحدي الذي يقف أمام هذين الذخرين إلى ما يتجاوز مستواه الحالي.
وبالتالي، فإن حفظ هذين الذخرين الحيويين يجب أن يقف على رأس سلم أولويات أصحاب القرار في إسرائيل:
1 ـ على حكومة إسرائيل أن تمتنع عن التدخل في السياسة الأمريكية الداخلية وتفضيل طرف على طرف آخر، وبخاصة في ضوء بدء حملة الانتخابات للرئاسة. ويجب تعزيز قنوات الحوار مع الحزب الديمقراطي وممثليه، وحفظ العلاقات الوثيقة مع الحزب الجمهور.
2 ـ مطلوب نشاط واسع من إسرائيل ومؤيديها في الولايات المتحدة لتعزيز الدعم والتعاون مع جموع الشبان الليبراليين ـ التقدميين ومع جماعات نامية مهمة، بينها الهسبانيين والافرو-أمريكيين. هذه البنية التحتية مطلوب سواء لحفظ التأييد ثنائي الحزب لإسرائيل أم كوسيلة في الصراع ضد اللاسامية ونزع الشرعية عن إسرائيل.
3 ـ يجب بذل جهد مشترك مع الجالية اليهودية الأمريكية لتطوير شبكة العلاقات مع التشديد على اليهود الشبان الليبراليين، الذين ضعفت صلتهم بإسرائيل وبالجالية اليهودية.
4 ـ عملية اتخاذ القرارات في إسرائيل ـ في مواضيع الخارجية ومواضيع الداخلية على حد سواء ـ تستدعي فحصاً مسبقاً للآثار المتوقعة على هذين الذخرين الحيويين.
ميخال حتوئيل رادوشسكي وشاحر عيلام
نظرة عليا 23/4/2019