ما أجمل القمر في سماء مخيم جنين…
خميس الخياطي ما أجمل القمر في سماء مخيم جنين… إحتفلنا أمس الإربعاء 8 آذار (مارس) 2006 بالعيد العالمي للمرأة.نؤمن أن هذا العيد مشروع في مجتمعاتنا العربية حتي يتعظ من من أهلنا وذوينا يحبسون المرأة وراء خرقة من القماش او خلف أسوار عمياء صماء بكماء من الحدود والممنوعات الواحدة منها أغرب من الأخري وأبلي منها بدعوي المحافظة علي هويتنا وشخصيتنا، علي رقتها وعاطفتها وطبيعتها وفطرتها وما يشبه ذلك خوفا من أن تخشوشن المرأة العربية فتفقد أنوثتها فنفقد نحن حريمنا ورجولتنا. وإن لاحظت عديد وسائل الإعلام الغربية في هذه الأيام تأخر المرأة الأوروبية علي الرجل الأوروبي في ميادين الشغل والسياسة وغيرهما. هذا الغرب مسؤول عن تردي وضع المرأة لديه. ألم تنشر الأمم المتحدة التقارير التي نري فيها مهانة المرأة: بالولايات المتحدة، تسقط إمرأة ضحية العنف كل 18 دقيقة. 70 في المئة من الحوادث العنيفة التي تعيشها المرأة في البيرو أسبابها العنف العائلي في حين هي بـ29 في المئة بكندا وبـ30 في المئة في أنكلترا إلخ… ماذا نقول نحن العرب عن منزلة المرأة لدينا؟ ألم يبين تقرير التنمية البشرية أن عالمنا العربي به أكثر من 70 مليونا من الأميين الغالبية الغالبة منهم هن من بنات حواء، أي من أخواتنا وبناتنا وأمهاتنا وزوجاتنا؟ أهذه نتيجة ما يقارب الخمسين سنة إستقلالا؟ لنبعد منذ البداية إتهام الغرب الإستعماري بالحيلولة دون تحرير المرأة من النظرة الدونية ـ ولو شكليا ـ التي نلقيها علي المرأة العربية. الغرب ، مثل الطبيعة تماما، يكره الفراغ الذي نكرسه بسلوكنا الفردي والجماعي وبضيق المسافة بين الفردي والعمومي ومن ذلك تمسك الفكر القبلي بذيول ما تبقي من الفكر الزراعي، فتفاقم الإستبداد وتعاظم التسلط وهوت القوانين وتمطمطت الدساتير ولا داعي لذكر البقية.فتاوي نسائية عن العنف العائلي منذ مدة غير قصيرة، بثت الأولي المصرية مساحة فتاوي نسائية أمنتها الدكتورة سعاد صالح من برنامج هوانا هواكم مع أسئلة من المهندسة نهي من السعودية ومدام صباح من الغردقة وأخري من الصعيد والأستاذ عبد العظيم من القاهرة. وأنت تستمع إلي شهادات النساء المصريات ـ والعربيات الأخريات لسن علي أفضل حال وليس ذلك مجاملة منا ـ في أمور هي من باب الطب النفساني او الطب النسائي، تستنتج دون عناء أننا، كشعوب عربية إسلامية، لم نصل بعد إلي مستوي من الوعي ما يجعلنا نفرق بين ما هو ذاتي/حميمي وما هو جماعي/عام. في هذه التفرقة تكمن حصانة الفرد ذكرا كان أم أنثي. حينما تستمع إلي مشاهد يسأل السيدة الدكتورة المفتية عن جماعه مع زوجته والدم ينزل وهل ذلك حلال أم حرام ، فإنك تسأل نفسك إن ما سمعته قيل حقا علي قناة فضائية عمومية. نعرف أن لا حياء في الدين. لكن ألا يحترم الإنسان، وقد عرف إستعمال الهاتف، دائرة الحصانة الذاتية فإنه بذلك يفتح للآخر مجالا ليتدخل في حياته الشخصية. وحينما يتدخل الآخر في حياتك الشخصية، فلن تعود لك حرية قول لا . وتجيبه الدكتورة: عليك أن تعطي فاصلا بأربعين يوما بعد النفاس. لقد حصل الجماع بجهل ودون معرفة وعليك أن تبتعد أربعين يوما عن زوجتك . إمرأة قالت أنها تأخذ موانع الحمل بدون علم زوجها وهل عليها إثم في هذا؟ فأجابتها الدكتورة أن هناك فصلا بين الناس وشرع الله وإن كنت مضطرة لأخذ هذه الموانع، فليس عليك إثم رغم أن الزوج كان يقول دائما: هي زوجتي وأنا حر فيها . ثالثة قالت أن زوجها يشتمها و أنا أود أن أرد عليه . فتنصحها الدكتورة: لما بتحصل هذه المشاكل لماذا لا تتوضي وتصلي… وحينما تؤكد الزوجة أن ردها له يعتبره الزوج إهانة ويزيد ذلك في طاقة العنف الموجودة فيه، تقول لها : إنت مش عايزة تجاهدي في سبيل الله؟ يجب أن تقاومي وتصبري، والله رؤوف بالعباد وفكري في مستقبل الأولاد… إعتذري له. تصوري، حتكسفيه وهو غلطان. والله يحب المحسنين . إمرأة أخري قالت أن زوجها إنفصل عن زوجته الثانية فأصبح بخيلا حتي علي أولاده. يخبئ فلوسه. وحتي حين دخلت المستشفي، لم يزرها. فسألت: هل في هذه الحال، الطلاق حلال أم حرام؟ . تجيبها الدكتورة: أنت يا ماما، الأمر يرجعلك أنت. تحملت 22 سنة، تحمليه أكثر لأن معدنه إيجابي ذلك أنه لم يكن بخيلا قبل زواجه الثاني. حينها تتدخل المذيعة وتطلب منها دعاء للزوجات اللواتي يواجهن العنف العائلي فتصدح الدكتورة سعاد صالح: ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعيننا .نفهم أن مثل هذا الدور الذي تقوم به الدكتورة دور صعب، مسؤوليته شائكة وصداه علي المشاهدين المصريين والعرب قوي ولا يمكن لها أن تدفع بالأمور العائلية والصراعات بين الأزواج نحو العسر. إلا أننا طيلة البرنامج وقبل أن يقطع من موجز الأنباء لعرض فيلم بين الأطلال لعز الدين ذو الفقار وتمثيل عماد حمدي و…فاتن حمامة، لم نستمع إلا إلي شكاوي النساء العربيات من الرجال العرب (إمرأة واحدة قالت أنها تريد شكر زوجها لأنه يهتم بها وبأبنائها من زواجها الأول و مش عارفة أعمل معاه إيه؟ ) وخاصة الغوص في أمور شخصية إلي أقصي درجات الذاتية. أيعني هذا أننا لم نجد بعد الخط الأحمر الذي يفصل بين الداخل والخارج تماما مثل الشارع العربي حيث العام والخاص متداخلان، الواحد يستمر في الآخر. وفي هذه الحالة، لا نفاجأ حينما يطحن الذاتي تحت العام وتجد الجمعيات المدنية كل الصعوبات لكي ترفع الفرد العربي إمرأة كان أم رجلا إلي مصاف المقدس الذي لا يدنس.تقول نفس الإحصائيات أن نسبة العنف مثلا ضد المرأة المغربية من طرف زوجها تقارب الـ80 في المئة من مجموع الحالات المسلطة علي المغربية (راجع ما نشرته جريدة لوبينيون المغربية يوم الأحد الفارط). ما هي نسبة هذا العنف الخاص جدا ببلد مثل تونس الذي سيحتفل قريبا بمرور نصف قرن عن إصدار مجلة الأحوال الشخصية التي ألغت تعدد الزوجات ولم تقو علي العدل في الميراث بحيث، كما قال أستاذ القانون السيد ساسي بن حليمة لجريدة الصباح، نجد المرأة دون الرجل في التشريع التونسي . فإن كان العنف المسلط ضد الفلسطينية بالضفة الغربية يقارب الـ52 في المئة، فما هي نسبته بغزة؟ رصاصة من جهة القلب صور نسائية أخري ومختلفة تماما عما سبق بثتها قناة العربية يوم إحتفالها بعيدها الثالث. هذه الصور مضمنة الجزء الأول من البرنامج الوثائقي زيارة إلي فلسطين . وهنا سؤال عملي. لماذا لا تؤمن هذه القناة العناوين النهائية لبعض برامجها الوثائقية حتي نعلم من أخرجها، من أنتجها ومتي ومن أمن التصوير والترجمة إلي اللغة العربية إلي غير ذلك… هذه ليست أشياء ترفيهية بل هي من هوية البرامج وهي أساسية لمعرفة إتجاهها العام. ثم إن بثها يخضع لقوانين تحميه.. هذا ما لم تقم به قناة العربية في ما يخص زيارة إلي فلسطين الذي أصبح رحلة إلي فلسطين بعد الفاصل الإعلاني. وأنتهي الجزء الأول دون أن نعلم تاريخ بث الجزء الثاني وكأن المشاهد ليس أمامه من إختيارات إلا هذه القناة.الجزء الأول هو مذكرات مرئية لإحدي النشطات الحقوقيات الغربية (إيرلندية) في فلسطين. فتاة في مقتبل العمر (24 سنة) إختارت أن تكرس شبابها في الدفاع عن الفلسطينيين وتعيش معهم في ديارهم لتصبح واحدا منهم كما يقول أحد المواطنين، لا يتفطن إليها، تخرج لقضاء حاجاتها وتعود كواحدة من بناته. إنتهت هذه الفتاة وأسمها كيف بأن إخترقت رصاصة إسرائيلية ساقها ونقلت إلي المستشفي حيث أتت لزيارتها أفواج الفلسطينيين. وأهتمت بها الصحافة أقل بكثير من إهتمامها بالأطفال الفلسطينيين الذين سقطوا تحت رصاص الجيش الإسرائيلي. وحينما حصلت علي جائزة مجلة تايم وأهدت جائزتها لصديقتها مريم الفلسطينية، لم تحظ الجائزة باهتمام الإعلام الغربي…الصور التي نشاهدها في هذا البرنامج والخاصة بمخيم جنين بعد هدمه من الإحتلال وإن هي مقطعة للقلب والكبد، فإنها من جهة أخري باثة لأمل عضوي في أن الإنسان الفلسطيني ـ رجلا كان أم إمرأة ـ وإن هو صلب وفولاذي فهو إنسان كما كان يقول شيلوك شكسبير عن نفسه… فهرولة الأطفال وراء الدبابات الصهيونية أو ملاحقة الدبابات الإسرائيلية للأطفال وكأن العنصرين (العسكري الإسرائيلي/الطفل الفلسطيني) يعرفان بعضهما البعض جيدا هي مشاهد ألفناها هنا وهناك. إلا أن بعض المقاطع منها قد تعتبر شهادة دامغة علي فعل الإحتلال. أن تحلم طفلة في سن الخامسة بأن تكون لها أسلحة ثقيلة ودبابات زي ما هما بيقاتلونا ، أن يشهر طفل مسدسه الحقيقي مرددا شعارات سمعها من حوله مثل ما قالت سابقته من أن مهما راح منا شهداء راح نقاوم في أرض فلسطين ، فإن الإصرار علي المقاومة مشروع وتجاهل الخوف وضياع الطفولة إصرار علي البقاء… فحينما تعرض النساء الفلسطينيات أسماء وصور شهدائها مثل تلك التي فقدت أولادها السبعة دفعة واحدة وحينما تفجر هنادي تيسير حرادات نفسها في تل أبيب بعد فقدانها لأخيها وبالتالي دفعت بأهلها إلي التهجير وهدم منزلها، وحينما تقول فلسطينية أخري أحنا نموت في اليوم متي موتة ، فإن هذه المرأة لها حاجة ماسة ليس فقط بعيد عالمي بل أساسا بقمر جميل في كبد سماء مخيم جنين وليس برصاصة إسرائيلية تأتي لتنغرس من جهة القلب… وهل يمكن أن نتمني عيدا سعيدا والرصاصة في القلب؟ جملة مفيدة: حينما يقضم اللسان مرات عديدة خطأ من طرف الأسنان، فليس ذلك سببا للهجرة إلي مكان آخر. اللسان مكانه الفم وعليه أن يبقي به . من فيلم سيدة العربة للسينيغالي موسي سيني أبسا.ناقد وإعلامي من تونس[email protected]