لندن – “القدس العربي”:فجر أسطورة كرة القدم المصرية في التسعينات الخلوق هاني رمزي، مفاجآت مدوية عن أسباب الفشل الذريع لمنتخب بلاده في بطولة أمم إفريقيا، باعتباره كان جزءا من الطاقم الفني المسؤول عن خيبة أمل خروج الفراعنة من دور الـ16 للكان، بالهزيمة أمام جنوب إفريقيا بهدف نظيف على مرأى ومسمع أكثر من 70 ألف شاهدوا المباراة من قلب ملعب “القاهرة الدولي” وعشرات الملايين خلف الشاشات في المنازل والمقاهي.
المصلحة فوق أي اعتبار
هذا تقريبا ما حاول ابن أكاديمية النادي الأهلي ولاعب كايزر سلاوترن الألماني، في تصريحاته التي أثارت جدلاً على نطاق واسع، دعك من حديثه عن انهيار مشروع بناء فريق لا يزيد عمره على 27 عاما قبل مونديال الدوحة، بعد إسناد التنظيم لمصر في فصل الشتاء، ودعك كذلك من تهميش دوره في الاختيارات، خصوصا على مستوى المدافعين، رغم أننا نتحدث عن واحد مُصنّف على أنه ضمن أفضل 3 مدافعين في تاريخ بلاده، إن لم يكن الأول بدون منازع، لكنه باختصار شديد، أعطى إشارات واضحة بأن “السبوبة” ما زالت تحكم بأحكامها في الجبلاية، أو بالأحرى في غرفة صناعة القرارات.
وكيل “السبوبة”
تعجب جُل النقاد والمتابعين من اختيارات المدرب خافيير آغييري قبل بداية البطولة، وما زاد الطين بلة، أنه لم يستمع للأصوات العاقلة التي طالبته بإعادة التفكير في أسماء معينة، منها على سبيل المثال أفضل ظهير أيسر محلي عبدالله جمعة، ولاعب وسط الأهلي عمرو السولية، بدلا من أحمد فتوح ومحمد النني، المُجمد في جليد ملعب “الإمارات” منذ سنوات، في المقابل، أصر على ضم رجال سلفه هيكتور كوبر المخلصين، في مقدمتهم أحمد حسن كوكا، وعمرو وردة وعلي غزال، وآخرون يُدير أعمالهم نفس الرجل الذي يُدير أعمال المدرب المكسيكي! ما يعني أنها ليست صدفة، وبجانب هذه الشلة، المدريدي السابق ميشيل سالغادو، الذي انضم للجهاز الفني للمنتخب المصري ورحل، ولم يعرف أحد طبيعة وظيفته التي كان يتقاضى عليها آلاف الدولارات شهريا، سوى الظهور في التدريبات الرئيسية وتناول الطعام مع اللاعبين.
المناخ السيئ
كان واضحا أن الأمور لا تسير على ما يرام لكرة القدم المصرية بُرمتها، قبل ضربة بداية “الكان”، بسلسلة من المشاكل عن استكمال الدوري المحلي بعد البطولة أو قبلها، وصلت لحد تهديد النادي الأهلي باللجوء للفيفا، لولا تدخل وزير الرياضية ورئيس الحكومة، وغيرها من الأزمة بين القطبين الأهلي والزمالك مع الجبلاية، أضف إلى ذلك، “التسيب والإهمال” داخل معسكر المنتخب، والتي أسفرت عن فضيحة أخلاقية تصدرت عناوين الصحف العالمية، ومع ذلك، عاد بطل الفضيحة وكأن شيئا لم يكن، والكارثة بحق، أنه عاد “غصب” عن المدرب وجهازه المعاون واتحاد الكرة، وهذا خير دليل على عدم وجود “كبير” لهذا المعسكر، كما فعل المعلم حسن شحاته مع العالمي ميدو، بعد اعتراضه على تغييره بعمرو زكي أمام السنغال في بطولة 2006، لا يوجد وجه مقارنة بين وضع وقرار وشخصية كلا المدربين، وبالتبعية لا مجال للمقارنة بين نتائج الجيلين، باستثناء ما حدث مع كوبر، بالوصول لكأس العالم للمرة الأولى منذ 28 عاما على حساب غانا.
النسخة الأسوأ
من تواصل مع أحد أصدقائه المصريين بعد أول ثلاث مباريات في البطولة الإفريقية، أو على الأقل قرأ منشورا لمتابع بسيط أو محلل، يعرف جيدا أنهم جميعا كانوا على يقين بأن الأمور لا تسير على ما يرام، بسبب النتائج “المخدرة”، التي استنفد معها كل مخزون الحظ، بتوفيق غير عادي من محمد الشناوي، الذي ظل الحارس الأكثر تصديا للفرص حتى مباراة تونس ونيجيريا في نصف النهائي، بـ18 تصديا، أكثر من معز حسن حارس نسور قرطاج، الذي يليه في الترتيب، هذا بجانب تعاطف الألواح الخشبية، التي ذادت عن الحارس الأهلاوي مرتين في غضون دقائق أمام الكونغو، في مباراة لو أعيدت 10 مرات، لن تنتهي أبدا بفوز المنتخب المصري، لذا جاء العقاب رادعا بانكشاف كل شيء في أول اختبار حقيقي ضد البافانا بافانا، وبدون عم “الحظ”، الذي لا يأتي دائما إلا للمجتهدين كما قال الأسطورة سير أليكس فيرغسون ذات يوم.
