نشر أسامة سرايا، وهو من كبار كتاب المقالات في مصر، أمس، في موقع “الأهرام” المصري، لائحة دفاع ليس لها مثيل لاتفاقات السلام التي وقعت بين إسرائيل والإمارات والبحرين، فكتب “الاتفاق الجديد هو الظهر القوي الذي سيدافع عما تبقى من المناطق الفلسطينية والقدس العربية”. ولكن هذه الجملة هي مقدمة لخطاب قاطع يرمز إلى “الرياح الجديدة” التي تهب من مكتب عبد الفتاح السيسي.
“الأمر المدهش هو السلوك غير الحكيم للفلسطينيين، الذين زادوا عداءهم وتوجهوا إلى الجامعة العربية للحصول على قرار إدانة ضد العملية التي قامت بها دولة الإمارات”، كتب سرايا، وأضاف: “إضافة إلى ذلك، يقف الفلسطينيون ضد المصالح العربية ولصالح المحور الإيراني – التركي، ويحاولون إحياء ما سبق ومات وعفا عليه الزمن. تحولت السلطة الفلسطينية إلى مجموعة من المكاتب في بيروت ودمشق، ونسيت جرائم حماس وقتل الفلسطينيين التي نفذاه هذا التنظيم… المشهد المضحك كان عندما زار رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، مخيمات اللاجئين في لبنان واستعرض سلاحهم، في الوقت الذي يعرف فيه أنه سلاح إيراني، ويهدد “بحرب” (الكاتب). وبهذا يمس سيادة الدولة التي تعاني من مأساة ميناء بيروت”.
سرايا الذي كان محرر صحيفة “الأهرام” عند اندلاع ثورة الربيع العربي في 2011، أدهشنا في حينه بانتقاده للمتظاهرين وتسميتهم بالزعران وخارقي القانون، لكن فور إقصاء مبارك أصبح أول المؤيدين للثورة، التي أعطاها عنوان “الشعب أسقط النظام”. تعديل موقفه للوقوف في صف واحد مع النظام غير غريب عليه.
يعكس سرايا في مقاله معضلة مزدوجة. كيف على المثقفين المصريين والعرب بشكل عام التعامل مع اتفاقات السلام إزاء وصفها كـ “خيانة شديدة” للوحدة العربية، وكيف سيتعاملون من الآن فصاعداً مع القضية الفلسطينية وحلها. في مصر، مثلما في الأردن وفي دول عربية أخرى، هذه المعضلات متشابكة ضمن شبكة العلاقات التي تقيمها وسائل الإعلام مع الأنظمة، وشبكة علاقات الأنظمة العربية مع دول الخليج.
مصر حليفة قوية للإمارات والسعودية، وتحظى بمليارات الدولارات التي ضُخت إليها كاستثمارات وودائع بنكية منذ تولى السيسي الحكم في العام 2013، بعد أن أقصى محمد مرسي، رجل الإخوان المسلمين، عن الحكم. تمول الإمارات جزءاً كبيراً من تكلفة القاهرة الجديدة، المدينة التي تحولت إلى رمز للحداثة والتطور، وتتضح أكثر فأكثر بأنها مثل الفيل الأبيض. وقد ساهمت أيضاً في تطوير مشاريع في شمال سيناء كجزء من الصراع المصري ضد التنظيمات الإرهابية، وفي جهود تجنيد البدو لهذه المعركة.
الإمارات شريكة في الحرب المصرية ضد الحكومة الليبية، ومصر جزء من التحالف الخليجي الذي أسسته السعودية لمحاربة الحوثيين في اليمن. كل ذلك يلزم النظام المصري بالدفاع عن سمعة الإمارات وصد كل انتقاد ضدها وتفضيل المصالح الاقتصادية – العسكرية على المبدأ القومي العربي الذي يطالب بإنقاذ فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي.
