دمشق – «القدس العربي» : سيطرت «هيئة تحرير الشام» على ريف حلب الغربي، وطردت فصائل المعارضة السورية من آخر مدينة غربي المحافظة بموجب اتفاق ابرمته مع وجهاء المنطقة، لإنهاء حالة الاقتتال التي اشتعلت على مدار خمسة أيام، انتهت بانتزاع النصرة السيطرة على معاقل حركة نور الدين الزنكي وانهاء تواجدها متبعة سياسة فرض الأمر الواقع من أجل تعزيز نفوذها والسيطرة على المناطق الحيوية والاستراتيجية، التي تشمل الطرق الدولية دمشق – حلب، اللاذقية – حلب، وطرق الاتصال مع مناطق عمليتي غصن الزيتون ودرع الفرات، بالإضافة إلى المعابر الحدودية الرئيسية مع تركيا والفرعية مع مناطق سيطرة النظام السوري.
يجري ذلك وسط تساؤلات حول الخطوة المقبلة لـ «تحرير الشام» شمالي سوريا، والموقف التركي مما يجري حيث لم تصرح بأي تعليق حول ما يجري في ريف حلب.
وغادر، أمس الأحد، أكثر من ألف شخص بينهم مجموعات من المعارضة السورية ومدنيون وناشطون، مدينة «الأتارب» في ريف حلب الغربي، إلى منطقة «عفرين» شمالي سوريا الخاضعة لسيطرة الجيشين التركي والسوري الحر، بموجب اتفاق وقعته هيئة تحرير الشام مع وجهاء المدينة، أسوة بسياسة التهجير التي اتبعها النظام السوري بحق معارضيه في جميع المحافظات التي احتضنت حراكاً ثورياً ضده.
أهداف «النصرة»
مصادر محلية، قالت لـ «القدس العربي» إن تحرير الشام سمحت لعناصر المعارضة المسلحة باصطحاب أسلحتهم الخفيفة فقط، وترك المتوسطة والثقيلة منها، كما نص الاتفاق على منع «المهجرين» من عناصر وقيادات الذين خرجوا إلى ريف حلب الشمالي من العودة إلى مدينتهم.
وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان ان أكثر من 400 مقاتل من حركة نور الدين الزنكي وصلوا إلى مناطق سيطرة فصائل عمليتي «غصن الزيتون» و«درع الفرات» في ريفي حلب الشمالي الغربي والشمالي الشرقي كجنديرس ومحيطها وعفرين وريفها، قادمين من الريف الغربي لحلب، عقب استسلامهم في الاقتتال الذي جرى مع هيئة تحرير الشام.
ويأتي فرض هيئة تحرير الشام سيطرتها على مدينة الاتارب في أعقاب معارك متقطعة ومحاصرتها المدينة وقصفها بالرشاشات الثقيلة، انتهت باتفاق يقضي بتمدد الهيئة التي تقودها جبهة النصرة، على معظم بلدات ومدن ريف حلب الغربي، وطرد الحليف السابق لها «حركة نور الدين الزنكي» المنضوية حالياً تحت راية الجبة الوطنية للتحرير، إذ جاء توغلها في المنطقة بالمواجهات تارة، والاتفاقيات طوراً آخر، في حين كان السيناريو العسكري هو الاوسع وشمل غالبية المناطق الخاضعة لاتفاق «سوتشي».
قد يكون من المفيد فهم الإطار العام الذي يركز عليه زعيم هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني ومن حوله، وهو ترسيخ مجموعته المسلحة كتنظيم جهادي محلي، وهذا يقتضي «خطوات عدة» حسب الباحث السياسي لدى مركز جسور للدرسات عبد الوهاب عاصي، «أولها السعي لإخراج التنظيم من دائرة قوائم الإرهاب، وبالتالي ليس مستبعداً أن تغير الهيئة اسمها وشكلها وهيكلها لنموذج موازٍ يتناسب مع ذلك، بعد مرحلة فرض السيطرة على قرار ومصير الشمال السوري. كما أن حفاظ التنظيم على بقائه غالباً ما يرتبط بتحصيل الشرعية؛ ويشير سلوك الجولاني وزمرته إلى شيء من ذلك حيث تبدو لديهم رغبة في تحويل العلاقة مع القوى الدولية بحكم الواقع إلى عامل «حماية» لها. وفي هذا الصدد تريد الهيئة أن تقول لتركيا بأنها قادرة على التناغم بشكل كامل مع سياساتها الأمنية والخارجية في الشمال السوري وأن تركيا تستطيع التعاون معها كطرف واحد في هذا السياق بدل التعامل مع أكثر من جهة، لكن في المقابل تريد الهيئة تنفيذ ذلك تحت مظلة مشروع السلفية الجهادية المحلية، وهنا لا يُعرف على وجه الدقة مدى ثقة أو قدرة أو حتى رغبة تركيا في التعاطي مع هذا الأمر».
