الانتفاضة المهدوية الاخيرة وسوء مصير الصدر الثالث والمرجعية التقليديةعبد الامير الركابي
مرة اخري يحضر المهدي ليذبح علي ايدي المتاجرين باسمه، ففي كربلاء، وفي ذكري مولده اغرقت قبل ايام انتفاضة اخري بالدم والحقد، وبينما كان عشرات، من قادة ومبرزي ومقاتلي جند السماء يهيأون للسوق الي المحاكمة، كانت تحركات السلوكييين و المنتظرين، من العمارة والبصرة والناصرية والسماوة، الي عموم الفرات الاوسط، تلتقي مع تحضيرات جند السماء في الحلة وكربلاء والنجف، وما كان ليوم وذكري، افضل من ميلاد المهدي، موعدا يصعد فيه المهدويون مجتمعين نحو الامل القديم، الذي يوشك علي التجدد، وقد اضيف لهم هذه المرة جيش من مقاتلي وانصار التيار الصدري، ممن قرروا التحالف مع الحركات المهدوية الصاعدة، واختاروا طريقا نحو عصر الهداية، يوافق روح الثورة الكونية العراقية، المتفاعلة في قلب العراق والعالم منذ ثلاثة عقود واكثر.
ليس المالكي وحكومته وقواته، لوحده الذي واجه بذعر ثورة المهدويين الاخيرة، فلقد تدخل الايرانيون مباشرة، وزجوا في المعركة بقوي اخري غير ظاهرة، واحتياطية، اضطروا لاستعمالها الان بكثافة، بعد ان اقتنعوا بان بدر وقوات المالكي لوحدها لا تكفي، وتحقق بهذه المناسبة تحالف امريكي ايراني ميداني، لم يكن المالكي سوي واجهة من واجهاته الضرورية، القتلي الذين اسفرت عنهم المواجهات، يتجاوزون باضعاف ما قد اعلن علي الملأ، والحقيقة السياسية والروحية المتفجرة علي ارض كربلاء، ابعد وبما لا يقاس، عن تلك التي كاد موقف السيد مقتدي الصدر المرعوب، والخائف من قوة الرياح الهابة علي خيمة سلطته، يتحول الي محور لها، يستقطب كل التساؤلات المخنوقة، ويحصر مدي الحقيقة التي تتجاوزه، وتاكد بالملموس، انها تذهب نحو افق ينهي دوره، كامكانية زعامة ما، فالذي حدث في كربلاء، لم يكن اقل من انتفاضة، تكاد تقترب من حدود الاتفاق مع مسار الثورة، من حيث المفاهيم والتطلعات، والافق السياسي، قياسا الي سقف التيار الصدري الحالي، والمختبر، وافقه الممكن، وقطعا علي المرجعية التقليدية التاريخية، التي تتعرض حاليا لاخطر تحد عرفته علي مر تاريخها، وعلي الاحتلال والنفوذ الايراني والامريكي، لصالح التطلع العراقي الراهن، والخاصيات العراقية التاريخية في عصر الصراع، بين هذا الموضع الكوني، وبين مشروع الامبراطورية الامريكي.
في الاصول والخلفيات: هكذا تتزاحم اليوم في العراق رايات المهدية وتكثر حتي تتصادم، فهذا العنوان يستوعب اخطر التطلعات، ليس اليوم بل منذ اول التسعينات، حين ظهرت في مدينة الثورة عبر احد رجال الدين القريبين من السيد محمد صادق الصدر، التفاتة مبكرة الي بعث متجدد لـ المهدوية، كمدخل بدا انه الاصلح لاستيعاب التمخضات الكونية الوطنية الراهنة، خلال لحظة بدات تنذر بدخول البلاد مرحلة تاريخية غير مسبوقة، فالعراق الذي انتقل منذ قرابة ثلاثة عقود، الي قلب الصراع الكوني، وتحول الي محور اصطراع عالمي، يتوازي مع انقلاب التاريخ الانساني، علي مستوي المعمورة، كان يقترب ايضا من عصر نهاية الدولة، وبدء تحديات وشجون مهمة قيام مجتمع اللادولة المساواتي، اي انتصار الخاصيات العميقة للعراق، باعتباره كيان لادولة عاش تاريخة كله علي مدي عشرات القرون، محكوما الي الصراع، بين حيز لادولة يوتوبي يكمن في اسفل بنية الكيان، وبين قوي سلطة فوقية، محلية او برانية، كابحة، مستعينة بقوة عوامل كثيرة، لم تمنح تلك الدول الاستقرار، وحكمت عليها بـ الاستحالة الابدية. لقد مر العراق بثلاث حقب تاريخية كبري، الاولي التاسيسية، ومعها يبدا تاريخ الحضارة الانسانية، انتهت بالسقوط المدوي لبابل، وثانية، عرفت بعد الفتح الاسلامي، حتي انهيار بغداد عام 1258، والثالثة تبدأ من القرن السابع عشر، مع توقف مسار الانحدار الحضاري الشامل، وبدء عملية التشكل الوطني الحديث، مع ظهور المنتفك، اولي الاتحادات القبلية في جنوب العراق.
في الطورين الاول والثاني، انتهي البناء الحضاري الي الخراب الشامل لدرجة الامحاء، والفاعل الموضوعي الاول هو حدة ومصيرية الصراع بين الحيزين حيز الدولة من اعلي المنفصل عن المجتمع، و حيز مجتمع اللادولة المنتج، المرتكز الي بنية الوحدة العشيرية المساواتية الزراعية المقاتلة، وبسبب شبكة من العوامل المميزة لبنية هذه البلاد، (اطلقنا عليها اسم نمط الحيزين، بينما اعتبرنا الجزيرة العربية نمط حيز واحد احادي، مجتمع من دون دولة، ومصر نمط حيز واحد معاكس، اي دولة تستوعب المجتمع، وساحل الشام مجالا وسطا… يراجع ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ: من الابراهيمية الي ظهور المهدي، هكذا يرد التاريخ العراقي علي التحدي الامريكي (الذي سيصدر قريبا عن احدي دور النشر في بيروت) كانت الوطنية العراقية تكتسب طابعا كونيا، تمثل في التوحيدية الابراهيمية غير القابلة للتطبيق في ارضها، والمضطرة الي التحول الي وعد يطلب خارج ارض منبته، ان بعض الآراء تقول بان المهدوية هي فكرة متكررة في الديانات جميعا، وهذا صحيح، لان المصدر الاول لتلك الديانات عراقي، والابراهيمية هي التعبيرالكوني المساواتي عن اليوتوبيا العراقية غير المتحققة، والمصرة علي التحقق برغم القرون، في قلب التاريخ، اليهود يشيعون مفهوما عن الوعد وعن مملكة الله التي اهديت لهم، في حين ليس هنالك في التاريخ التوحيدي، غير وعد وحيد، سيتمثل تاريخيا في عودة الابراهيمية الي ارضها، وتحققها في الموضع الذي طردت منه، لكنها اصرت برغم طردها من مجالها الوطني، علي التناسل خارجه، الي ان تحققت احدي اشراقاتها الكبري والخاتمة، في الحيز اللادولوي الشبيه /رغم احاديته وبدائيته، قياسا الي مجال اللادولة العراقي ـ ارض السواد ـ / بهذا الاخير.
انتهت تجربة الاسلام المنتكسة، بعد انتصار دولة الوراثة، بالضد من الدولة الراشدة، ودولة الوحي اي مجتمع المدينة النبوي، بعد صراع طويل ومديد ودام، خاضه الحيز العراقي الاسفل، عبر العشرات من الانتفاضات، بهدف العودة بالاسلام الي تطابق الدولة مع النموذج الراشدي النبوي، الي ان سقط الحكم الاموي، وقام حكم العباسيين، لكن هؤلاء كرروا سيرة، تبين ان الكيان العراقي قادر علي اعادة انتاجها، فهرب هؤلاء من الكوفة لاستحالة قيام ـ دولة منفصلة او وراثية فيها، ـ ليقيموا ـ مدينة معسكر ـ، دولة فوق المجتمع، مرتضية لنفسها الاختصاص باضيق نطاق من ممارسة السلطة، مع ترك الجزء الاعظم من البلاد، يتمتع بشبه استقلال، خاصة في الفرات الاوسط (مرت فترات طويلة، كان الحمدانيون يحكمون في الموصل، والعقيليون في الانبار والاسديون في الحلة والفرات الاوسط، وكلها حكومات شيعية، تعيش بظل وجود الخلافة، وسادت التيارات الاسماعيلية ارض السواد، وابرزها القرامطة، لاكثر من قرن، كانت تدار خلالها من قبل مجلس العقدانية المساواتي، والذي اباح بالاضافة الي حرية الاعتقاد، حرية اللااعتقاد وهذه لفتة متقدمة في مجال الممارسة الديمقراطية، حتي علي اعظم الديمقراطيات المعاصرة، بما فيها الديمقراطية الامريكية، بهذا كان تاريخ ازدواجية السلطة، وتعايش المستويين، او الحكومتين يتكرر من جديد، (دولتان وبلاد واحدة)، كما كان عليه الامر في الطور الحضاري الاول، ومن يومها حكم علي الطور الثاني، بنفس مآل الطور الحضاري الاول ـ الانهيار المدوي ـ لم يكن حل الاشكال التاريخي المستعصي ممكنا، كما بينت الظروف التاريخية في حينه، وظهر ان الثورة الجزيرية الكبري، لم تكن مهيأة لان تنجز علي المستوي الاشمل، مهمتين كبريين في ذات المرحلة التاريخية، التمدد الشاسع من جهة، وايصال فكرة ونظام (دولة اللادولة) التوحيدية، من جهة، اي ضمان تطابق جوهر الشريعة مع النظام فاكتفي التاريخ بتامين المهمة الاولي الكبيرة والضخمة، ليدخر لنا وللعالم مهمة تحقق النظام التوحيدي وراثة الله للارض ومن عليها الي الطور الراهن، والي بلاد هي الاكثر تطابقا من الوجهة البنيوية والتكوينية مع هذا الجوهر، هنا حيث خيضت وقتها، اشرس واطول واعتي الصراعات، واكثرها قسوة ودموية، بقدر ما تميزت بالمثل، وبقوة وسمو التضحيات الكبري، الي ان تبين بالحس التاريخي، بان المهمة المطلوبة قد احيلت الي الغد. لقد ظلت فكرة المهدي خلال العهد العباسي، تتراوح بين التوقف والامتداد، وراي ممثلو التيارات المهدوية المساواتية لاكثر من مرة، ان المهدي يمكن ان يكون هذا الامام او ذاك، ودلائل التاريخ لا تزكي الاعتقاد البسيط السائد، عن تبلور فكرة المهدي مباشرة، وبين ليلة وضحاها، فالامل ظل يتكرر، والمحاولات تتوالي، الي ان اقتنع الجميع بان الباب قد اغلق، ولا بد من احالة المهمة العظمي الي عهدة زمن آخر. في الوقائع والدلالاتتثبت الوقائع الراهنة ان مفهوم المهدوية هو اهم التعبيرات التي تستوعب منطق (الوطن ـ كونية) العراقية، ومن اعمق خاصياتها، لقد تحولت مرة اخري، الي طلب للوعد خارج الحقائق المادية للتاريخ، وبعد انهيار البناء الحضاري الثاني، والغرق في قرون الدمار والانهيار، ومن ثم العودة الي الحياة، وانبعاث المجتمع العراقي الحديث منذ القرن السابع عشر، وهي حية، تشكل اهم محركات الوعي والوجود، ومنها وعبرها تبلورت اهم التعبيرات الحديثة، واخطرها، سواء في الحقبة السابقة علي تشكل الدولة الحديثة، اي مرحلة ما بين القرن السابع عشر وعام 1920، او المرحلة الثانية، الممتدة من عام 1920 حتي 2003. وتتداخل عبر هذا التاريخ الطويل، النظرات الحديثة والعصرية السائدة والتي مثلت اكبر الظواهر، واكثرها حضورا في التاريخ العراقي الحديث والمعاصر بما فيها الشيوعية التي احتلت بعد قيام الدولة البرانية الحديثة موقع المعبر، وحامل راية الامل، بحكم تطابقها جوهرا مع فكرة اليوتوبيا، التي هي فكرة العراق الوطنية، وتعبيرها عن احتمالات تحقق هذا المنقلب التاريخي الكوني العميق، بوسائل علمانية حديثة، متطابقة مع ايقاع العصر السائد. للشيوعية بالطبع، نفس الايقاع المهدوي العراقي، وهي لذلك كانت قابلة لان تمتزج بخاصيات المجتمع الاعمق، واخترقت سدودا دينية، وعلي مستوي الوعي، ولم يصدها مستوي التخلف في المناطق الاكثر حرمانا وبعدا عن العصر، فتلقفها الحس، وقبلها، ووطنها كحاجة وضرورة مستعارة، لم يكن ثمة ما هو اصلح منها في حينه، او اكثر تعبيرا عن روح المهدوية الارضوتوبية العراقية، فتم تجاوز فذلكاتها وبنيتها النظرية الغريبة والخاطئة، لتؤخذ بعبقرية الحياة والمجتمع، روحها، وتمزج في الوعي الاصيل والتاريخي للمجتمع المساواتي العراقي.
ومن ذلك اليوم حتي السبعينات، عندما تغير كليا موقع الفكرة المهدوية الشيوعية المستعارة، والعراق يتململ ويضطرب، ويخوض اصعب لحظات تاريخه واكثرها اشراقا واقترابا من التطابق مع خصائصة الاولي، الي ان عادت المهدوية مع التسعينات لتبزغ من جديد، متخذه اشكالا اولية، دينية اكثر عراقة وقربا من المزاج والوعي الشعبي العام، مع انها بدت منذ اليوم الاول حية متصاعدة وناهضة، ومتقدمة باستمرار، ففي اللحظة التي ظهرت فيها، كان من الممكن للسيد محمد صادق الصدر ان يستوحي مغزاها ضمن اطار حركته، فبادر الي وضعها في سجل اهتماماته، قبل ان يتم تحويلها الي قضية تحقق راهنة، جسدها تشكيل جيش المهدي الموكل بالتمهيد لظهور المهدي، غير ان التمهيد الصدري علي يد الصدر الثالث، انتهي الي مأزق ما لبث ان تحول الي كارثة مستعصية علي الحل، بينما الواقع يواصل افراز تطلعات مهدوية اخري، وكما كان الحال ايام ابيه، صار علي مقتدي اليوم ان يخوض معارك في قلب المهدوية، وهو امر لم يكن غائبا عن فترة الاب، فهو الذي طرد قبل استشهادة قبل عام 1999، جماعة المنتظرون، حتي غادروا بقسمهم الاعظم، الي الاردن وغيرها من البلدان. والان يواجه مقتدي السلوكيون و المنتظرون و جند السماء، بينما يصعد هؤلاء متقدمين واجهة المسرح والفعل، ويخوضون معارك كبري، تنتهي باستشهادات حسينية جماعية وبطولية، كما حدث في العام الماضي علي مشارف عاصمة التشيع النجف وكلما كان الصدر الثالث، يسعي الي تحاشي الصدام مع هذا التيار بالذات، كلما كانت الدائرة تضيق عليه، فالقدر الذي يلح اليوم علي العراق، انهي الماضي، ليفتح باب انقلاب نحو المستقبل، بينما يمتد التفاعل المهدوي ويتسع وتتضح سماته الراهنة مفجرا المعركة التي يتحاشاها الصدر في قلب التيار الصدري. في كربلاء مؤخرا تداخلت الرايات، والمهدويون تقدموا، مستهدفين اقامة قلعة محررة، كان الهدف اجبار الصدر علي تبني ما ليس له فيه يد، (سياسة الامر الواقع /هنا تلوح بعض ملامح التقية الداخلية) ومع تحقق هدف السيطرة علي المرقد الحسيني والعباسي وطرد ممثلي السيستاني، والمرجعية التقليدية، ومعهم وضمنا الصدرية كانت الخطوة اللاحقة تبدأ بالانتقال الي النجف، ومن الملفت ان يكون من بين المطالب المخطط لها في حال انجاز المهمة في كربلاء، ايقاف المحاكمة التي كانت علي وشك الانعقاد لمحاكمة قادة وكوادر جند السماء، والتقدم نحو الطور الثاني من الصراع، بعد ان يكون المشهد الشيعي قد تغير كليا، النجف كانت الهدف الاهم، وثمة خطط كانت موضوعه لتلك المرحلة، ومن هنا جاء رعب مقتدي، الذي وجد نفسه في مهب رياح، كانت ستاخذه بعيدا، ولهذا اتجه فورا الي تجميد ما لا يستطيع تجميده.
