بعد ان ساءت الاوضاع، وتفاقم البلاء، وبلغت فوق مستوى قدره البشر على تحملها، نفذ صبر الثوار الاحرار من ابناء الامة، فأحرق البوعزيزي خالد الذكر نفسه، واندلعت شرارة ما بات يسمى بالربيع العربي، وكانت البداية في تونس المجد والفداء، حيث هرب زين العابدين بن علي، بما خف حمله وارتفع ثمنه، ونفذ بجلده، لكنه ترك خلفه ارثا ثقيلا ومعظم اركان نظامه، كان من الواجب اللازم، ان يحصل تغيير جذري شامل عميق وواسع، لكل مفاصل الدوله والمجتمع، ولا بد ان نعيد البناء من جديد، وبشكل سليم وقويم لبنة لبنة وخطوة خطوة، ويؤسس على ركائز واسس صلبة قوية متماسكة سليمة وقويمة، وان تتوفر للربيع كفاءات رفيعت المستوى قيادة وادارة وتخطيط. وهذه هي اعمدة الربيع العربي التي بدونها لا يمكن ان يكتمل بناؤه، ويثمر، ليذوق ابناء الامة ثمار جهدهم والدماء الغالية والغزيرة التي جادوا بها بسخاء منقطع النظير، وبما ان هذا لم يحصل، كان من الطبيعي، ان تملأ هذا الفراغ اطراف اخرى لا علاقة لها بالربيع العربي لا من قريب ولا من بعيد، وربما لها اهداف وغايات اخرى مختلفة تتقاطع وتتناقض مع احلام وامال ابناء الشعب، وهذا هو الذي حصل. لقد كان من الطبيعي ان يستمر كبار أركان النظام السابق العمل على تقويض مقومات العهد الجديد وبالتعاون مع كل الاطراف الاخرى المعادية للربيع، وقد نجحوا ايما نجاح، ومن المؤسف والمؤلم حقا، اننا نرى من على وسائل الاعلام المرئية، حوارات اركان العهد الجديد، تتسم بالتهديد والوعيد والصراخ والعويل، ان هذا الاسلوب لا يبشر بخير، لا يثلج قلوب ابناء الامة واحرار الربيع، بل يثير غضبهم وسخطهم وحنقهم، وهكذا نرى حتى في تونس وهي الاحسن حالا، فوضى واضطراب وارتباك ومناوشات، واعتقالات وسفك دماء وزهق ارواح من هم خيرة ابناء الامة، وحصل مثل هذا في مصر الكنانة، وان كان باسلوب اخر، وبتفاصيل مختلفة، وها هي بوادر الفتنة الطائفية بدأت تدب بين شرائح الشعب المختلفة، وايضا حصلت فوضى واضطرابات ومناوشات عنيفة بين مختلف الاطراف والجهات، وفي كل مدن وقرى ام الدنيا، يقط خلالها ايضا قتلى وجرحى بالمئات، وحصلت اعتقالات با لجملة، توقفت الحياة وتعطلت ارزاق الناس، وتدهور الاقتصاد، وتعطلت سائر الخدمات الانسانية والضرورية، واذا كان هذا حال ام الدنيا فما بالك، بحال الدول الاخرى مثل ليبيا وغيرها، اننا على يقين كامل، اذا لم يستلم مقاليد ادارة دفة الدولة والمجتمع، من هم الاقدر والاكثر قدرة قيادة وادارة وفكر منفتح، ومن بين من كانوا وراء انطلاق الربيع العربي، حتما سيأتي اليوم، الذي يطالب فيه عامه الشعب، باعاده من اطاح بهم الربيع معززين مكرمين مع الاعتذار لهم، لان حالهم بعد رحيلهم كان اكثر مرارة منه قبل رحيلهم.