نشبت في لبنان في 17 تشرين الأول احتجاجات شعبية بحجم غير مسبوق بالنسبة لما نعرفه في السنوات الأخيرة، والتي وجدت تعبيرها في مظاهرات واسعة المشاركة، أخذت في التعاظم في الأيام التالية وضمت في ذروتها حتى الآن مشاركة عشرات حتى مئات الآلاف، فيما انتشرت من العاصمة بيروت إلى باقي المدن المركزية في الدولة. في هذه المرحلة تتواصل الاحتجاجات. وكان المحفز للمظاهرات قرار استثنائي بفرض الضريبة على استخدام مكالمات “واتساب”، مثابة “القشة التي قصمت ظهر البعير” (القرار الذي ألغي فوراً، غداة اندلاع الاحتجاج). كان يفترض بهذه الضريبة أن تكون عنصراً واحداً من جملة إجراءات ضريبية جديدة في إطار ميزانية 2020، التي تعمل عليها الحكومة، وذلك في إطار جهودها للاستجابة لمطالب الساحة الدولية للاصطلاحات في لبنان لغرض تلقي قروض بمبلغ 11 مليار دولار للاستثمار في مشاريع في الدولة، كان وعد بها مؤتمر عقد في باريس في نيسان 2018 ولم تتحقق بعد.
تحمل الاحتجاجات الحالية طابعاً مميزاً كانفجار عفوي عديم الطابع الطائفي، يضم مواطنين من كل طبقات السكان، ومن كل الأديان والفئات، في دعوة مشتركة لاستقالة الحكومة وتغيير النظام القائم. ومن هتافات المتظاهرين برز أنها موجهة ضد كل مكونات القيادة: الرئيس ميشال عون المسيحي، رئيس البرلمان الشيعي نبيه بري، ورئيس الوزراء المسلم سعد الحريري. كما سمعت هتافات ضد حزب الله أيضاً.
يعبر اندلاع هذا الاحتجاج الجماهيري عن اليأس في أوساط الجمهور في لبنان من الوضع الاقتصادي الصعب ومن مستوى المعيشة المتدني؛ النفور من القيادة الفاسدة للنخب القديمة من كل الطوائف، والتي تحرص على مصالحها وحدها؛ وعدم الثقة في قدرة الحكومة الحالية على إنتاج حلول لتحسين الوضع. صحيح أنه لم تغب عن أحداث الاحتجاج تعابير العنف، سواء من جانب المتظاهرين (إشعال الإطارات وتشويش نظام الحياة اليومي) أم من جانب محافل الأمن (استخدام الغاز المسيل للدموع واعتقال المتظاهرين)، ولكن كلما اتسع حجم المشاركين، أغرقت الشوارع بالجماهير الذين يحملون أعلام لبنان. لقد أصبح الاحتجاج احتفالاً وطنياً على أمل من المشاركين بحياة أفضل. وفي يافطة حملها أحد المتظاهرين، والتي تمثل جوهر الاحتجاج كتب: “أقاتل كي أعيش”.
الأسباب العميقة لنشوب الاحتجاج
يعاني المواطنون اللبنانيون في العقد الأخير من تدهور في مستوى المعيشة في ضوء الوضع الاقتصادي المتفاقم. فلبنان يعيش أزمة اقتصادية عميقة. دينه الخارجي يصل إلى نحو 85 مليار دولار وهو على شفا عدم القدرة على السداد (وكالة التصنيف الائتماني “فيتش” خفضت مؤخراً التصنيف الائتماني للبنان إلى CCC)؛ وترتفع معدلات البطالة عالياً (36 في المئة من عموم العاطلين عن العمل هم شباب). البنى التحتية في الدولة متهالكة، وثمة نقص خطير في الكهرباء والمياه. مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء والمنظومة الأمنية تعاني من الفساد العضال. كما يعاني لبنان أيضاً من آثار الحرب في سوريا، وبالأساس من عبء وجود نحو 1.5 مليون لاجئ سوري في أراضيه، الذين إلى جانب اللاجئين الفلسطينيين (القدامى) يشكلون نحو ربع السكان.
بالتوازي، فإن المنظومة السلطوية لا تؤدي مهامها. رئيس الوزراء السني الحريري، وإن كان نجح في بداية 2019 في تشكيل “حكومة وحدة” بعد أزمة سياسية طويلة في أعقاب الانتخابات (أيار 2018)، إلا أنه يجد صعوبة في أداء مهامه واتخاذ القرارات بسبب تركيبة الحكومة الحالية، التي توجد فيها كتلة مانعة لمعسكر معارضه: الرئيس المسيحي عون الذين ارتبط بممثلي الشيعة “حركة أمل ومنظمة حزب الله”. وساهم في ذلك أيضاً التعزيز المتواصل لقوة حزب الله في الساحة السياسية في لبنان وقدرته على التأثير، ولا سيما في شل عملية اتخاذ القرارات وفقاً لمصالحه. كما أن لسيطرة حزب الله على منظومة الحكم آثاراً اقتصادية: من جهة تتيح له توجيه الميزانيات في الوزارات الحكومية التي تحت سيطرته وفقاً لاحتياجاته وعلى حساب عموم السكان، ومن جهة أخرى، تأثير العقوبات ضده والتي اتسعت في السنة الأخيرة، يتسلل إلى الاقتصاد اللبناني أيضاً. ويشار مع ذلك إلى أن المتظاهرين حذرون من توجيه إصبع اتهام تجاه المنظمة، التي هي اليوم القوة شبه العسكرية الأقوى في الدولة.