وقال لـ «القدس العربي»: منذ إعلان المنطقة العازلة معلوم أن هيئة تحرير الشام أشعلت 5 حالات اقتتال ضد فصائل الجبهة الوطنية للتحرير كان آخرها ضد معاقل حركة نور الدين الزنكي غربي حلب، وفي كل الحالات اتبعت الهيئة سياسة فرض الأمر الواقع من أجل تعزيز نفوذها والسيطرة على المناطق الحيوية والاستراتيجية. بمعنى آخر، يُمكن القول إن الهيئة تريد السيطرة على مصادر القوة والثروة في الشمال السوري وبالتالي جعل مصير قرار السلم والحرب في منطقة خفض التصعيد الرابعة بمحافظة إدلب ومحيطها يمرّ عبرها فقط دون غيرها من الفصائل. وتحقيق ذلك بالنسبة للهيئة هو وسيلة رئيسية لها من أجل الحفاظ على بقائها ووجودها، خصوصاً وأنها أمام استحقاق مواجهة مصيرها أمام تركيا المعنية كضامن بملف التنظيمات الجهادية.
سلطة كاملة
دخول هيئة تحرير الشام إلى مدينة الأتارب، نتج عنه العديد من البنود لصالحها، إذ نص الاتفاق مع المعارضة السورية على حل كل من تشكيلات «ثوار الشام وبيارق الإسلام» التابعين للجيش السوري الحر، وذلك بسبب مساندتهم لحركة «نور الدين الزنكي» خلال المواجهات، على أن تضمن – الهيئة – عدم ملاحقة عناصر التشكيلين.
أما على الصعيد الإداري، فقد توصلت المعارضة السورية وتحرير الشام على جعل تبعية مدينة «الأتارب» من النواحي الإدارية والخدمية والقضائية تحت كنف حكومة «الإنقاذ المقربة منها، وتتسلم الهيئة الجوانب الأمنية والعسكرية فيها.
وفي إطار التطورات، أغلقت هيئة تحرير الشام، ثلاثة معابر بين المناطق التي فرضت سيطرتها عليها مؤخراً وبين المواقع الخاضعة للجيش السوري الحر في «درع الفرات وغصن الزيتون» شمال البلاد، تحسباً لأي حركة مضادة قد تقوم بها المعارضة ضدها، والمعابر التي تم إغلاقها هي معابر «الغزاوية – سمعان – وأطمة»، بذريعة «الضرورات الأمنية».
استباحة المنطقة
الخبير في العلاقات الدولية د. باسل الحاج جاسم، قال لـ «القدس العربي»: إن أي تحرك لأي مجموعة مسلحة داخل الأراضي السورية سيكون انعكاسه سواء ايجاباً أو سلباً على السوريين، وما حصل في ريف حلب الغربي، جعل المنطقة في موقع الاستهداف أكثر من أي وقت مضى، ومن أكثر من طرف، باعتبار المجموعة التي تمددت على قوائم الإرهاب الدولي.
وحول ماهية الموقف التركي من التطورات الأخيرة في الشمال السوري، رأى أن تركيا لا تملك السيطرة الكاملة على ريف حلب الغربي أو إدلب، فهي وروسيا لديهما اتفاق جرى التوقيع عليه في منتجع «سوتشي» بخصوص المنطقة محاولة منهم لإنقاذ المدنيين وتجنيب المنطقة ويلات حصلت في مناطق أخرى، والقمة الرباعية التي استضافتها اسطنبول قبل فترة كانت رسالة واضحة من الأتراك تفيد بأنهم ليسوا وحدهم المعنيين بمصير تلك المنطقة، وعدم التعليق التركي اليوم هو أنها تنتظر ما ستصل إليه الامور هناك، فموقفها لم يتغير بعدم رغبتها في الدخول بمواجهة مع أي طرف هناك حتى الآن.
المعارضة – وفق الخبير- لا تستطيع ان تغير أي حدث اليوم سواء من المشهد العسكري أو السياسي، في ظل وجود فصائلية وتشتت، ولاسيما أننا على أبواب مراحل جديدة في تاريخ سوريا.