وضع الأردن يشبه وضع مصر. ففي السنة الماضية، حصل الأردن على هبة بمبلغ 300 مليون دولار من الإمارات كمساعدة للتعليم والصحة. وفي السنوات الأخيرة، حصل على دعم بمبلغ 1.5 مليار دولار من هذه الدولة الخليجية، إضافة إلى وجود نحو 300 ألف مواطن أردني يعملون في الإمارات ويحولون لعائلاتهم كل سنة نحو مليار دولار. وفي الأردن مثلما في مصر، حظيت الاتفاقات بتقارير جافة دون تطرق انتقادي أو تحليلي، مثلما أمر وزير الإعلام والاتصالات الأردني.
في الوقت نفسه ثمة مخاوف وشكوك لقيادة الدولتين من تداعيات اتفاقات السلام الجديدة. حتى الآن كانت مصر والأردن “حبيبتَي” واشنطن وحظيتا بدعم سياسي، وبمساعدات مالية سخية؛ مصر بسبب اتفاقات كامب ديفيد، والأردن بسبب التعاون الأمني الوثيق مع إسرائيل. الأهم من ذلك، علاقاتهما الخاصة مع إسرائيل التي أفادتهما كرافعة تأثير على سلوك إسرائيل في الضفة وغزة، وفي الأماكن المقدسة التي تقع تحت وصاية وإدارة الأردن استناداً للاتفاقات معها. يطرح محللون في مصر الآن بحذر التقدير الذي يقول بأنه كلما ازدادت الدول التي ستنضم إلى دائرة أصدقاء إسرائيل فسيقل تأثير مصر في إسرائيل والشرق الأوسط العربي بشكل عام.
مثال على هذا الخوف تم التعبير عنه في تقارير عن ضغوط الإمارات على السودان من أجل تسريع تطبيعها مع إسرائيل. وحسب تقارير في وسائل إعلام عربية، فقد تعهدت الإمارات بضخ مئات ملايين الدولارات لهذه الدولة الفقيرة إلى جانب وعود إسرائيلية لمساعدتها في تطوير بنية تحتية زراعية. حتى الآن كانت مصر هي التي أدارت المحور العربي – السوداني، كجزء من الصراع الذي تديره مصر في إثيوبيا حول بناء سد النهضة وتوزيع المياه بينها وبين السودان. تخاف القاهرة من أن يمنح تدخل الإمارات في السودان مكانة الوسيط بين مصر والسودان، وستفرض على مصر سياسة ستمس بمصالحها.
عندما يكون من المحظور انتقاد الاتفاقات في وسائل الإعلام، يتوجهون إلى أماكن “التهديد والخطر”. فهناك يجدون مذكرة التفاهم التي وقعت بين شركة “دوفر تاوتر” الإسرائيلية التي يملكها شلومي فوغل، والتي تملك أيضاً ميناء إيلات، وبين شركة “دي.بي.وورلد” في دبي. تتحدث المذكرة عن تعاون وفحص إمكانيات نقل بضائع من الإمارات عبر ميناء إيلات ومن هناك إلى ميناء أسدود وميناء حيفا، حيث تنوي الشركة الإماراتية التنافس على شراء أحواض سفن إسرائيلية معروضة للخصخصة.
هذه التقارير تثير في مصر موجات صاخبة من الخوف من التهديد الذي ستشكله مثل هذه الصفقة على حركة التجارة في قناة السويس. دشنت مصر قبل بضع سنوات توسيع قناة السويس، الذي كلفها مليارات الدولارات، جاء معظمها من مساهمات وشراء سندات ائتمان من قبل مواطني مصر. ووعد الرئيس المصري في حينه بأن توسيع القناة سيزيد حجم التجارة، بل سيرافقه أيضاً بناء مراكز تجارية كبيرة ومشاريع صناعية على الشواطئ. ومنذ ذلك الحين تقلص النقل البحري عبر القناة، وانخفضت المداخيل وبقيت المشاريع الكبرى في معظمها على الورق. ما الذي سيحدث لهذه المداخيل إذا قررت الإمارات استخدام المسار الذي يمر عبر البحر الأحمر إلى إيلات بدلاً من قناة السويس؟ لا يوجد على هذا حتى الآن تقديرات قاطعة، لكن المخاوف تزداد.
