المعركة بين حربين لم تمت، بل غيرت شكلها، ومحاولات إيران للرد على هجمات إسرائيل في الجبهة الشمالية والإطلاق الكثيف لأنظمة الدفاع الجوية السورية في كل عملية قصف تقتضي، كما يبدو، من الجيش الإسرائيلي القيام بتغييرات في طبيعة عمله. وفقاً لذلك، يبدو أن تواتر الهجمات تقلص، ولكن الأسباب الأساسية لاحتكاك عسكري بين الطرفين، مثل جهود التمركز العسكري لإيران في سوريا، وتهريب السلاح من قبلها إلى لبنان، ومحاولة إسرائيل منعهما، بقيت على حالها. ومن هنا، يتوقع أن يستمر الاحتكاك.
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عاد هذا الأسبوع وحذر في بداية جلسة الحكومة بأن إسرائيل سترد على أي عدوان من إيران وحزب الله. اقتبس نتنياهو قول جنرال كبير في حرس الثورة الإيراني هدد بتدمير تل أبيب بإطلاق صواريخ من لبنان. “إذا تجرأ حزب الله على مهاجمة إسرائيل، فإن المنظمة ودولة لبنان التي تسمح بهذه الهجمات من أراضيها ضدنا، سيدفعون ثمناً باهظاً جداً”، قال رئيس الحكومة. وقبل بضعة أيام من ذلك هدد وزير الدفاع نفتالي بينيت بتحويل سوريا إلى “فيتنام الإيرانية”.
في منتديات مغلقة، وبصورة مفاجئة أيضاً في لقاءات مع نظراء من الخارج، فإن شخصيات رفيعة من المستوى السياسي ومستشاريهم يتحدثون بلهجة فظة أكثر تجعل محاوريهم ينقبضون. اعتاد وزراء الكابنت في الأشهر الأخيرة على أن يسمعوا من نتنياهو نغمات متشائمة بعودته إلى الانشغال بالمسألة الاستراتيجية المفضلة إليه، وهي إيران. في محيطه يتحدثون عن جهود إيران لنشر “حلقة نيران” حول إسرائيل، أي نصف صواريخ وقذائف تهدد كل أراضي إسرائيل من عدة جبهات: لبنان وسوريا والعراق وقطاع غزة. تجديد محاولة إنشاء خطوط إنتاج لزيادة دقة السلاح في لبنان يوصف هناك كسبب كاف لشن الحرب.
بينيت يهدد بخط عمل هجومي ومبادر في الشمال. أمس في نهاية زيارته لمشاهدة مناورة عسكرية في هضبة الجولان مع رئيس الأركان افيف كوخافي، أطلق تهديداً عدائيا ًآخر. “كلما حاولت إيران التمركز في الأراضي السورية فستغرق في رمال سوريا”، قال، وأضاف: “نزيد الضغط”.بالنسبة لوزير الدفاع فإن الانتظار وضبط النفس ليست من الخيارات. عندما يدور الحديث عن رجالها فإن إيران حساسة للخسائر. وحسب رأيه، يمكن إبعاد القوات العسكرية والمليشيات الأجنبية التابعة لإيران من أراضي سوريا بواسطة عملية تدار جيداً.
معهد إسرائيل للاستراتيجية والأمن نشر هذا الأسبوع تنبؤاته للسنة المقبلة. المعهد الذي أحد كبار شخصياته هو الجنرال احتياط يعقوب عميدرور، مستشار الأمن القومي السابق لنتنياهو، يتوقع أن “إيران ستواصل إفراغ الاتفاق النووي من المضمون وربما ستسرع بصورة دراماتيكية مراكمة المادة المتفجرة للسلاح النووي. الضغط بالحد الأعلى من واشنطن سيواصل ضعضعة اقتصاد إيران وسيقف النظام أمام ضائقة شديدة أكثر من أي وقت مضى”.
ماذا يعني هذا لإسرائيل؟ “هناك احتمالية عالية لاستفزازات من جانب إيران. بدءاً من العام 2020 فإن الإمكانات الكامنة لحدوث مواجهة في أعقاب زخم النشاطات الإيرانية من أجل مراكمة مواد متفجرة، تقتضي استعداداً عسكرياً لمعالجة إسرائيلية ذاتية”. الجبهة الشمالية للبلاد ليست أكثر تفاؤلاً: “من المطلوب الاستعداد لسيناريوهات أكثر شدة، بما في ذلك قرار إسرائيلي بشن حرب وقائية ضد حزب الله”.
هذا الأسبوع أجرى الجيش الإسرائيلي مناورة على سيناريو يتضمن هجوم كوماندو من قبل حزب الله من لبنان واحتلال مستوطنات على طول الحدود، هذا التوتر من شأنه أن يتأثر بثلاث عمليات أخرى: استفزاز إيران من الخليج، الذي استهدف جزئياً جر الولايات المتحدة إلى مفاوضات مجددة حول الاتفاق النووي؛ والمظاهرات الكبيرة في لبنان والعراق ولفترة قصيرة في إيران أيضاً، والتي تتحدى النظام في طهران؛ والمشكلات القضائية والسياسية لنتنياهو.
رئيس الحكومة، كما كتب هنا في مرات كثيرة، حرص على الحذر وإبداء المسؤولية في معالجة الساحة الشمالية. مع ذلك، يبدو أن هذه فترة تقتضي حساسية خاصة من جهة رؤساء أجهزة الأمن من خلال إدراك ثقل المسؤولية الملقاة عليهم. ليس هذا هو الوقت المناسب لقبول الحكم الحتمي القائل بأنه لا يمكن تجنب الحرب، لأن إيران تواصل عمليات تمركزها وراء الحدود. هذا الأمر هو أكثر صحة عندما يدور الحديث عن رئيس حكومة انتقالية، الذي فشل مرتين في محاولة تشكيل ائتلاف ويقف أمام لائحة اتهام ثلاثية تتعلق بمخالفات فساد.
تهدئة مشكوك فيها
وفدان فلسطينيان لحماس والجهاد الإسلامي أجريا في بداية الشهر محادثات في القاهرة مع المخابرات المصرية حول إمكانية تهدئة طويلة المدى مع إسرائيل في القطاع. وبعد المحادثات قال مدير شبكة الإعلام “الأقصى” المتماهية مع حماس، وسام عفيفة، بأن إسرائيل قد تزيد عدد تصاريح العمل لعمال القطاع داخلها من 5 آلاف (كثيرون منهم يعتبرون رجال أعمال) إلى 20 ألفاً.
وثيقة مركز المعلومات الإسرائيلي للشؤون الاستخبارية والإرهاب، والذي يقتبس أقوال عفيفة، تتضمن تحليلاً متشككاً بشأن احتمالية تسوية طويلة المدى في القطاع. تواصل حماس إظهار المعارضة لفترة تهدئة مدتها عشر سنوات. وحسب رأي صائغي الوثيقة، فإن حماس تسعى إلى تفاهمات على الصيغة التي تم التوصل إليها بوساطة مصر بعد عملية الجرف الصامد في صيف 2014 وبقيت صامدة حتى بداية مظاهرات الجدار في آذار 2018. هذه التفاهمات تشمل تسهيلات في الحصار والمساعدة الإنسانية مقابل وقف إطلاق الصواريخ ووقف المظاهرات. وحسب فهم حماس، فإن هذه التسوية لسنوات معدودة ولكن ليس عشر سنوات.
في الأسابيع الأخيرة وردت تقديرات للجيش الإسرائيلي حول احتمالات انطلاقة مهمة مع حماس. في قيادة الأركان شخصت وجود فرصة إزاء الضائقة التي تمر بها حماس وجولة القتال الأخيرة في القطاع في منتصف تشرين الثاني، التي تم ضرب الجهاد الإسلامي فيها. الضباط يخافون من أن جدول الأعمال السياسي في ظل قرار إجراء انتخابات ثالثة سيقلص مجال مناورة المستوى السياسي ولن يمكن من التوصل إلى تفاهمات واسعة.
العميد احتياط ميخائيل ملشتاين الذي كان رئيس الساحة الفلسطينية في الاستخبارات العسكرية في عملية الجرف الصامد هو أكثر تشككاً. في مقال بموقع معهد السياسات للمركز متعدد المجالات في هرتسليا، كتب ملشتاين بأنه “رغم الإشارات المتفائلة، ما زالت هناك عقبات قوية” ستصعّب التوصل إلى تهدئة على المدى الطويل. وحسب أقواله، من الصعب القول بأن حماس قد اتخذت قراراً استراتيجياً لصالح التسوية. لأن الكثيرين في قيادتها يخافون من التخلي عن فكرة المقاومة العنيفة ضد إسرائيل.
لم تحلّ حماس حتى الآن مشكلة المارقين في غزة ولم تسيطر تماماً على فصائل أخرى تطلق الصواريخ بين الحين والآخر نحو أراضي إسرائيل. وهي لم تتنازل أيضاً عن استمرار العمليات في الضفة الغربية والتي من شأن نجاحها ضعضعة الاستقرار في الساحة الفلسطينية كلها. إضافة إلى ذلك، كتب ملشتاين، بأنه يشك في أن إسرائيل ناضجة لتقديم تنازلات بعيدة المدى وملزمة في فترة انتخابات.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 19/12/2019