ما الجديد في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بالعراق؟
يحيي اليحياويما الجديد في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بالعراق؟ عندما استلم جورج بوش الابن تقرير بيكر/هاملتون، بداية شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي، أثني علي محرريه من الحزبين، وحمد للسيناتورين السابقين جدية المجهود، والعمل الدقيق الذي ثويا خلفه، ووعد لدي استقباله للجنتهم، أن يحتكم الي بعض من عناصر توصياته في صياغة الاستراتيجية المفروض اعتمادها، في ضوء هيمنة غرمائه الديمقراطيين علي مجلسي الكونغرس، واشتداد المعارضة الشعبية لحرب طال أمدها وازدادت خسائرها، ولم يعد دافع الضرائب الأمريكي يعلم شيئا عن مآلها، ناهيك عن تزايد كراهية العالم (لربما كل العالم) للأمريكان، سلطة ونوابا ونخبا بالمراكز والجامعات.وعلي الرغم من تجرع جورج بوش (في حينه علي الأقل، واللجنة مكتملة من حوله)، لامتعاضه الشديد من توصيفات وفرضــــيات التقرير، و حدة توصياته، وذهاب محرريه لحد معاكسة الرئيس في العديد من قناعاته وتوجهاته، فانه تنصل منها بالتدريج، حتي اذا كان له أن يصرح بالخطوط الكبري لـ الاستراتيجية الجديدة بالعراق، أقبر التقرير بمفرداته العريضة، كما بأبسط وأخف توصياته:+ فالرئيس الأمريكي لم يأخذ بتوصية الانسحاب التدريجي (أو اعادة الانتشار احتكاما الي الشائع من أدبيات) الذي محورت اللجنة جل صفحات التقرير حوله، ليس فقط ادراكا منها بفشل المشروع الأمريكي ببلاد الرافدين، بل وأيضا بجهة قناعة أن البقاء هناك دونما أفق محدد معلن، من شأنه زيادة التكاليف (الباهظة أصلا)، والتورط أكثر بمستنقع أخذ يتسع ثم يتسع، حتي غدا مسرحا يتطاحن من بين ظهرانيه الكل مع الكل ضد الكل.فعلي النقيض مما أوصت به اللجنة، خرجت الاستراتيجية الجديدة بقرار ارسال أزيد من عشرين ألفا من الجنود الاضافيين، يتكفل الجزء الأكبر منهم بمطاردة المقاومة بالأنبار بيتا بيتا، بينما يتكفل الجزء الآخر بدعم خطة أمن بغداد ، حيث لاجتثاث الميليشيات الكبري (ميليشيا مقتدي الصدر تحديدا) النصيب الأكبر، ولمقاتلي القاعدة والميليشيات الأخري ما تبقي من ميزانية الخــطة تجهيزا وتأطيرا عسكريا.لم ينصت جورج بوش هنيهة واحدة لتوصية بيكر ـ هاملتون بأن لا نجاعة كبري من زيادة القوات، ولا أعار كبير اهتمام لتبني التوصية اياها من لدن مجلسي كونغرس مهيمن علي غرفتيه من لدن ديموقراطيين اختارهم الشعب الأمريكي بناء علي ذات الالتزام، بل صمم (جورج بوش أقصد) علي استعجال التحاق الجنود الاضافيين بأرض المعركة ضدا علي نواب معارضين للمبدأ، لكن بمفارقة الأمور، غير قادرين سياسيا علي قطع التمــويل أو تحجيم مستواه.+ والرئيس الأمريكي لم يأخذ بتوصية نصحته بفتح جسور الحوار مع ايران وسورية، باعتبارهما البلدين الجارين المباشرين للعراق، حيث للأولي الحل والعقد عبر حلفائها بالسلطة وبالميليشيات، وللثانية ربما بعض من عناصر الحل والعقد في محافظة (محافظة الأنبار المناهضة للاحتلال علانية) تقاسمها جزءا كبيرا من الحدود، ولها مع سكانها السنة (رواد المقاومة العراقية بامتياز) علائق متداخلة، ومواطئ قدم مشتركة.