أما الأردن فيخشى من إبعاده، جراء الاتفاق مع الإمارات ومع السعودية بعد ذلك، عن رعايته ومكانته الخاصة في الأماكن المقدسة في القدس، وسيحول السعودية إلى صاحبة البيت في كل الأماكن الإسلامية المقدسة. ولكن سيكون من المهم قبل ذلك رؤية كيف سيتعامل المصلون الفلسطينيون مع الضيوف الذين سيأتون من الخليج، وهل ستسري عليهم القيود نفسها التي تفرضها إسرائيل على المصلين من الضفة وغزة.
“يجد العالم العربي نفسه داخل ثقب أسود، وستبلع فيه الدول العربية التي تسارع إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل”، كتب في مقال في موقع صحيفة “الخليج الجديد”، الصادرة في قطر. بين هذه الدول التجارية، يعد المقال سوريا أيضاً “التي قمعت مواطنيها خلال عشرات السنين تحت راية المقاومة ومعاداة الصهيونية، لكن أرسل النظام مؤخراً إشارات تظهر أنه يأمل بأن يعفيه صعوده على القطار الإسرائيلي من الجرائم الفظيعة التي ارتكبها ضد الإنسانية. ومقابل التطبيع مع إسرائيل، سيحظى بالتطبيع مع العالم”.
ولكن يصعب إيجاد إشارات تطبيع مع إسرائيل في الجانب السوري. المتحدثة الرسمية الوحيدة التي تحدثت بهذا الشأن هي بثينة شعبان، مستشارة الرئيس بشار الأسد، التي قالت في الشهر الماضي بأنها “لا تفهم ماذا تجد دولة الإمارات في التطبيع مع إسرائيل”، حيث خرقت إسرائيل كل الاتفاقات التي وقعت معها. فسرت أقوالها كتصريح ضعيف بشكل خاص نسبياً مقارنة مع الإدانات التي تلقتها الاتفاقات من جانب الفلسطينيين وحزب الله وإيران ودول أخرى. كان التوقع سينشر الأسد نفسه إدانات شديدة أكثر، لكن الرئيس السوري حافظ على الصمت، وذلك لأن الإمارات أعادت فتح سفارتها في دمشق في 2018، وقامت بشق الطريق أمام استئناف العلاقات الدبلوماسية بين سوريا والدول العربية وإعادة سوريا إلى الجامعة العربية التي طردت منها في بداية الحرب السورية. هناك شك كبير في أن يتوجه الأسد فجأة إلى طريق التطبيع مع إسرائيل، وهناك شك أكبر في إيجاد شريك له في إسرائيل. وخلافاً للإمارات والبحرين، يبدو أن السلام مع سوريا له ثمن لن تدفعه إسرائيل. ومهما كان الأمر، فإن تطبيع سوريا هو راية جميلة للتلويح بها ضد الاتفاقات.
وثمة علامة استفهام مهمة تتعلق بالنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين. تنص البنود العامة للاتفاقات على أن الطرفين يتعهدان بالعمل معاً من أجل التوصل إلى حل متفق عليه للنزاع بينهما، وحل يستجيب لـ “الاحتياجات والتطلعات المشروعة للشعبين”، حل يكون “عادلاً وشاملاً وواقعياً وقابلاً للحياة”. مع ذلك، من غير المعروف إذا كانت الاتفاقات المفصلة تشمل تحليلاً متفقاً عليه لهذه المفاهيم، وما هو معنى “حل واقعي”؟ هل توافق الإمارات والبحرين على الوضع القائم الذي يتضمن المستوطنات كجزء من الواقع “الواقعي”؟ هل تنوي إنشاء منتدى جديد يضم الفلسطينيين والإسرائيليين، الذي يتم في إطاره تطبيق خطة ترامب؟ هل ستحل الإمارات محل قطر وتركيا في وظيفة “المدافعة” والممولة لحماس لاستكمال عملية صد إيران. وسعادة إسرائيل بـ “هزيمة الفلسطينيين” من شأنها أن تتضح بأنها سعادة مبكرة جداً. دول الخليج تمنح إسرائيل ما وافقت على إعطائه للفلسطينيين وهو “السلام الاقتصادي”. ولكن ربما تكون هي بداية عملية يطلب فيها من إسرائيل أن تدفع ثمناً سياسياً أيضاً.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 18/9/2020