رد فعل القيادة على احتجاج الجماهير
أدى الاندلاع العفوي للاحتجاج إلى رد فعل سريع من القيادة، التي يخيل أنها فزعت من آثاره المحتملة. ومن المواقف الأولية لممثلي الأحزاب المختلفة يمكن أن نفهم اهتمام عموم عناصر القيادة الحالية بالحفاظ على النظام القائم حماية لذخائرهم. فرئيس الوزراء الحريري كان أول من رد علناً: في 18 تشرين الأول، غداة الاحتجاج دعا شركاءه في الحكومة أن يسمحوا له بإصلاح الوضع، في ظل التلميح بإمكانية أن يستقيل في غضون 72 ساعة إذا لم يتعاونوا معه. أما نصر الله من جهته، ففي خطاب ألقاه في 19 تشرين الأول، حاول التعبير عن نهج رسمي ودعا المتظاهرين إلى التصرف بمسؤولية. وشرح نصر الله بأن استقالة الحكومة لن تحل مشاكل لبنان بل ستفاقم الوضع ودعا إلى إصلاح الوضع الاقتصادي. وامتنع في هذه المرحلة عن إخراج رجاله إلى الشوارع للقضاء على المظاهرات (باستثناء استعراض للقوة وحيد قام به رجال حزب الله الذين اصطدموا بمحافل الأمن اللبنانية في 21 تشرين الأول). وادعى وزير الخارجية جبران بسيل (صهر الرئيس عون) من جهته بأن النظام الحالي يعبر عن الإجماع السياسي وكل تغيير سيؤدي إلى الفوضى.
إن هذا اندماج المصالح للحفاظ على النظام القائم هو الذي أدى إلى نجاح رئيس الوزراء الحريري في أن يقر في مجلس الوزراء في غضون وقت قصير، في 20 تشرين الأول “خطة إشفاء” بعيدة الأثر تعبر عن استجابة الحكومة لمطالب المتظاهرين. وفي قلب الخطة، نقل عبء الضريبة من الطبقات الفقيرة إلى محافل القوة في الدولة والعمل على خطوات لتحسين رفاهية السكان. وتتضمن الخطة تقليص 50 في المئة في رواتب المسؤولين، بمن فيهم الوزراء والنواب، اليوم وفي الماضي، ضريبة 25 في المئة على أرباح البنوك وشركات التأمين؛ وتحويل 3 مليار دولار من البنوك لمشاريع للجمهور؛ وإلغاء وزارات حكومة زائدة؛ ورفع مستوى شبكة الكهرباء؛ وإلغاء نوايا فرض ضرائب على السكان الضعاف؛ والعمل على خطة لضمان دخل للسكان كبار السن. وعرض الحريري الخطة بصفتها “ثورة اقتصادية”، وبالفعل تعد هذه خطة طموحة للغاية، ولكن من المتوقع أن تجد الحكومة اللبنانية صعوبة شديدة في تنفيذها.
ما المتوقع لاحقاً؟
في هذه المرحلة، بينما تتواصل المظاهرات، من الصعب التقدير بأن تؤدي وعود الحكومة بالإصلاحات العميقة إلى خبوها، وربما يعد هذا “قليل جداً ومتأخر جداً”، وسيجبر استمرار الاحتجاج الحكومة على الاستقالة. يمكن التخمين بأن استقالة الحكومة لن تبشر بتغيير عميق، بل تؤدي مرة أخرى إلى الجمود وعدم الاستقرار في الساحة السياسية. هناك من يتشددون في التقدير ويدعون بأن لبنان قد يقع في حالة من الفوضى. إن إمكانية تطورات في هذا الاتجاه تضع حزب الله – المعني بالحفاظ على الوضع القائم الذي يسمح له بأن يركز على قيادة “المقاومة” ضد إسرائيل كامتداد لإيران – أمام معضلة هل يستخدم القوة للجم المظاهرات. هذه خطوة من شأنها أن تورطه داخل الساحة اللبنانية، وقد يرغب في الامتناع عن ذلك. على أي حال، يتبين أن لبنان يمكنه أن ينقذ فقط إذا ما نال مساعدة خارجية سخية لاستقرار اقتصاده، ومن الأفضل أن تأتي من الغرب ودول الخليج لمنع استكمال سيطرة حزب الله وسيدته إيران على الدولة. من ناحية إسرائيل، وفي المدى القصير، من المتوقع لحزب الله أن يجتذب للتركيز على المسائل اللبنانية الداخلية وسيكون متفرغاً أقل لتحقيق خطوات ضدها. أما في المدى الأبعد، فإن ضعضعة الاستقرار الداخلي في لبنان سيخلق بالأساس مخاطر على إسرائيل، ولا سيما إذا ما أتيح لحزب الله ولنفوذه في الدولة أن يواصلا التعاظم.
بقلم: أورنا مزراحي
نظرة عليا 27/10/2019