لو تحقق المطلوب، من هذه الانتفاضة، لتغير المشهد العراقي تماما، ولاصبحنا امام واقع، من المستحيل بعده الحديث عما قد تعود الجميع التحدث عنه حتي الان كحالة نهائية او ثابتة، بناء علي عناصر اللوحة التي تشكلت واستقرت في العراق بصفتها واقعا سياسيا ومذهبيا مميزا في الفترة اللاحقة علي الغزو، غير ان المهم ليس هذا، فالمحاولة قد تم احباطها، والذي يشغل اليوم بال الجميع، واولهم الاحتلال ومعهم الايرانيون، والمرتبطون بهم من الطائفيين والمرتزقة، لا بل وحتي بعض من يضعون انفسهم في خانة الوطنيين، او النصف وطنيين، هو الحصيلة المعاشة، فالانتفاضات تتكرر، ووتيرتها تثير القلق، ناهيك عن سعتها وحجمها، فخلال سنة واحدة، حدث الذي حدث تكرارا، في النجف واليوم في كربلاء، هذا بينما الجمهور في الفرات الاوسط وجنوب العراق، ينتقل بسرعة مذهلة، نحو الخروج علي المرجعيات التقليدية وغيرها، والصدر وتياره، ضاقت الي ادني حد فرصته في الحياة، والاحداث الحالية، وما سبقها ومحاكمات مناصري وكوادر جند السماء، وملاحقتهم هم وسواهم من اشباههم والقريبين منهم، يزيد بحكم الظرف وخاصيات عراقية، من تشوق الناس لمعرفة حقيقتهم، والالتفاف حولهم، وحول غيرهم من الحركات المهدوية، بينما يسقط سقوطا ذريعا، كل ما كان متعارفا عليه من افكار وتيارات، الدعوة و المرجعية التقليدية، وبالطبع بطانة آل الحكيم.
في شروط التحققما اهم الدلالات التي يمكن استخلاصها من تمخضات الوضع العراقي اليوم، سوي ظاهرة المقاومة المسلحة، وما الت اليه؟ وما هو المتوقع لهذه الحركة الناهضة (المهدوية)؟ اول ما يهم في التطور الوطني العراقي اليوم، شيوع هذه العملية التي تؤشر بالدرجة الاولي، الي ما يمكن تعريفة او تسميته بـ القطع التاريخي المعاصر، لقد ظهر مفهوم المهدوية وتبلور في العراق، عند نهاية العصر العباسي، ومع انتكاسة محاولة اقامة دولة تتطابق مع نموذج الدولة المدينية النبوية، ومن ذلك اليوم، الي التسسعينات من القرن الماضي، وبالتحديد منذ الغزو الامريكي، وانهيار الدولة المحلية المنفصلة، ظل هذا المفهوم علي ما كان عليه من اسس وتصورات وفذلكات روحية وتنظيرية ورمزية او تصورية، كلها مستمدة من واقع وعصر وشروط الانتكاس، وهذا شيء، والدخول الي عصر التطبيق، شيء آخر، فما يواجه المهدوية باعتبارها عودة الابراهيمية الي ارضها، وتحققها في منبتها، هو اعادة الانتاج بضوء الحاضر، وهذا ابرز ما يميز المسار الوطن ـ كوني العراقي الحالي، وهو يدخل مباشرة في قلب الصراع الكوني، عبر حضور المشروع الكوني الامريكي، منذ عقود، والتصاق مصيره بمصير هذا الموضع الخلاق المبدع كونيا، والاول في سجل الرؤي العظيمة، ومسار الحضارة الانسانية.
