ما الذي يحمله جون كيري للسلطة الفلسطينية؟

حجم الخط
0

يعود جون كيري إلى المنطقة العربية وفي جعبته خطة قديمة جديدة. بعد 20 سنة من السعي لاقامة دولة فلسطينية تبعا لاتفاقات أوسلو، أشارت الولايات المتحدة الاسبوع الماضي إلى انها ستغير الاتجاه. ويبدو أنها ستعتمد نموذج نتنياهو ‘السلام الاقتصادي’.
تحت ضغوط شديدة من الولايات المتحدة، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو ردد على مضض على مدى السنوات الأربع الماضية بهدف اقامة دولة فلسطينية. لكن أجندته الحقيقية كانت دائما شفافة: لا دولة، ولكنه أراد ‘السلام الاقتصادي’.
الفلسطينيون في نظر نتنياهو، يمكن إسكاتهم بالفتات فهم كالأيتام على مأدبة اللئام. فهو يظن أن عددا أقل من نقاط التفتيش، ووظائف اضافية وفرص تجارية، وبشكل تدريجي، وإن كانت محدودة، وتحسين مستويات المعيشة. كل هذا يشتري الوقت لإسرائيل لتوسيع المستوطنات، وتدعيم قبضتها على الضفة الغربية والقدس الشرقية.
كشف وزير الخارجية الأمريكية، جون كيري في المنتدى الاقتصادي العالمي في الأردن للرئيس الصهيوني ولمحمود عباس، عن برنامج اقتصادي لوضع محادثات السلام على المسار الصحيح.
وقال لنحو 300 من رجال الاعمال الاسرائيليين والفلسطينيين على متن الطائرة انه سوف يستثمر بكثافة في الاقتصاد الفلسطيني في مشروع كان ‘أكبر وأكثر جرأة وأكثر طموحا من أي شيء منذ اتفاقات أوسلو’.
ليس هناك المزيد من تفاصيل قادمة، إلا أنه سيتم الإشراف عليها من قبل توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني السابق الذي كان ممثل اللجنة الرباعية منذ عام 2007.
على الرغم أن القيادة الفلسطينية رفضته علنا على أنه ‘محامي الدفاع الاسرائيلي’ وأنه في المجالس الخاصة – كما كشفت الأوراق الفلسطينية تسربت في عام 2011 – أنه يدعو إلى ‘نهج الفصل العنصري للتعامل مع الضفة الغربية المحتلة ‘.
وكانت مطالبات كيري لبرنامجه الكبير حتى الآن غامضة. حوالي 4 مليارات دولار من الاستثمارات الخاصة على مدى ثلاث سنوات من شأنه دفع عجلة الاقتصاد الفلسطيني بنسبة 50 في المائة، وأن الإنتاج الزراعي والسياحة سوف يتضاعف ثلات مرات ؛ وهبوط البطالة بمقدار الثلثين؛ وارتفاع الأجور بنسبة 40 في المائة، وسوف يتم بناء 100000 منزل.
خطة كيري هي مجرد إعادة إحياء مهمة بلير التي كلف بها منذ ست سنوات.’وكانت وظيفته تطوير الاقتصاد الفلسطيني وبناء المؤسسات الفلسطينية تمهيدا لإقامة الدولة في نهاية المطاف دون تأثير يذكر.
كما سخر ديفيد هوروفيتس، رئيس تحرير صحيفة التايمز الإسرائيلية اليمينية: ‘إذا كان هناك 4 مليارات دولار للاستثمار في الاقتصاد الفلسطيني، يمكنك أن تطمئن إلى أن توني بلير فيها.’
إن مشكلة الاقتصاد الفلسطيني ليس نقص الاستثمار، بل هو عدم وجود فرص مجدية للاستثمار. الفلسطينيون ليس لديهم السيطرة على حدودهم ومجالهم الجوي، وترددات الراديو والمياه والموارد الطبيعية الأخرى، ولا حتى على العملة أو الحركة الداخلية للسلع والناس. كل شيء يعتمد على الإرادة الإسرائيلية. لقد كانت إسرائيل مرارا وتكرارا أكثر استعدادا لسحق المالية للسلطة الفلسطينية ، على سبيل المثال، حجب عائدات الضرائب الفلسطينية عن السلطة.
وتعرض دور بلير لانتقادات شديدة بسبب تركيزه الضيق على التنمية الاقتصادية وأنه لم يفشل فقط في تعزيز مناخ يفضي إلى محادثات ولكن كانت بمثابة غطاء لإسرائيل وغطاء لتراخي واشنطن بشأن اقامة دولة فلسطينية. وبدلا من إعادة النظر في ولاية بلير الفاشلة، كيري يبدو أنه مصر على تفعيل مهمته واستمرارها.
إن الخطة الأمريكية، من وجهة نظر إسرائيل، مفيدة لصرف الانتباه عن مبادرة السلام العربية المعدلة من قبل أنظمة عربية، تم تقديمها الشهر الماضي التي تقضي بإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع اسرائيل مقابل انسحابها من معظم الأراضي المحتلة مع تبادل الأراضي.
