ما الذي يجعل الكتاب رائجا؟
ما الذي يجعل الكتاب رائجا؟بيروت ـ القدس العربي من زهرة مرعي: ما الذي يجعل الكتاب رائجاً بين القراء، وقابلاً للطباعة مرات عدة علي مدي أعوام وأعوام؟ يحضرني هذا السؤال وأنا أمسك بيدي المجموعة القصصية للأديبة غادة السمان ليل الغرباء في طبعتها العاشرة الجديدة. لكن الجواب لا بد أن يتضح عند معاودة قراءة هذه المجموعة، فبالإعادة إفادة كما هو معروف، حيث تتجدد الانطباعات الجميلة، وتستجد رؤي كانت غائبة لسبب من الأسباب.أول انطباع يمكن تسجيله عن ليل الغرباء التي صدرت في طبعتها الأولي في العام 1966، يقارب الصيغة الفنية والصُورية واللغوية التي ابتكرتها غادة منذ البدايات.. فهذه الصيغة لم تكن مشحونة بالمؤثرات التعبيرية، الأدبية والنفسية والاجتماعية فقط، وإنما كانت ترتكز إلي شحنة من المفردات التوليفية الخاصة بلغة غادة الأدبية، التي دخلت إلي دنيا الأدب، كبيرة وهي في عز الصبا، والتي كبر معها أدبها وهي في عزّ التواضع والعطاء.واللافت أن أبجدية غادة السمان تشكلت ضمن وتيرة غير مألوفة من الأوصاف المركبة والممزوجة بمقومات سرّية لا يعرف خلطتها إلا غادة. هذا ما نقع عليه في القصة الأولي من المجموعة وعنوانها فزّاع طيور آخر ، وتحديداً في الفقرة الأخيرة ـ ص 17ـ حيث كتبت تقول: تمطر بوحشية..الرعد حقل ألغام في الأعلي تفجره أقدام شيطانية.. البرق.. خائفة.. تصرخ..خائفة… شيء ما يقبع فوق عنقي من الخلف.. أظافر قطط شرسة أحسّها تمزّق لحمي.. خائفة… في الحقل ملايين من فزاّعي الطيور يركضون وقد حملوا المشاعل في موكب احتفالي مخيف.. والرعد حقل ألغام لا حصر لها.. والبرق يتناوب الالتهاب علي أطفال الجدار..أرسم..أريد أن أرسم طفلاً.. لا أدري ماذا أرسم. وفزاّعو الطيور يتّجهون نحو النافذة.. والتيار الكهربائي انقطع.. وأطفال لوحاتي يكبرون بسرعة، والبرق يحصد الوجوه ذات العيون المفقوءة … تشكّل مسوغات هذه القصة وأبعادها عملاً أدبياً يصعب تقليده.. فالأحداث غنية بالتناقضات المبدئية، ومُلخصة بأسلوب حكائي وترميزي ذكي.. حيث تبدو الانعكاسات وكأنها تنغلق علي بعضها البعض، لتشكل دوائر مفتوحة علي أكثر من قصة ومن موقف ومن عقدة نقص، ومن حياة.إن الصور الغرائبية تحضر كسِمة رئيسية من سمات الكتابة القصصية والروائية عند غادة.. هي لم تتخلَّ عنها وقد ظلت وفية لها في أعمالها الحديثة، نذكر علي سبيل المثال، روايتها الأخيرة سهرة تنكرية للموتي ، والرواية التي سبقتها وعنوانها الرواية المستحيلة: فسيفساء دمشقية . والجدير ذكره في هذا المضمار أن الأسلوب الروائي الذي تتبناه غادة ينحاز بقوة لمصلحة المرويّ الفنيّ والغامض في الوقت عينه.. إذ ما من مشاهد وحكايات سلسة التوليف، بل هناك دائماً انعطافات وتقاطعات تتحدي ـ من غير قصد متعمّد ـ ذكاء القاريء وتمتحن استيعابه.هكذا تضعنا مجموعة ليل الغرباء في سياق التقاط أبرز الصفات التي يتميز بها أدب غادة السمان، ومنها الصفة التصويرية الغرائبية. ففي قصة ليلي والذئب المرصودة في هذه المجموعة، نقرأ ـ ص 64 ـ أنموذجاً عن الخليط الذي تجيده الكاتبة بعيداً عن التقليد، أو التقليدية. فقد كتبت تقول: إني خائفة. كل ما حولي يرتعد خوفاً. السطور في مجلد الطب الكبير المفتوح أمامي ترتجف. عبثاً أثبِتُ نظراتي علي الحروف، التي تختبيء بعضها خلف الآخر. النور المسلط علي مكتبي يصاب بإغماء أصفر، أصفر، كأنياب سوف تنبت فجأة، وتنقضّ علي ّ من مكان ما، لسبب أجهله كما تجهله هي أيضاً .. إني خائفة (يا فراس.. لو تدري). خائفة. حتي الجمجمة الحسناء، صديقتي الوحيدة، فقدت مرحها. بريق السخرية في فجوتيّ عينيها خبا.. مغارتان للرعب الداكن أراهما أمامي، وفكّها الأسفل يرتجف. ربما في عنقها المقطوع صرخة ميتة.. الصرخة في حنجرتي تنطفيء كومة رماد صديء.والريح. توقفت عن العويل. ربما اختبأت في أحد المختبرات. حتي المطر كفّ عن الهطول .علي خط آخر.. تبرز معالجة غادة لقضايا الغربة ولمعاناة الإغتراب قويةً منذ أعمالها الأولي، وقد بدا ذلك جلياً في ليل الغرباء ، حيث حصدت أدبيات الغربة في أعمال غادة كلها ذروة النجاح الجماهيري العربي من جهة، والجماهيري الأجنبي من جهة ثانية، تشهد علي ذلك سلسلة من التراجم التي طالت أعمالها بمختلف اللغات العالمية.نقرأ في قصة بقعة ضوء علي مسرح ـ ص 49 ـ : منذ اليوم الأول عرفت لماذا اختار أخي البيت رقم 163، وست أندلين. فقد كان يقع تجاه بار فرسان دون كيشوت ، ولا يفصل بين الدار والبار إلا عدة أمتار. كنت متعبة في ليلتي الأولي. خلّفت أخي في البار. بكيت وأنا أسمع الجليد يتكسر تحت قدميّ. وأنا أقطع أرض الشارع علي الدرج الخشبي العتيق، كنت أمسح دموعي لما شاهدتهما يهبطان: الكلب وصاحبه. لمّا حاذاني الكلب سمعته يهمهم. والكلب منذ طفولتي يخيفني أكثر من القنبلة الموقوتة وصفير الشرطة. خوف غريزي عفوي لا يُفسر. وجدتني أصرخ ذعراً وأقفز بتوتر أعصابي كلها لأتمسك بصاحبه. كم كان حازم يطرب لهذا المشهد ويعلق ساخراً: المناضلة! .QMK0