من الطبيعي ان تكنس المهدوية الراهنة، بقايا تصورات الماضي وحتي تجديدات التشيع الحديثة، فهذا شرط المهدوية المعاصرة والراهنة، وهو مجال اختبارها وتشكلها في قلب التاريخ والعصر، لقد عرف تاريخ الرؤية التوحيدية الابراهيمية ثلاث قراءات كبري هي (التوراة ـ الانجيل ـ القرآن)، وما ينتظرة الطور الحالي الختامي، من عصر التوحيد، هو قراءة رابعة، لا علاقة لها برؤي اولئك الذين ما زالوا يغرقون في طلب العبودية لـ الدولة والزعماء، فالعصر الحالي اصلا، تجاوز موضوعة الدولة، ومنها الدولة الامة، وحتي الدولة الراعية، والفكر الغربي برمته، وفي منابته الحيوية، انتقل الي التشوفات المطلة علي ما يسمي بعصر ما بعد الدولة، هذه الخردة التي يصر الجميع علي التمسك بها بفعل الكسل الفكري والروحي وحكم العادة، برغم عهودها السوداء، والدولة اصلا لم تكن في يوم من الايام، جزءا من خاصيات، او عالم العرب، الذين ابتلوا بنظام الوراثة الكسروي الروماني، هم الذين يقيمون دولة علي ظهور خيولهم، والذين تطابقت الشريعة الخاتمة، والثورة الكبري الاخيرة في تاريخهم، علي يد الرسول الكريم محمد (ص) بنظام اللادولة المديني والراشدي.
ان تاريخ العراق هو تاريخ اليوتوبيا، تاريخ تحقق المجتمع المساواتي، الذي ظلت البشرية تبحث عنه، وتطلبه علي مدي القرون، وهو نفسه المجتمع الذي يتكرر في كل القراءات الكبري، تحت تعبير وراثة الله للارض ومن عليها، والعراق اليوم، سائر نحو هذا الحلم، بلا دولة، وباقوي دولة في التاريخ، اي دولة العدالة والمساواة المطلقة.
تتصارع وتتسابق في سماء العراق اليوم، وفي سياق تبلور الرؤية المهدوية والقراءة الكبري الرابعة التجسدات العملية من جهه، والمنظور التصوري المطلوب /القراءة الرابعة / من جهه، لقد كتب في السنتين المنصرمتين اكثرمن عمل مهدوي يسعي الي التجديد والراهنية داخل العراق، من قبل مؤسسي جند السماء، كما قال الصرخي انه يريد المباهلة داخل النجف، غير ان القفزة التصورية التي تجمع المستقبل وروحه، والاصالة التاريخية، والسبل التحققية العملية الوطنوكونية، واليوم، ما تزال لم تتجسد، ولم تدخل التداول بعد، وهي ستكون من دون شك عملا عظيما، وجهدا يطابق مسار الواقع وتمخضاته، والمهم حتي الان، ان المهدوية اصبحت حقيقة تشارف علي البزوغ واقعيا، وبعد اليوم لن يستطيع لا السيستاني ومن معه من مراجع، ولا حتي الصدر ان يقف بوجه المصير الذي احكم الطوق فوق رقابهم، وعلي هؤلاء ان يفهموا صوت التاريخ ولغته، ويقرروا الرحيل عن النجف فالامر قضي والساعة تدق.
هل العراق علي ابواب الثورة الكونية العظمي؟ نعم، ليس مسار المطحنة الطويل الذي نشهده بلا معني، وليست نتائجه بأقل من حدث بركاني، يذكر بالنهضات الكونية العظمي، البشرية تنتظر، والعراقيون يخوضون كما تعودوا، معركة لا تنتهي في قلب ظلمة التاريخ حتي يجلونها، قبل ان يبدأوا الدخول ومعهم العالم، تاريخا آخر، ليس كالتاريخ.
ہ كاتب من العراق يقيم في باريس8