لم يقتصر جورج بوش، بهذه النقطة، علي التغاضي عن توصية اللجنة، بل أعلن جهارة وبالمفردات الصريحة أن لا مفاوضات مباشرة مع سورية، ان لم تمتثل للشروط الأمريكية بجهة ايقاف المتسللين من المتمردين والارهابيين . ولا مفاوضات مع ايران طالما لم تتوقف عن العبث بأمن الجنود الأمريكان بالعراق ، ولم تركن للتعاون مع التوجه الأمريكي القائم، ولم تعمد ـ فوق كل هذا وذاك ـ لتعليق العناصر الحساسة من مشروعها النووي… وكانت الرسالة الأولية بهذا الاتجاه، اقتحام قنصلية ايران باربيل.ولا مفاوضات أيضا مع المقاومة العراقية أو مع بقايا وأزلام البعث، بل المفروض مطاردتهم جميعا، واستئصالهم، ودفعهم قسرا أو طواعية للالتحاق بالعملية السياسية… وكانت رسالة البدء هنا اعدام رمزهم يوم عيد، في تحد ندر مثيله منذ اعدام الشهيد عمر المختار ثلاثينات القرن الماضي.+ والرئيس الأمريكي لم يأخذ بفرضية أن جزءا من حل المعضلة العراقية يمر عبر دول الجوار الأخري سيما دول الخليج ذات الكثافة السنية العالية ، وعبر حلحلة الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي ، بل تشبت بمحاصرته لحكومة حماس المنتخبة، وأوحي للعرب المعتدلين (مصر والأردن والسعودية تحديدا) بأن الفشل الأمريكي بالعراق سيترتب عنه قطعا عواقب مدمرة ، قد تأتي علي الأخضر واليابس، وعليهم هم بالمقدمة… فأوفد وزيرة خارجيته لترجمة واملاء رؤيته الجديدة، تماما كما فعل من قبلها جيمس بيكر لاخراج الجيش العراقي من الكويت، وكما فعل كولن باول فيما بعد ذلك بقليل، عندما تقرر غزو العراق واحتلاله.وعلي هذا الأساس، فان قبول مصر ودول الخليج المركزية بـ الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ، لم يأت من باب الرغبة، رغبتهم الذاتية والمستقلة للاسهام في انقاذ حلفائهم الأمريكان من وحلهم بالعراق، بل تأتي تحديدا من تخوف ذات الدول من تبعات الطوفان القادم عليهم، وعلي نظم حكمهم.بتقليب كل الزوايا اذن، يبدو أن ثمة قناعة قائمة لدرجة الرسوخ لدي الرئيس الأمريكي، مفادها أن ما لا يمكن ادراكه بالقوة، بالامكان ادراكه بمزيد منها.وهو تصور أمبراطوري بامتياز، قد لا يقتصر علي استخدام القوة لفرضه قسرا، ولا علي استعمال الأداة الخشنة لتطويع الخصم كراهية للانصياع له، بل قد يذهب به الأمر، في حال تعذر ذلك، الي سلك مسلك الأرض المحروقة لاختصار الآماد جملة وتفصيلا.واذا كانت الاستراتيجة الجديدة تبدو في ظاهرها كما في مضمونها، موجهة لحسم الاشكال العراقي ، تعثرت الخطط والتكتيكات السابقة في حسمه (سيما ببغداد العصية علي السقوط علي الرغم من احتفالية التاسع من نيسان/ابريل 2003)، فانها (الاستراتيجية أعني) مضمرة، في خلقياتها كما في المسكوت عنه ضمنها، لمشروع أوسع كان لجورج بوش ولا يزال بشأنه قناعة مبدئية ثابتة، أن لا حل بأدوات القوة الناعمة التي أوصي بها تقرير بيكر ـ هاملتون أو لمح اليها:+ فالولايات المتحدة تتهيأ بالقطع، لضرب ايران مباشرة (عبر استهداف جوي مركز لمنشآتها النووية الحساسة) أو بالسبيل غير المباشر، عن طريق تقويض نفوذ لها بالعراق تجاوز بالعين الأمريكية المجردة، كل الخطوط الحمر المتوافق بشأنها منذ احتلال العراق والي حين اغتيال الرئيس/الشهيد صدام حسين.لا يروم التلميح هنا من لدن الأمريكان، جنوحهم بجهة تقويض هيمنة حلفاء ايران علي كل مفاصل الدولة العراقية الجديدة لدرجة باتت أجندتهم وأجندتها هي الغالبة أو تكاد، بل وأيضا الي الحيلولة دون استمرار تأجيجها لفتنة طائفية ومذهبية طاحنة، من شأنها ازعاج ترتيبات الأمريكان بالعراق كما بالدول العربية التي تدور في فلكهم، وتتماهي مع مخططاتهم دونما تمنع كبير يذكر.قد تكون الشرارة الأولي في هذا المنحي، استهداف قنصلية ايران بأربيل واعتقال بعض من موظفيها الكبار. وقد تكون الشرارة اياها كامنة في التحامل القوي علي الحكومة (حكومة الاحتلال). لكن المحك الأقوي ستدور رحاه حتما علي أسوار العاصمة، حيث تخوف الأمريكان من سقوطها المطلق بيد الايرانيين، وهم الذين أعدوا لذلك القوة والعتاد سلفا.لو تسني للمرء التسليم بما سبق (أو ببعض منه علي الأقل)، فانه سيسلم تأكيدا بأن معركة بغداد الكبري هي التي ستحسم الخيار الأمريكي الجديد بالعراق، وستؤشر تلقائيا لمستقبل التواجد الايراني ببلاد الرافدين، كما لبداية العد العكسي في الاستهداف الأمريكي لمشروعها النووي، حتي وان تطلب ذلك اللجوء للقوة العسكرية في أخشن صورها.+ والادارة الأمريكية تريد تطويع سورية (آخر معاقل الممانعة العربية)، ليس فقط كونها تبدي تعاطفا مع ايران، وتتحالف معها ضدا علي المصالح الاقليمية الأمريكية، ولكن أيضا لأنها تحول دون نجاح الترتيبات الشرق الأوسطية الجديدة التي عطل مداها التعثر بالعراق.لن يهدأ بال الادارة اياها طالما لم يتم تحييد السلوك السوري الممانع في ايديولوجيته ، و غير المتعاون مع الأمريكان لتكريـــس توجهاتهم الاقليــمية الجديدة، المتماهية مع توجهات اسرائيل ومخططاتها بالمنطقة.ولما كان الأمر مستقرا علي توجهات من هذا القبيل، فان الادارة الأمريكية لن تعدم الحجج والمسوغات لتنفيذ معالمه ومضمونه…. فقد تعيد انتاج ما تم لها ترويجه لحد الآن، بازاء سورية كما بازاء ايران (من قبيل القول، بآخر المطاف، بأنهما تكونان تهديدا لجيرانهما)، وقد تبدع في اختلاق مسوغات اضافية أو بديلة، تماما كما فعلت مع العراق حينما كان العزم قائما علي غزوه واحتلاله.ما الجديد اذن في الاستراتيجية الجديدة اذا كانت كل هذه العناصر معروفة وقارة، وأدواتها واضحة وجلية؟لا يبدو لنا أن ثمة جديدا بها حقا… اللهم الا اذا سلمنا بمقولة ان القوة لن تحل المشاكل الا اذا رفدت بمزيد من القوة، حتي وان ترتب عن ذلك افناء للبشر والحجر…بهذه النقطة، أزعم أن الرئيس الأمريكي أضحي قاب قوسين أو أدني من هذا التفكير.هي اذن ليست استراتيجية جديدة، هي استراتيجية هروب متسارع الي الأمام…هي قطعا آخر الاستراتيجيات…أو هكذا يتراءي لنا الأمر.ہ باحث وأكاديمي من المغرب[email protected]