ويرى الرأي العام المصري قبل كبار الفلاسفة والمحللين، أن المنتخب ظهر بالنسخة الأسوأ على مدار تاريخ مشاركاته في “الكان”، وأكثر ما استفز الشارع الكروي، حالة اللامبالاة التي كان عليها اللاعبون، رغم أن كل الظروف كانت مهيأة لذهاب هذا الجيل لأبعد مكان في البطولة المقامة على أرضهم ووسط جماهيرهم، وبدعم خاص من أكبر رأس في الدولة إلى أصغر مشجع لا يعرف أي شيء عن الكرة سوى شكلها، وهذا يرجع للتحضير المتواضع من المدرب وجهازه المعاون، لم يكن تحضيرا على مستوى الحدث، تشعر وكأن المنتخب المصري نسخة لإحدى منتخبات غرب أو وسط إفريقيا، مجموعة من اللاعبين المحترفين في أوروبا، لكن لا يلعبون بولاء مثل اللاعبين المحليين، وهذا تجلى في الروح البائسة التي ظهر عليها الجميع، ربما الاستثناء الوحيد هو الشناوي الحارس الأول، أما البقية بمن فيهم صلاح، قدموا بطولة للنسيان.
رأي فني
من البداية، كان من المفترض أن المجموعة التي تُدير غرفة صناعة القرار في مقر الجبلاية، ومنهم من لعب في كأس العالم من قبل، ومنهم من له باع وتاريخ في الاحتراف والاحتكاك الأوروبي، على علم ولو محدود بأن آغييري نسخة لا تختلف كثيرا عن ملك النحس هيكتور كوبر، فكليهما منعزل عن عالم كرة القدم الحديثة، هما في مجرة وجيل “آي فون” في مجرة أخرى، عكس الشاب جمال بلماضي، الذي يعرف كيف يفكر لاعب كرة القدم في العصر الحديث، ولا سيسيه مدرب السنغال، الذي قاد أسود التيرانغا للنهائي بقلبه قبل عقله، باعتباره من أعظم من دافع عن ألوان منتخبه، ويعرف قيمة ومعنى قميص المنتخب، أما آغييري، فتنطبق عليه مقولة الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح “فاته القطار”، بعد طرده من اليابان على خلفية فضيحة تورطه في قضايا تتعلق بالتلاعب في نتائج المباريات، مع ذلك، رحب به الاتحاد المصري، وفتح له ذراعيه، بمكافأة خيالية، جعلته المدرب الأغلى والأفشل في البطولة، أكثر من 100 ألف دولار في الشهر، ليقود مصر لحملة كارثية في الكان، وصاحبها عجز فني، وضح في رؤيته المحدودة جدا في قراءة المباريات، ويكفي أنه كلما كان يتدخل في الشوط الثاني، كان يحدث الانهيار.
هذا ولم نتحدث عن لاعبين بأعينهم، خاضوا المباريات الأربع، بأجساد متحركة بلا قيمة ومعنى داخل المستطيل الأخضر، والمصيبة أنهم في كل المراكز، لدرجة أن بعضا ممن كان يدعم بهدف التدعيم فقط قبل وقوع الكارثة، اكتشف فجأة أن جُل التشكيلة الأساسية لا تصلح حتى لخوض مباراة ودية تحضيرية، لكن من تابع المنتخب المصري مع آغييري من المباراة الأولى في التصفيات المؤهلة للبطولة، قبل اعتذار الكاميرون وإسنادها للفراعنة، كان يفهم جيدا أنه لن يضيف جديد للمنتخب، خاصة بعد تصريحه غير المنطقي، عن مروان محسن، أنه قدم مستوى عالميا في مونديال روسيا، عكس ما رأى الإعلام وكل من شاهد المباريات الثلاث. الشاهد، أن كل المؤشرات كانت تظهر وتبين أن التعاقد مع آغييري أشبه بالمقامرة، وربما كانت تنجح المقامرة أو على الأقل لا تفشل بهذه الطريقة المزعجة، لو لم تسند البطولة لمصر، وتتحول المطالب من مجرد الذهاب بعيدا في البطولة إلى الفوز بالكأس بأي طريقة ممكنة، ما ضاعف الضغوط على المدرب “المرتعش” وكذلك على اللاعبين، الذين يتقاسمون الفشل مع المدرب، بظهور أغلبهم بمستوى أقل ما يُقال عنه “سيئ جدا” بدون ذكر أسماء.