كان قلق نتنياهو من العرض على أنه قد يحشره في محادثات جادة، حيث استجاب له بصمت. وفي نفس الوقت، يائير لابيد، وزير المالية يفترض أنه الوسطي الذي تم ترويجه في الأصل من قبل الغرب كصانع سلام، سحق فكرة التوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين على أنه غير واقعي. وقال لصحيفة نيويورك تايمز الشهر الماضي انه يؤيد توسيع المستوطنات.
إن إسرائيل، على ما يبدو، سعيدة الآن بغرق السلطة الدائم في الأزمة المالية، ولذا يمكن لي ذراعها مع وعود المليارات من الدولارات. وفقا لمصادر فلسطينية، يواجه عباس ضغوطا مكثفة من الولايات المتحدة، مع خطة كيري التي يقصد منها إسقاط شرطه بأن تقوم إسرائيل بتجميد الاستيطان قبل استئناف المفاوضات.
في عطلة نهاية الأسبوع، كشفت تقارير إعلامية خطة لـ300 وحدة سكنية جديدة في القدس الشرقية، في حين ما يقرب من 800 وحدة سكنية اخرى من المقرر طرحها للبيع. ومن المتوقع أن يتم شرعنة العديد من المواقع الاستيطانية بأثر رجعي، بما في ذلك مئات المنازل في إيلي، قرب رام الله التي أقيمت دون تصريح من الحكومة الاسرائيلية.
يتوقع كيري قرارا بشأن استئناف محادثات السلام في غضون أسبوعين – وإلا سوف يترك عملية السلام برمتها. وقال في اجتماع للجنة اليهودية الأمريكية في اليوم نفسه: ‘إذا لم ننجح الآن، قد لا نحصل على فرصة أخرى.’
بالنسبة لنتنياهو، هذه تهديدات جوفاء. فإذا غيبت الولايات المتحدة نفسها عن الصراع، سوف ببساطة تصبح إسرائيل في حل مما يسمى ضغوطا امريكية متخيلة وتتمادى في ممارسة القهر للفلسطينيين وسرقة أراضيهم.
وفي حال فشل مهمة كيري، فإن البديل الفلسطيني كما يعلن أزلام السلطة هو التوجه الى الأمم المتحدة والانضمام الى منظماتها، والتوقيع على مواثيقها المختلفة، وفي مقدمها ‘ميثاق جنيف الرابع’ الخاص بحماية المدنيين تحت الاحتلال، ومواجهة إسرائيل أمام القضاء الدولي بدلاً من طاولة المفاوضات. وقال عريقات: ‘المواجهة ستكون هناك في لاهاي (أمام محكمة العدل الدولية)، فهدم البيوت هو جريمة حرب، وبناء المستوطنات هو جريمة حرب’. ورأى أن وضع الفلسطينيين بعد الحصول على مكانة دولة غير عضو في الأمم المتحدة نهاية العام الماضي بات مختلفاً عما قبله، فـ ‘بعد التاسع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2012، فإن كل إنش من الأرض المحتلة عام 1967 هو أرض فلسطينية’. وأضاف: ‘من حقنا الانضمام الى كل منظمات ووكالات الأمم المتحدة، ومن يخشى القضاء الدولي، عليه التوقف عن ارتكاب جرائم الحرب’، مشيراً في ذلك الى هدم بيوت الفلسطينيين وتشريدهم، وإقامة المستوطنات على ارضهم المحتلة.
هذا هو حل العاجز المستسلم للاحتلال المذعن في حين أن الشعب الفلسطيني على استعداد للتضحية والفداء في سبيل تحرير الأرض والإنسان. تناسى أزلام السلطة تضحيات الشعب الفلسطيني فلم يذكر ‘كبير المفاوضين’ الانتفاضة ولم يذكر التنسيق الأمني. فمنذ متى تستجيب ‘اسرائيل’ للقرارات الدولية والقضاء الدولي؟ ومنذ متى كان المجتمع الدولي حانيا على الشعب الفلسطيني؟!
سلطة اذعنت للاحتلال وأعطته ما يريد من أمن واستقرار في المناطق المحتلة بدليل التنسيق الأمني وباعتراف العدو الصهيوني نفسه. حيث يقول أوري مسغاف إننا جميعا نربح من الاحتلال. لقد نجح أزلام السلطة في خلق المصالح الفردية مع الكيان الصهيوني ونجحت السلطة أيضا في خلق ثقافة الراتب لجيش من الموظفين وجيش من العمال في مزارع ومصانع الاحتلال. إن أداء السلطة يرقى إلى الخيانة للشعب المغلوب على امره الذي يعاني من احتلالين: احتلال إسرائيلي واحتلال سلطة فاقدة للشرعية جلها طبقة سياسية وتجارية متغولة على الشعب. ولا يسعنا إلا أن نتمثل بقول الشاعر عمر أبو ريشة:

لا يلام الذئب في عدوانه

إن يك الراعي عدو الغنم

‘ كاتب وباحث من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية